المحامية الديري: المسؤولية القانونية للناطقة الرقمية (فرح)
المحاميه صبا الديري
مختصة في الذكاء
الاصطناعي
مع دخول الذكاء
الاصطناعي إلى واجهة الخطاب الحكومي، تبرز الناطقة الرقمية (فرح) كواحدة من أحدث
صور التواصل بين الحكومة والجمهور، إلا أن حضورها الرقمي يفتح في المقابل بابًا
واسعًا من التساؤلات القانونية حول المسؤولية عن المعلومات التي تقدمها، وما يترتب
عليها من آثار في حال تضمنت أخطاء أو معلومات مضللة، فبينما تتحدث (فرح) باسم
الحكومة، يبقى السؤال الأهم من يتحمل المسؤولية إذا أخطأت؟ وهل يمكن أن يصبح
الذكاء الاصطناعي مبررًا للتنصل من تبعات معلومة خاطئة قد تلحق ضررًا بمواطن أو
مؤسسة أو مستثمر؟...
إن المسؤولية القانونية
عن المعلومات أو التصريحات الخاطئة الصادرة عن الناطقة الرقمية الحكومية لا تُنسب
إلى الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما إلى الجهة الحكومية التي قررت استخدامه واعتمدت
مخرجاته في مخاطبة الجمهور.
الناطقة الرقمية، في
حال تقديمها رسميًا للجمهور باعتبارها واجهة للتحدث باسم الحكومة، لا تُعامل كشخص
أو نظام مستقل يتحمل المسؤولية، وإنما باعتبارها أداة تستخدمها الجهة الحكومية، و
إذا ثبت وجود خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما، فقد تُبحث مسؤولية الجهة الإدارية
وفقًا للقواعد القانونية النافذة.
و لا يجوز أن يصبح
الذكاء الاصطناعي وسيلة لتوزيع المسؤولية أو التهرب منها، أن الجهة التي تختار
استخدام هذه التقنية في مخاطبة المواطنين تتحمل مسؤولية وضع الضوابط اللازمة
لاستخدامها.
ونؤكد ضرورة التفريق
بين التصريح الإعلامي والقرار الإداري، و ليس كل تصريح حكومي يُعد بالضرورة قرارًا
إداريًا يرتب أثرًا قانونيًا.
أن الناطقة الرقمية إذا
قُدمت رسميًا للجمهور باعتبارها أداة للتحدث باسم الحكومة، فإن التصريحات الصادرة
عنها يمكن أن تكتسب وزنًا وثقة رسمية لدى الجمهور، لا سيما إذا نشرت عبر منصات
حكومية رسمية.
أن الحجية القانونية لا
تعني أن كل كلمة تنتجها الناطقة الرقمية تصبح تلقائيًا قرارًا حكوميًا ملزمًا، إذ
يعتمد الأمر على مضمون التصريح، والجهة التي أصدرته، وطبيعته، والأثر القانوني
الذي ترتب عليه.
ومن المهم وجود تنويه
واضح للمواطن، ليس بهدف إعفاء الحكومة من المسؤولية، وإنما تحقيقًا للشفافية، بحيث
يعرف المواطن أنه يتعامل مع نظام ذكاء اصطناعي، مع وجود إشراف بشري ومسؤول حكومي
واضح.
وفيما يتعلق بحق
المواطن أو المؤسسة أو المستثمر المتضرر من معلومة خاطئة صادرة عن الناطقة
الرقمية، فإن المطالبة بالتعويض يمكن أن تكون ممكنة من حيث المبدأ، لكنها ليست تلقائية
لمجرد وجود معلومة خاطئة.
ويجب ضرورة إثبات عناصر
المسؤولية، وفي مقدمتها وجود خطأ أو فعل غير مشروع، وضرر حقيقي، وعلاقة سببية بين
الخطأ والضرر.
أن قانون القضاء
الإداري الأردني مهم في هذه الحالة، إذ يختص القضاء الإداري، ضمن نطاق اختصاصه، بطلبات
التعويض عن الأضرار الناتجة عن القرارات والإجراءات التي تدخل ضمن اختصاصه، بما في
ذلك المطالبة بالتعويض تبعًا لدعوى الإلغاء.
و إذا افترضنا أن
الناطقة الرقمية باسم الحكومة نشرت معلومة أو قرارًا إلكترونيًا ترتب عليه أثر
قانوني على شخص، وكان ما صدر عنها يُعد قرارًا إداريًا قابلًا للطعن، فقد يطلب
المتضرر إلغاء القرار أمام القضاء الإداري.
وثمة فرق بين دعوى
الإلغاء ودعوى التعويض، دعوى الإلغاء تهدف إلى إزالة القرار الإداري غير المشروع
من الوجود القانوني، بينما تهدف دعوى التعويض إلى جبر الضرر الذي أصاب الشخص نتيجة
تصرف أو قرار الإدارة.
