شريط الأخبار
الأردن يدين انتهاك نتنياهو للسيادة السورية بدخوله اللاشرعي لأراضيها مذكرة إلى وزير التربية: المعلم الأردني وبرنامج الأولويات التنفيذي لإصلاح التعليم الأمر بغاية السهولة عندما تعرف القواعد: بريطانيا تلعب لعبة العقوبات القديمة نفسها ترمب التاجر يهذي: 5000 دولار لكل امريكي إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على "النواب والشيوخ" بين استنزاف الأزمات وواقعية الحلول: الرؤية البرغماتية لتجاوز التحديات الاقتصادية والسياحية في الأردن الملك يعود إلى أرض الوطن بعد مشاركته في جنازة ملك النرويج د. ذوقان عبيدات يكتب: ما لم يقله المحتفلون!! الوهم لا يصنع نجاحًا! 4 شهداء ومصابون بنيران الاحتلال شمال قطاع غزة 5 قتلى وعشرات المفقودين جراء حريق عبارة بالفلبين الأردن يسيّر قافلة المساعدات الـ13 إلى لبنان الخميس .. طقس معتدل الحرارة في أغلب المناطق الكيلاني يستقيل من حزب الحياة والمستقبل احتجاجا.. وهذه الأسباب لقاء خلف القضبان... سي أن أن: نشاط إيراني مكثف في "جبل الفأس" الإيراني وواشنطن تدرس سبل استهدافه حسان: أمام بلدنا فرص واعدة أكثر من التحدّيات التي اعتدنا عليها ولي العهد يكرم قيادات مشاركة في أعمال مؤتمر مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي نقابة المقاولين: 12 مليار دينار حجم المشاريع المتوقعة خلال 10 سنوات الحاج توفيق: الأردن نقطة انطلاق إلى أسواق عالمية تضم مئات الملايين من المستهلكين الأردن ودول عربية وإسلامية ترحب بقرار بريطانيا بحظر استيراد سلع المستوطنات الإسرائيلية الصفدي يلتقي الشرع والشيباني بدمشق: العمل على تطوير شراكة استراتيجية شاملة بين البلدين

مذكرة إلى وزير التربية: المعلم الأردني وبرنامج الأولويات التنفيذي لإصلاح التعليم

مذكرة إلى وزير التربية: المعلم الأردني وبرنامج الأولويات التنفيذي لإصلاح التعليم

 


 

كتبت شيرين قسوس

 

 

معالي وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة المحترم،

 

هناك حقيقة لا يمكن لأي مشروع إصلاحي في التعليم أن يتجاوزها: لا يمكن أن نطلب من المدرسة نتائج أفضل، إذا كانت الظروف التي يعمل فيها المعلم والطالب لم تتغير. فكل سياسة تعليمية، وكل منهج، وكل نظام إلكتروني، وكل مشروع تطويري، ينتهي في لحظة واحدة إلى الغرفة الصفية؛ وهناك تحديدًا يظهر نجاح الإصلاح أو يفشل.

 

ومن هنا، فإن هذه المقالة تضع أمام معاليكم ملفًا واحدًا مترابطًا، لا مجموعة قضايا منفصلة: المعلم، والنصاب، واكتظاظ الصفوف، وتوزيع الكادر، والمعلم الذي يصنف "زائدًا"، والتعليم الإضافي، والأعباء الإدارية والرقمية، ثم السؤال الأهم: كيف نرتب هذه الملفات ضمن برنامج أولويات تنفيذي يجعل أثرها في تعلم الطالب هو المعيار الأول للقرار؟

 

فالمشكلة لا تكمن فقط في عدد الحصص التي يقف فيها المعلم أمام طلبته، وإنما في حجم المهمة التي نطلب منه إنجازها بالموارد والوقت والطاقة المتاحة له. وعندما يجتمع النصاب المرتفع مع الصفوف المكتظة، وتتراكم فوقهما أعمال التصحيح والتحضير واللجان والمناوبات والمتابعة والإجراءات الإدارية، فإننا لا نواجه مجرد عبء وظيفي أكبر؛ بل نواجه خطرًا مباشرًا على جودة التعليم نفسه.

