حين تصبح الكنية وطنًا
جودت مناع
يعرف الناس بأسماء عائلاتهم، لكنك نادرًا ما تجد فلسطينيًا لا تحمل
سيرته كنيةً تشير إلى قرية أو مدينة أو مكان. فما سر هذه الكنى؟ ولماذا أصبحت
جزءًا من الهوية الفلسطينية؟
قبل عام 1948، لم تكن الكنية تؤدي هذه الوظيفة بالضرورة. لكن
النكبة بدّلت معنى الاسم والمكان معًا. فعندما هُجّر الفلسطينيون من مدنهم وقراهم،
وجد كثير منهم أنفسهم في مخيمات للاجئين أنشأتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة
وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي.
ومع ضيق المساحات المخصصة للعائلات، فضّل أبناء القرية الواحدة أن
يتجاوروا، فظهرت داخل المخيمات حارات تحمل أسماء قراهم الأصلية: «حارة الزكاروة»
لأهالي زكريا، و«حارة العطابنة» لأهالي بيت عطاب، و«الراسية» لأهالي رأس أبو عمار،
و«الخلادوة» لأهالي خلدا، وغيرها.
شيئًا فشيئًا، انتقلت أسماء القرى من الحارات إلى الأشخاص. فأصبح
الفلسطيني يُعرف بـ«الزكراوي» أو «العطابي» أو «الراسي» وغيرها من النسب التي تحفظ
اسم المكان الذي اقتُلع منه أهله. وأسهمت مدارس الأونروا بدورها في ترسيخ هذه الأسماء،
إذ كان المعلمون ينادون الطلبة أحيانًا بأسماء قراهم، قبل أن تتحول تلك التسميات
إلى كنى متداولة بين الأجيال.
لكن ما حدث في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر أعاد المأساة إلى
نقطة أكثر قسوة. فقد دُمّرت أحياء ومخيمات، وهُجّر مئات الآلاف، وتشتتت عائلات بأكملها.
بعضهم غادر لتلقي العلاج، وبعضهم احتمى بين أنقاض البيوت، وآخرون يعيشون في خيام
أو نزوح دائم، بلا مكان مستقر يمكن أن يحمل اسمه.
ولذلك لم تولد، حتى الآن، كنى بديلة للحارات أو للأشخاص. ليس لأن
الذاكرة الفلسطينية توقفت، بل لأن الكارثة نفسها لم تنتهِ بعد.
ومع ذلك، ثمة مفارقة عميقة: كلما اتسعت محاولات محو المكان
والذاكرة، ازداد حضور فلسطين بوصفها اسمًا عالميًا للعدالة والحرية. فالكنية
الفلسطينية ليست مجرد لقب؛ إنها قرية نجت من النسيان، ووطن حمله اللاجئ معه حين
فقد وطنه.

