و في حال كان الحديث
تحديدًا عن طلب التعويض تبعًا لدعوى الإلغاء، فإن المقصود أن الشخص لا يكتفي بطلب
إلغاء القرار، وإنما يطلب أيضًا تعويضه عن الأضرار التي لحقت به بسبب القرار.
أن تحديد الخصومة
القانونية يتوقف على طبيعة التصرف والجهة التي أصدرته أو اعتمدته، موضحة أن الأصل
ألا تكون الخصومة مع «الذكاء الاصطناعي»، وإنما مع الشخص الاعتباري أو الجهة
المسؤولة قانونًا عن الفعل، مع إمكانية بحث مسؤولية الموظف أو الجهة المشغلة وفقًا
للوقائع والقانون واجب التطبيق.
وحول إمكانية تذرع
الجهة الحكومية بأن الخطأ ناتج عن خلل تقني في النظام أو البيانات، فان مجرد القول
إن الخطأ (تقني) لا يكفي للإعفاء من المسؤولية.
السؤال القانوني
الحقيقي يتمثل في معرفة من قرر استخدام النظام، ومن وضع ضوابطه، ومن كان مسؤولًا
عن مراجعته، وما إذا كان هناك إشراف بشري، وما إذا كان بالإمكان اكتشاف الخطأ قبل
نشره.
أن الذكاء الاصطناعي
ليس شخصًا مستقلًا يمكن تحميله المسؤولية وإنهاء الأمر، و إذا قررت جهة حكومية
استخدام نظام ذكاء اصطناعي للتحدث باسمها، فعليها وضع آليات للرقابة والتحقق
والمراجعة، خصوصًا عندما تكون المعلومات ذات أثر على المواطنين أو المستثمرين أو
المؤسسات.
أن سياسات البيانات
الحكومية تتجه أصلًا إلى التأكيد على دقة البيانات والإشراف عليها وصيانتها
المستمرة، أن سياسة البيانات الحكومية المفتوحة تتضمن مبدأ تكليف أفراد أو مجموعة
بالإشراف على مخزون البيانات لضمان دقته وصيانته المستمرة.
ووجود خلل تقني قد يفسر
كيفية وقوع الخطأ، لكنه لا يعني بالضرورة إعفاء الجهة التي استخدمت التقنية من
المسؤولية.
أن الحاجة إلى إطار
تشريعي واضح لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الخطاب الحكومي تعد من أهم
القضايا المطروحة، و أن الأردن لديه بالفعل تشريعات تتصل بالبيانات والرقمنة،
ومنها قانون حماية البيانات الشخصية رقم 24 لسنة 2023، إلى جانب إجراءات تنظيمية
مرتبطة بتطبيقه.
أن استخدام الذكاء
الاصطناعي في الخطاب الحكومي وصناعة المعلومات واتخاذ القرار يثير أسئلة جديدة
تحتاج إلى تنظيم أكثر تحديدًا.
المطلوب ليس بالضرورة
سن قانون ينظم كل استخدام للذكاء الاصطناعي، وإنما وضع إطار واضح يحدد المسؤولية
القانونية عن مخرجات الذكاء الاصطناعي الحكومي، ومتى يكون الإشراف البشري
إلزاميًا، ومتى يجب الإفصاح للمواطن بأن المحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب
تحديد آلية تصحيح المعلومات الخاطئة والجهة التي تتحمل التعويض عند وقوع الضرر.
ويجب تحديد مسؤولية
الشركات التي تطور أو تشغل أنظمة الذكاء الاصطناعي، وآليات حماية البيانات التي
تستخدمها هذه الأنظمة، والحالات التي يمنع فيها الاعتماد على الذكاء الاصطناعي دون
قرار أو مراجعة بشرية.
ومن الضروري ألا تكون
هناك (منطقة رمادية) يكون فيها المواطن الطرف الوحيد الذي يتحمل نتيجة الخطأ.
فالقاعدة الأساسية التي
ينبغي الانطلاق منها هي أن (الذكاء الاصطناعي أداة وليس شخصًا قانونيًا)،
وبالتالي، إذا قررت الحكومة استخدام هذه الأداة للتحدث باسمها، فإن المسؤولية لا
تنتقل إلى الآلة، بل يجب أن تبقى هناك جهة بشرية وحكومية مسؤولة عن التحقق من
المعلومات وعن الأضرار التي قد تنتج عن استخدامها.
الأردن بحاجة إلى إطار
تشريعي واضح يحدد المسؤولية وآليات الرقابة وحق المتضرر في التظلم والتعويض.
ليس المطلوب مهاجمة
فكرة الناطقة الرقمية أو الذكاء الاصطناعي، وإنما تنظيم استخدامهما بصورة تضمن
الاستفادة من التكنولوجيا دون أن تتحول عبارة (الذكاء الاصطناعي أخطأ) إلى إجابة
قانونية جاهزة للهروب من المسؤولية.

























