العايدي: شجرة البقيعاوية مباركة .. ولم يثبت أن عمر قطع شجرة الرضوان
وأوضح العايدي أن الرواية الصحيحة في شجرة الرضوان لا تتحدث عن قيام عمر بقطعها، وإنما تفيد بأن الصحابة لم يستطيعوا تحديدها في العام التالي للبيعة، مستشهدًا بما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله».
وأشار إلى أن البخاري روى كذلك عن المسيب بن حزن، وكان من أصحاب بيعة الرضوان، أنهم عادوا في العام التالي فلم يستطيعوا معرفة الشجرة، وهو ما يؤكد أن تعيينها قد خفي على أصحاب النبي ﷺ أنفسهم.
وأضاف العايدي أن الرواية التي يستدل بها على أن عمر قطع الشجرة جاءت من طريق نافع مولى ابن عمر، في حين أن نافعًا لم يدرك عمر بن الخطاب، ولذلك فالرواية منقطعة بينهما، حتى وإن صح الطريق إلى نافع.
ولفت إلى دقة العبارة التي وردت في «الطبقات الكبرى» لابن سعد، حيث جاء فيها: «كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها»، ثم ذكرت الرواية أن ذلك بلغ عمر فأمر بقطعها.
وقال العايدي إن تعبير «يقال لها» مهم في التحقيق التاريخي، لأنه لا يجزم بأن الشجرة التي كان الناس يقصدونها هي ذاتها الشجرة التي وقعت تحتها بيعة الرضوان، خصوصًا مع وجود الروايات الصحيحة التي تثبت اختلاف الصحابة في تحديدها.
حتى لو صحت الرواية.. لماذا قطعها عمر؟
وبيّن العايدي أنه حتى على فرض صحة الرواية المنسوبة إلى عمر، فلا يوجد فيها ما يدل على أنه قطع الشجرة لمجرد كونها أثرًا من آثار النبي ﷺ، وإنما تذكر الرواية أن الناس أخذوا يقصدونها ويصلون عندها.
وقال: «إذا صحت الواقعة، فلا بد من البحث عن علة تصرف عمر؛ فقد تكون مرتبطة بخوفه من الفتنة أو اختلاف الناس حول شجرة لم يثبت تعيينها، وليس بمجرد كونها أثرًا نبويًا».
وأضاف أن القول بوجوب إزالة كل أثر مرتبط بالأنبياء سدًا للذريعة لا يستقيم مع نصوص القرآن وممارسات المسلمين؛ إذ أبقت الشريعة نفسها آثارًا وأماكن ارتبطت بالأنبياء، وفي مقدمتها مقام إبراهيم، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾، إضافة إلى الصفا والمروة وما ارتبط بهما من قصة هاجر وإسماعيل عليهما السلام.
ابن عمر كان يسقي شجرة نزل تحتها النبي
وأشار العايدي إلى مفارقة وصفها بالمهمة في مناقشة القضية، وهي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ابن الخليفة عمر نفسه، كان من أشهر الصحابة في تتبع آثار النبي ﷺ والمواضع التي نزل وصلى فيها.
وأوضح أن البخاري أورد في صحيحه أخبارًا عن تحري ابن عمر المواضع التي صلى فيها رسول الله ﷺ والصلاة فيها، كما ثبت عن نافع أن ابن عمر «كان يتتبع آثار رسول الله ﷺ، وكل منزل نزله رسول الله ﷺ ينزل فيه».
وأضاف أن الرواية تذكر أن النبي ﷺ نزل تحت شجرة، وأن ابن عمر كان يأتي بالماء «فيصبه في أصل السمرة كي لا تيبس»، وهي رواية أخرجها ابن حبان في صحيحه والبيهقي.
وتساءل العايدي: «كيف نجعل رواية منقطعة في قطع عمر لشجرة أساسًا لمنهج إزالة الآثار، بينما لدينا رواية صحيحة عن ابنه عبد الله بن عمر وهو يسقي شجرة نزل تحتها رسول الله ﷺ حتى لا تيبس؟».
حفظ الأثر لا يعني عبادته
وأكد العايدي ضرورة التفريق بين المحافظة على الأثر التاريخي وبين الغلو فيه، موضحًا أن «زيارة مكان تاريخي أو المحافظة على شجرة ارتبطت بالسيرة النبوية شيء، واعتقاد أن الشجر أو الحجر ينفع ويضر من دون الله شيء آخر تمامًا».
وقال إن وقوع بعض الممارسات الخاطئة في موقع ديني أو تاريخي لا يعني بالضرورة إزالة الموقع، وإنما ينبغي معالجة الممارسة المخالفة وتصحيح الاعتقاد مع المحافظة على الأثر.
وأشار إلى أن دائرة الإفتاء العام الأردنية سبق أن تناولت شجرة البقيعاوية في مجلتها الرسمية ضمن باب «من ذاكرة المكان»، وقدمتها بوصفها معلمًا دينيًا وتراثيًا مرتبطًا بالرواية التاريخية لرحلة النبي ﷺ إلى بلاد الشام.
كما أكد وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الدكتور محمد الخلايلة مؤخرًا أن شجرة البقيعاوية ارتبطت برواية تاريخية تشير إلى رحلة النبي ﷺ إلى بلاد الشام في طفولته، وأنها بقيت حاضرة في الذاكرة التاريخية والشعبية باعتبارها من المواقع المرتبطة برحلته
وختم العايدي بالقول إن التعامل مع شجرة البقيعاوية وغيرها من المواقع الدينية والتاريخية يحتاج إلى منهج يجمع بين التحقيق العلمي للروايات والمحافظة على الذاكرة الحضارية، بعيدًا عن الممارسات الخاطئة.
وقال: «نحفظ الأثر، ونمنع الممارسة المخالفة إن وجدت؛ فالآثار لا تُعبد، ولكن التاريخ أيضًا لا يُمحى

