 

ولهذا فإن إعادة النظر في وضع المعلم ليست ملفًا وظيفيًا منفصلًا عن إصلاح التعليم، بل هي في صميم الإصلاح. تخفيض النصاب، وتقليل كثافة الصفوف، وإعادة توزيع المعلمين، وتقليص الأعمال التي لا تحتاج إلى المعلم، وتنظيم التعليم الإضافي، كلها أدوات هدفها النهائي واحد: تحرير طاقة المعلم المهنية والعقلية والنفسية ليضعها في المكان الذي تصنع فيه أكبر أثر، وهو تعليم الطالب.

 

وفي المقابل، فإن معالجة هذه الملفات لا تعني تجاهل الكلفة المالية أو التعامل مع الموارد باعتبارها غير محدودة. المطلوب هو إدارة الموارد بطريقة أكثر دقة: أن نعرف أين يوجد النقص الحقيقي، وأين يوجد الفائض، وأين تذهب ساعات عمل المعلم، وأي إنفاق يحقق أثرًا مباشرًا في الصف، وأي إجراءات يمكن إعادة تصميمها لتوفير الوقت والجهد دون المساس بجودة العمل.

 

وهنا تبرز قضية أكبر من النصاب والاكتظاظ وحدهما: ترتيب الأولويات. فوزارة التربية والتعليم أمام ملفات كثيرة ومهمة، من التحول الرقمي والانضباط المدرسي والنقل المدرسي والتجهيزات والمناهج والامتحانات وغيرها. لكن كثرة الملفات لا تعني أن جميعها يجب أن تتحرك بالسرعة نفسها أو أن تحصل على الوزن نفسه من الموارد والجهد.

 

الأولوية يجب أن تُمنح لما يمس العملية التعليمية في يومها العادي، وما يستطيع أن يحدث فرقًا ملموسًا في أداء المعلم وتعلم الطالب. ولذلك فإن المطلوب ليس فقط أن نحدد ما نريد إصلاحه، وإنما أن نحدد ما الذي يجب أن يأتي أولًا، وما الذي يمكن أن يأتي لاحقًا، وما النتائج التي ننتظرها من كل قرار، ومتى يجب أن تظهر هذه النتائج.

 

ومن هنا تصل المقالة إلى القضية الأوسع: ضرورة تحويل برنامج الأولويات التربوي إلى التزام تنفيذي واضح ومتعدد السنوات؛ برنامج لا يكتفي بتحديد الاتجاهات، بل يحدد الأهداف، والمراحل، والموارد، والمسؤوليات، والمواعيد، ومؤشرات الأداء، وآليات المراجعة والمساءلة.

 

معالي الوزير،

 

إن الإصلاح الذي يستحق أن تتبناه وزارة التربية والتعليم هو الإصلاح الذي يصل أثره إلى الصف قبل أن يظهر في التقارير، ويشعر به المعلم قبل أن يُعلن عنه، ويلمس الطالب نتيجته في مستوى تعلمه.

 

ولهذا تبدأ هذه المقالة من المعلم، لكنها لا تنتهي عنده؛ بل تنتقل من عبء المعلم إلى النصاب، ومن النصاب إلى كثافة الصف، ومن كثافة الصف إلى توزيع الكادر، ومن توزيع الكادر إلى التعليم الإضافي، ومن هذه الملفات جميعًا إلى السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة: كيف نبني برنامج أولويات تربويًا يوجه موارد الدولة إلى أكثر النقاط تأثيرًا في جودة التعليم، ثم يقيس النتيجة بوضوح؟

 

ومن هذا المنطلق، تأتي هذه المذكرة كمقالة إصلاحية تضع أمام معاليكم قضية تستحق أن تكون في مقدمة أجندة الإصلاح التربوي: واقع المعلم الأردني وحجم الأعباء الملقاة على عاتقه، ومدى تأثير ذلك في جودة التعليم، والحاجة إلى تحويل برنامج الأولويات من عنوان عام إلى التزام تنفيذي واضح.

