الملك فيصل الثاني: خمس سنوات بين استلام سلطاته وسقوط الملكية العراقية
حين نتحدث عن الملك
فيصل الثاني، فإننا نتحدث عن مفارقة تاريخية واضحة: فقد اعتلى عرش العراق عام
1939، لكنه لم يتسلّم سلطاته الدستورية فعلياً إلا في 2 أيار 1953، عندما
بلغ الثامنة عشرة من عمره. وبعد ذلك بخمس سنوات وشهرين فقط، في 14 تموز 1958،
انتهى النظام الملكي العراقي وقُتل الملك الشاب مع عدد من أفراد أسرته.
ولذلك فإن دراسة فيصل
الثاني تختلف عن دراسة شخصيات مثل نوري السعيد أو الأمير عبد الإله. فهو لم يؤسس
النظام السياسي الذي حكم العراق، ولم يكن صاحب الخبرة التي صاغت معظم سياساته
الخارجية والداخلية قبل عام 1953، بل ورث دولة كانت مراكز القوة فيها قد ترسخت
خلال سنوات طفولته ووصاية خاله الأمير عبد الإله، وفي ظل نفوذ سياسي كبير لنوري
السعيد.
السؤال الأساسي إذن ليس
فقط: ماذا حدث في عهد فيصل الثاني؟ بل أيضاً: إلى أي مدى استطاع فيصل نفسه أن يصبح
صاحب مشروع سياسي مستقل خلال السنوات الخمس التي مارس فيها سلطاته؟
طفل على العرش
وُلد فيصل الثاني في
بغداد في 2 أيار 1935، وهو الابن الوحيد للملك غازي والملكة عالية. وبعد وفاة
والده في نيسان 1939، أصبح ملكاً وهو لم يتجاوز الرابعة من عمره، فتولى الأمير عبد
الإله الوصاية على العرش.
وهكذا عاش فيصل سنوات
طفولته ملكاً من الناحية الدستورية، لكنه لم يكن طرفاً فعلياً في إدارة الدولة.
وخلال تلك السنوات شهد العراق أحداثاً جسيمة، كان أبرزها أزمة عام 1941، وحكومة
رشيد عالي الكيلاني، والحرب العراقية البريطانية، وخروج الأمير عبد الإله ثم عودته
إلى بغداد واستئناف الوصاية.
وبمعنى آخر، فإن جزءاً
مهماً من النظام الذي ورثه فيصل عام 1953 كان قد تشكل وهو لا يزال طفلاً.
التعليم والإعداد للحكم
تلقى فيصل الثاني
تعليمه الأول في بغداد، ثم أمضى جزءاً مهماً من دراسته في بريطانيا، وكانت مدرسة
هاروHarrow من أبرز المؤسسات التي
ارتبط بها تعليمه، وهي المدرسة نفسها التي درس فيها ابن عمه الأمير الحسين بن
طلال، الذي أصبح لاحقاً ملك الأردن.
لكن فيصل لم يمر بمرحلة
جامعية طويلة، ولم يكتسب قبل توليه سلطاته تجربة ممتدة داخل الجيش أو الوزارات أو
المؤسسات السياسية.
وهذا التفصيل مهم في
فهم السنوات التالية.
ففي الثامنة عشرة من
عمره انتقل عملياً من مرحلة الدراسة والإعداد إلى موقع رأس الدولة، بينما كان إلى
جانبه رجال يفوقونه بعقود من الخبرة.
الأمير عبد الإله مارس
سلطات الوصاية نحو أربعة عشر عاماً، ونوري السعيد كان قد خاض تجربة عسكرية وسياسية
ودبلوماسية بدأت قبل تأسيس الدولة العراقية نفسها.
ومن هنا ظهرت منذ
البداية فجوة بين السلطة الدستورية التي انتقلت إلى الملك فيصل الثاني وبين الخبرة
والنفوذ السياسي اللذين بقيا متركزين لدى الجيل السابق.
2 أيار 1953: من الملك القاصر إلى الملك الدستوري
في 2 أيار 1953 بلغ
فيصل الثامنة عشرة وتسلم سلطاته الدستورية.