 

المعلم هو العنصر الذي تتحول من خلاله السياسات والمناهج والبرامج إلى تعليم فعلي. ولذلك فإن الحديث عن جودة التعليم يجب أن يبدأ من السؤال عن الظروف التي يعمل فيها المعلم، وحجم العبء الذي يتحمله، ومدى قدرته على أداء مهمته الأساسية بكفاءة وطاقة ذهنية ونفسية مناسبة.

 

وفق تعليمات تشكيلات المدارس المنشورة من وزارة التربية والتعليم، يبلغ النصاب العادي للعديد من المعلمين في الصفوف الرابع إلى العاشر والمرحلة الثانوية 24 حصة أسبوعيًا، مع وجود نصاب أقل لبعض الرتب المهنية. والرقم بحد ذاته لا يكشف حجم العمل الحقيقي؛ لأن المعلم لا يعمل داخل الحصة فقط، وإنما يؤدي قبلها وبعدها سلسلة طويلة من المهام التعليمية والإدارية والإشرافية.

 

فالتحضير للحصة يحتاج إلى وقت، وكذلك إعداد الأنشطة والأسئلة والاختبارات، وتصحيح الواجبات وأوراق العمل والامتحانات، وتحليل نتائج الطلبة، ومعالجة جوانب الضعف، ومتابعة الفروق الفردية. وكلما زاد عدد الطلبة والشعب، تضاعف هذا العبء. فإذا كان لدى المعلم أربع شعب، وفي كل شعبة 40 طالبًا، فإنه يتعامل مع 160 طالبًا. وإذا طلب مهمة كتابية واحدة من كل طالب، أصبح أمامه 160 عملًا يحتاج إلى قراءة وتصحيح وتقييم، فضلًا عن الاختبارات والواجبات المتكررة خلال الفصل.

 

وتزداد المشكلة وضوحًا عندما تكون الشعب مكتظة. فإذا كان المعلم يدرس 24 حصة أسبوعيًا في شعب يبلغ عدد طلبتها 45 طالبًا، فإن حجم التفاعل التعليمي يصل نظريًا إلى 1080 حالة طالب-حصة أسبوعيًا. وكل طالب يحتاج إلى شرح ومتابعة وتقييم وتصحيح وتغذية راجعة، بينما يحتاج المعلم في الوقت نفسه إلى ضبط الصف والمحافظة على سير الحصة.

 

وهنا يظهر تناقض بين فلسفة التعليم التي نريدها وبين الواقع الذي نضع فيه المعلم. فنحن نتحدث عن التعلم النشط، ومراعاة الفروق الفردية، والتقييم المستمر، والتفكير الناقد، والمشاركة الصفية، ثم نضع أحيانًا أعدادًا كبيرة من الطلبة في غرفة واحدة. وكلما ارتفع عدد الطلبة، زادت طاقة المعلم التي تذهب إلى إدارة الصف على حساب الشرح والمتابعة الفردية.

 

ولا تتوقف أعباء المعلم عند التدريس والتصحيح. فهناك المناوبات واللجان والأنشطة والفعاليات والاجتماعات، ومتابعة الطلبة الغائبين والمتعثرين والمشكلات السلوكية والتواصل مع أولياء الأمور، فضلًا عن إدخال البيانات والقيام بإجراءات إلكترونية وإدارية متعددة. هذه الأعمال قد تكون ضرورية للمدرسة، لكن المشكلة أنها تضاف إلى العمل التدريسي دون أن تكون جزءًا واضحًا من معادلة قياس عبء المعلم.

 

كما أن التحول الرقمي يجب أن يخدم المعلم لا أن يزيد أعباءه. فالأنظمة الإلكترونية يمكن أن تختصر الوقت وتقلل الأخطاء، لكن ذلك يتحقق فقط إذا أدخلت المعلومة مرة واحدة وانتقلت تلقائيًا إلى الجهات التي تحتاجها. أما إذا أصبح المعلم مطالبًا بإدخال البيانات نفسها في أكثر من نظام أو تكرار الإجراءات الورقية بصيغة إلكترونية، فإننا لا نكون قد خففنا العبء، وإنما نقلناه من الورق إلى الشاشة.

 

ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة النظر في الطريقة التي تنظر بها الوزارة إلى توزيع المعلمين. فمصطلح "المعلم الزائد" لا ينبغي أن يعتمد على احتياج مدرسة واحدة فقط. قد يكون هناك معلم لا تحتاج مدرسته إلى كامل نصابه، بينما توجد مدرسة أخرى في المديرية نفسها تعاني نقصًا حقيقيًا في التخصص أو زيادة في عدد الطلبة والشعب. وبالتالي فإن وجود فائض في مدرسة لا يعني بالضرورة وجود فائض في النظام التعليمي.

 

والأفضل هو إنشاء نظام مركزي وديناميكي يحدد احتياج كل مدرسة وفق عدد الطلبة والشعب والتخصصات والنصاب الفعلي. ويمكن للمعلم الذي لا تستنفد مدرسته كامل نصابه أن يعمل كمعلم مساند في المدرسة نفسها أو في مدرسة أخرى، وأن يسهم في تغطية الغياب والحصص العلاجية والإثرائية ودعم الطلبة المتعثرين وتخفيف كثافة بعض الشعب. وبهذا يصبح المعلم موردًا تربويًا يمكن إعادة توزيعه، بدل اختزاله في وصف "زائد".

 

وينطبق الأمر ذاته على التعليم الإضافي. فالتعليم الإضافي يمكن أن يكون حلًا مناسبًا للحاجات المؤقتة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل دائم عن التخطيط الصحيح للكادر. فإذا كانت مدرسة تحتاج إلى معلم إضافي عامًا بعد عام، فإن ذلك مؤشر على وجود حاجة مستمرة ينبغي معالجتها من خلال توزيع أفضل أو استحداث وظيفة دائمة، لا الاكتفاء بحل مؤقت يتكرر كل عام.

 

أما القضية الأكثر أهمية، فهي إعادة النظر في نصاب المعلم نفسه. فإذا كان النصاب الحالي 24 حصة، فمن الممكن دراسة تخفيضه تدريجيًا إلى 20 حصة، ثم تقييم النتائج ودراسة إمكانية الوصول إلى 18 حصة في بعض المراحل أو المدارس ذات الكثافة المرتفعة. وتخفيض النصاب من 24 إلى 20 يعني، مع ثبات إجمالي عدد الحصص، حاجة نظرية إلى زيادة عدد المعلمين بنحو 20%. أما تخفيضه إلى 18 فيعني حاجة نظرية إلى زيادة تقارب 33.3%. وهذه أرقام نظرية تتأثر بإعادة توزيع المعلمين والتقاعد والشواغر وعدد الشعب والتخصصات.

 

إن تخفيض نصاب المعلم وتقليل حجم الأعباء الملقاة على عاتقه يجب أن يُنظر إليهما باعتبارهما استثمارًا مباشرًا في جودة التعليم، وليس مجرد إجراء لتوفير الراحة للمعلم. فالمعلم، مثل أي إنسان، لديه طاقة يومية محدودة، وكلما تراكمت عليه الحصص والتصحيح واللجان والمناوبات والأعمال الإدارية، استُنزف جزء أكبر من هذه الطاقة التي يفترض أن تُوجَّه إلى التعليم نفسه. وعندما يصل المعلم إلى الصف وهو أكثر إرهاقًا وأقل وقتًا للتحضير والمتابعة، تتراجع بالضرورة قدرته على الشرح والإبداع والتفاعل مع الطلبة ومعالجة الفروق الفردية.

 

لذلك فإن تقليل العمل الملقى على المعلم يهدف إلى رفع مستوى طاقته المهنية والعقلية والنفسية، حتى يتمكن من تقديم أفضل أداء ممكن داخل الغرفة الصفية. فالهدف ليس أن يعمل المعلم أقل لمجرد أن يعمل أقل، وإنما أن يتخلص من الأعمال التي تستنزف طاقته دون أن تضيف قيمة تعليمية تتناسب مع الوقت الذي تستهلكه، وأن يوجه هذه الطاقة إلى ما يحقق النتيجة الأهم: تعليم الطالب ومتابعته وتطوير مستواه.