كانت هذه اللحظة بداية
حكمه الشخصي بالمعنى الدستوري، وهي بالمناسبة السنة نفسها التي تسلم فيها ابن عمه
الملك الحسين بن طلال سلطاته الدستورية في الأردن.
وفي خطاب فيصل بهذه
المناسبة قدم تصوراً لدوره باعتباره ملكاً دستورياً، مؤكداً حرصه على المبادئ الديمقراطية
والتعاون مع مؤسسات الدولة وممثلي الشعب.
وهذه النقطة مهمة؛
لأنها تقدم لنا فيصل كما أراد هو أن يعرف دوره، وليس فقط كما وصفه مؤيدوه أو خصومه
لاحقاً.
لقد أراد أن يكون رأساً
لنظام ملكي دستوري، لا ملكاً مطلقاً.
لكن المشكلة أن
الانتقال الدستوري لم يؤد بالضرورة إلى انتقال مماثل وسريع في مراكز النفوذ
السياسي.
هل ترك فيصل الثاني
فكراً مكتوباً؟
لم يترك فيصل الثاني
وراءه إنتاجاً سياسياً أو فكرياً واسعاً بالمعنى المعروف لدى بعض الملوك أو القادة
العرب. ولم تُعرف له مذكرات سياسية أو سلسلة من المقالات التي تسمح لنا ببناء تصور
متكامل لفكره.
وتنسب إليه بعض المصادر
كتيباً صغيراً كتبه في شبابه عن الجودو والدفاع عن النفس، لكن توثيق تفاصيل هذا
الكتيب أقل قوة من توثيق خطبه الرسمية.
ولهذا فإن المصدر الأهم
لفهم رؤيته السياسية يبقى خطبه ورسائله الرسمية ومواقفه خلال السنوات الخمس
الأخيرة من حياته.
هل حكم فيصل الثاني
فعلاً؟
هنا نصل إلى السؤال
الأصعب.
انتهت الوصاية رسمياً
عام 1953، لكن نفوذ الأمير عبد الإله لم ينتهِ بانتهائها، فقد أصبح ولياً للعهد
وبقي قريباً جداً من الملك ومن عملية صنع القرار.
أما نوري السعيد فظل
إحدى أكثر الشخصيات تأثيراً في الحياة السياسية العراقية، وتظهر الوثائق
الدبلوماسية الغربية المعاصرة مقدار الثقل الذي كان يتمتع به في توجيه السياسة
العراقية.
لذلك ينبغي التمييز بين
الملك بوصفه صاحب السلطة الدستورية العليا وبين توزيع النفوذ السياسي الفعلي داخل
النظام.
لم يكن فيصل مجرد واجهة
بلا سلطات، لكن من الصعب أيضاً تحميله شخصياً كل السياسات التي اتبعتها الدولة بين
1953 و1958.
الأقرب إلى الواقع أن
النظام كان يضم مراكز نفوذ متعددة: الملك، الأمير عبد الإله، نوري السعيد،
الحكومات، مجلس النواب، القيادات العسكرية وكبار رجال الدولة.
التنمية ومجلس الإعمار
من الخطأ اختصار العهد
الملكي العراقي في علاقته ببريطانيا أو صراعه مع عبد الناصر؛ فقد كانت الخمسينيات
أيضاً مرحلة توسع اقتصادي وتنموي مهم بفضل الارتفاع الكبير في عائدات النفط.
وكان مجلس الإعمار،
الذي أنشئ عام 1950، إحدى أهم مؤسسات الدولة في هذا المجال.
وُجهت أموال كبيرة إلى
مشاريع السيطرة على الفيضانات والري واستصلاح الأراضي والطرق والجسور والطاقة
والمرافق العامة. وكان من أبرز مشاريع تلك المرحلة مشاريع الثرثار والرمادي
والحبانية وغيرها من المنشآت المائية.
كانت فلسفة مجلس
الإعمار تقوم على تحويل جزء كبير من عائدات النفط إلى أصول وبنية تحتية طويلة
الأجل.