 

المعلم الذي يدخل الحصة وهو يمتلك طاقة كافية للتحضير والتفكير والتفاعل، ويجد وقتًا لمراجعة أعمال طلبته ومعالجة نقاط ضعفهم، سيكون أكثر قدرة على تقديم تعليم نوعي من معلم مستنزف ينتقل من حصة إلى أخرى ويكمل يومه بين التصحيح واللجان والمناوبات وإدخال البيانات. ولذلك فإن خفض عبء المعلم ليس امتيازًا وظيفيًا، بل سياسة لتحسين جودة التعليم ورفع إنتاجية المعلم وتحسين نتائج الطلبة.

 

وكل ساعة عمل نوفرها للمعلم من الأعمال غير الضرورية أو المتكررة يمكن أن تتحول إلى ساعة إضافية من التحضير، أو التصحيح النوعي، أو المتابعة الفردية، أو تطوير أساليب التدريس. وكلما حافظنا على طاقة المعلم، زادت قدرته على العطاء، وتحسنت جودة الحصة، وارتفع مستوى الاستفادة التي يحصل عليها الطالب.

 

وفي الوقت نفسه، فإن تخفيض النصاب وحده لن يكون كافيًا إذا بقيت الصفوف مكتظة. لذلك يجب أن تسير سياسة زيادة أعداد المعلمين بالتوازي مع سياسة خفض كثافة الشعب. وإذا كانت هناك شعبة تضم 45 طالبًا، فينبغي دراسة إمكانية فتح شعبة إضافية بدل تحميل معلم واحد هذا العدد الكبير. ويمكن اعتماد خطة تدريجية تبدأ بالمدارس الأكثر اكتظاظًا، بحيث ينخفض العدد من 45 إلى 35 ثم إلى 30 ثم إلى 25 حيث تسمح الإمكانات.

 

إن خفض عدد الطلبة في الشعبة ليس رفاهية للمعلم، بل وسيلة لتحسين تعلم الطالب. فكلما قل عدد الطلبة، زادت قدرة المعلم على متابعة الفرد، واكتشاف مواطن الضعف، وإعطاء التغذية الراجعة، وإشراك الطلبة في النقاش والأنشطة، والسيطرة على البيئة الصفية.

 

كما يجب إعادة تعريف النصاب نفسه ليصبح أكثر عدالة. فليس من المنطقي اعتبار معلمين متساويين في العبء لمجرد أن كليهما يدرس 24 حصة، بينما يدرس أحدهما في شعب تضم 20 طالبًا والآخر في شعب تضم 45 طالبًا. ويمكن للوزارة تطوير مؤشر لعبء المعلم يأخذ في الاعتبار عدد الحصص، وعدد الطلبة، وعدد الشعب، وطبيعة المادة، وحجم التصحيح، والمناوبات واللجان والمهام الإضافية.

 

ومن الناحية المالية، لا بد من الاعتراف بأن زيادة أعداد المعلمين وتقليل كثافة الشعب سيترتب عليهما إنفاق إضافي. لكن التعامل مع المسألة يجب أن يكون من منظور الاستثمار في التعليم لا من منظور الرواتب وحدها. فزيادة عدد المعلمين قد تعني تحسين البيئة الصفية، وتقليل الاعتماد على التعليم الإضافي عندما تكون الحاجة دائمة، ورفع قدرة المعلم على المتابعة، وتحسين جودة التدريس. وفي المقابل، يجب البحث عن الكفاءة من خلال إعادة توزيع الكادر الموجود، وتقليل الأعمال الإدارية المتكررة، وتوجيه التعيينات إلى المناطق والمدارس الأكثر حاجة.

 

لكن هذه الحلول لن تتحول إلى إصلاح حقيقي إذا بقيت مجرد توصيات. وهنا يجب أن تنتقل وزارة التربية والتعليم من فكرة "برنامج الأولويات" إلى التزام تنفيذي معلن، بحيث يصبح البرنامج وثيقة عمل ملزمة للوزارة، لا قائمة أمنيات أو عناوين عامة.

 

فبرنامج الأولويات يجب ألا يكون وثيقة جميلة أو مجموعة عناوين إصلاحية تضاف إلى خطط الوزارة، ثم تبقى كل قضية مفتوحة بلا موعد للحل. المطلوب برنامج يحدد بوضوح: ما الذي سنبدأ به؟ وما الذي سننجزه خلال عام؟ وما الذي يحتاج إلى ثلاث سنوات؟ وما الموارد المطلوبة؟ ومن الجهة المسؤولة؟ وكيف سيُقاس النجاح؟ ومتى تتم مراجعة النتائج؟

 

وعليه، فإن الأولويات التربوية يجب أن ترتب على أساس أثرها المباشر في الطالب والمعلم. وفي مقدمة هذه الأولويات يجب أن تأتي معالجة اكتظاظ الصفوف، ومراجعة نصاب المعلم، وإعادة توزيع الكادر، وتقليل الأعباء الإدارية، وتنظيم التعليم الإضافي، ودعم المعلم مهنيًا، وتحسين البيئة الصفية.

 

وإذا كانت الموارد لا تسمح بتنفيذ جميع الإصلاحات دفعة واحدة، فهذه ليست مشكلة في حد ذاتها؛ المشكلة أن ننفذ عشرات الإجراءات الصغيرة دون أن ننجز المشكلات الأساسية. المطلوب هو أن تختار الوزارة أولوياتها بوضوح، وأن توجه الجزء الأكبر من الجهد والموارد إليها، وأن تؤجل ما يمكن تأجيله إذا كان هناك ملف أكثر إلحاحًا وتأثيرًا.

 

ولذلك أقترح أن يتحول برنامج الأولويات إلى خطة تنفيذية متعددة السنوات، بحيث يكون لكل أولوية خط أساس، وهدف سنوي، ومؤشر أداء، وموازنة تقديرية، وجهة مسؤولة، وموعد إنجاز، وتقرير متابعة. فإذا كانت الأولوية خفض كثافة الصفوف، يجب أن نعرف كم مدرسة ستدخل الخطة في العام الأول، وكم شعبة ستفتح، وكم معلمًا تحتاج، وما متوسط عدد الطلبة المستهدف في الشعبة. وإذا كانت الأولوية تخفيض النصاب، يجب أن نعرف أين سيبدأ التطبيق، وما عدد المعلمين المطلوب، وما النتائج المتوقعة، ومتى سيتم التوسع.

 

وإذا كانت الأولوية معالجة "المعلمين الزوائد"، فيجب أن يكون هناك نظام وطني يربط الفائض بالنقص بين المدارس والمديريات والتخصصات، بحيث لا يبقى معلم في مكان يصنف فيه زائدًا بينما توجد مدرسة أخرى تحتاج إلى تخصصه. وإذا كانت الأولوية ضبط التعليم الإضافي، فيجب أن نعرف أين يستخدم، ولماذا، وما الحالات التي يمكن تحويلها من حل مؤقت إلى معالجة دائمة.

 

والأهم أن تقدم الوزارة تقريرًا سنويًا للرأي العام وللمجتمع التربوي يوضح ما الذي تم تنفيذه من برنامج الأولويات، وما الذي تعثر، ولماذا تعثر، وما الذي تغير في الخطة. فالمساءلة هنا ليست اتهامًا لأحد، وإنما ضمان أن يتحول الإصلاح من نوايا إلى نتائج.

 

ويجب كذلك أن يصبح أثر الإصلاح هو معيار الحكم عليه. فليس المهم كم اجتماعًا عقدنا، أو كم تعميمًا أصدرنا، أو كم نظامًا إلكترونيًا أطلقنا، وإنما: هل انخفض عدد الطلبة في الصف؟ هل خف نصاب المعلم؟ هل انخفضت الحاجة إلى التعليم الإضافي في المدارس التي تعاني نقصًا دائمًا؟ هل أصبح توزيع المعلمين أكثر عدالة؟ هل أصبح لدى المعلم وقت أكبر للتحضير والتصحيح والمتابعة؟ وهل انعكس ذلك على تعلم الطالب؟

 

وهنا ينبغي أن يكون ترتيب الأولويات واضحًا حتى في الإنفاق. فإذا كان الاختيار بين مشروع جديد وبين فتح شعب إضافية في مدرسة مكتظة، أو توفير معلم تحتاجه المدرسة، أو تخفيف نصاب معلم، فيجب أن يقاس القرار بأثره التربوي الحقيقي. فالموارد محدودة، والإصلاح الجاد هو الذي يوجه الموارد المتاحة إلى المكان الذي يصنع أكبر فرق.

 

معالي الوزير،

 

إن بصمة الوجه للطالب، والحافلات المدرسية، والأنظمة الإلكترونية، والتجهيزات والتقنيات ليست ملفات مرفوضة، لكنها يجب أن تأخذ موقعها الطبيعي في سلم الأولويات. فلا ينبغي أن تتقدم الإجراءات الظاهرية على الملفات التي تمس جوهر التعليم يوميًا.

 

فالطالب قد يصل إلى المدرسة بباص حديث، ويسجل حضوره بأحدث التقنيات، وتعمل المدرسة بأكثر الأنظمة الإلكترونية تطورًا، لكنه سيظل بحاجة إلى معلم لديه الوقت والطاقة، وإلى صف يمكن إدارته، وإلى عدد من الطلبة يسمح بالتعلم والمتابعة.

 

ومن هنا فإن المطلوب ليس المزيد من المبادرات المتفرقة، وإنما قرار إصلاحي واضح يحدد ما الذي سيأتي أولًا وما الذي سيأتي لاحقًا، ويربط كل أولوية بموعد وموارد ومسؤول ومؤشر نجاح.

 

إن تحويل برنامج الأولويات إلى التزام تنفيذي يعني أن تصبح هناك إجابة واضحة عن خمسة أسئلة في كل ملف: ماذا سنفعل؟ متى سنفعله؟ كم سيكلف؟ من المسؤول عنه؟ وكيف سنعرف أننا نجحنا؟

 

وبذلك تنتقل وزارة التربية والتعليم من مرحلة إعلان الرغبة في الإصلاح إلى مرحلة إدارة الإصلاح ومتابعة نتائجه ومساءلة المسؤولين عن تنفيذه.

 

وأرى أن هذه هي النقلة الأهم التي يمكن أن تقود المرحلة المقبلة: أن يكون هناك برنامج أولويات تربوي وطني معلن، متعدد السنوات، قابل للقياس والمراجعة والمساءلة، يبدأ من المعلم والصف والطالب، ويعيد ترتيب الإنفاق والجهد وفق الأثر الحقيقي على التعليم.

 

فالإصلاح لا يعني أن نفعل كل شيء في الوقت نفسه؛ الإصلاح يعني أن نعرف ما الذي يجب أن نفعله أولًا، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي يجب أن نوقفه إذا كان يستنزف الموارد دون أثر تربوي واضح.

 

وإذا كان الهدف هو تحسين التعليم الأردني، فإن البداية المنطقية يجب أن تكون من المكان الذي يحدث فيه التعليم فعلًا: داخل الغرفة الصفية، ومن المعلم الذي يقف فيها، ومن الطالب الذي ينتظر أن يتعلم.

 

معالي الوزير، إن ما نحتاجه اليوم ليس وعدًا جديدًا بالإصلاح، بل ترتيبًا واضحًا للأولويات، والتزامًا بتنفيذها، ومؤشرات تعلن نتائجها، ومراجعة لا تتردد في تعديل المسار عندما لا تحقق الإجراءات أهدافها.

 

فحين يصبح برنامج الأولويات التربوي التزامًا تنفيذيًا، تصبح كل قرارات الوزارة مرتبطة بسؤال واحد:

 

هل هذا القرار يقربنا فعلًا من مدرسة أفضل، ومعلم أكثر قدرة، وطالب أكثر تعلمًا؟

 

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي إصلاح تربوي.