لكن ذلك خلق مشكلة
سياسية واجتماعية أخرى: فالمشروع الذي يحتاج عشر سنوات حتى تظهر نتائجه قد يكون
ممتازاً من زاوية التخطيط الاقتصادي، لكنه لا يجيب فوراً عن مطالب المواطن الذي
يعاني الفقر أو البطالة أو ضعف الخدمات.
وهنا ظهرت فجوة بين
مشروعات الدولة للمستقبل وتوقعات المجتمع في الحاضر.
حلف بغداد: الخيار الذي
غيّر موقع العراق العربي
في 24 شباط 1955 وقّع
العراق وتركيا ميثاق التعاون المتبادل في بغداد، الذي أصبح نواة ما عرف لاحقاً بـ
حلف بغداد. وانضمت بريطانيا في نيسان، وباكستان في أيلول، ثم إيران في 3 تشرين
الثاني 1955. وكان الحلف جزءاً من تصور أمني أوسع لمواجهة النفوذ السوفييتي، ضمن
ما وصفته السياسة الأمريكية آنذاك بـالحزام الشمالي.
بالنسبة إلى نوري
السعيد وأنصار هذه السياسة، كان التحالف وسيلة لربط العراق بمنظومة إقليمية تستطيع
توفير الأمن والدعم العسكري والسياسي.
لكن خصوم الحلف، وفي
مقدمتهم التيار القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر، رأوا فيه ربطاً لدولة عربية
بالاستراتيجية الغربية.
ومن هنا لم يعد الخلاف
حول معاهدة دفاعية فقط، بل أصبح خلافاً حول هوية العراق وموقعه الاستراتيجي.
تركيا: شريك أمني أساسي
كانت علاقة العراق
بتركيا في الخمسينيات وثيقة، ولم يكن الاتفاق بين البلدين مجرد اتفاق صداقة.
فميثاق 1955 نص على
التعاون من أجل الأمن والدفاع، وأصبح أساساً لترتيب إقليمي أوسع.
رأت بغداد وأنقرة
تهديدات أمنية متشابهة إلى حد كبير، خصوصاً فيما يتعلق بالاتحاد السوفييتي، وأصبح
البلدان محور المنظومة الأمنية التي انضمت إليها لاحقاً بريطانيا وباكستان وإيران.
ومن هنا فإن العلاقة مع
تركيا لم تكن مجرد علاقة شخصية بين فيصل الثاني والقادة الأتراك، بل كانت جزءاً من
استراتيجية الدولة العراقية.
إيران: تقارب دون
اختفاء الخلافات
كانت العلاقة مع إيران
أكثر تعقيداً بسبب الإرث التاريخي للخلافات الحدودية وقضية شط العرب.
لكن انضمام إيران إلى
حلف بغداد في 3 تشرين الثاني 1955 وضع بغداد وطهران ضمن منظومة استراتيجية واحدة
إلى جانب تركيا وباكستان وبريطانيا.
وساعد ذلك على تحسين
المناخ السياسي بين العراق وإيران، من دون أن يعني حل جميع القضايا الثنائية.
وبذلك حاول العراق
الجمع بين خلافاته التقليدية مع إيران وبين المصالح الأمنية المشتركة التي فرضتها
الحرب الباردة.
بين الدائرة العربية
والدائرة الإقليمية
تكشف علاقات العراق مع
تركيا وإيران جانباً مهماً من السياسة الملكية.
فالعراق دولة عربية،
لكنه أيضاً يقع جغرافياً عند نقطة التقاء العالم العربي مع تركيا وإيران، ولذلك
كان بإمكان حكوماته أن ترى في هذا الموقع فرصة للعب دور إقليمي يتجاوز الإطار
العربي وحده.
لكن هذه السياسة واجهت
سؤالاً سياسياً حساساً:
هل ينبغي أن تكون
أولوية العراق لدائرته العربية، أم يستطيع الجمع بين انتمائه العربي وتحالف أمني
مع تركيا، وإيران، وباكستان، والغرب؟
هذا السؤال أصبح أكثر
حساسية مع صعود جمال عبد الناصر.
مصر وعبد الناصر
لم تكن العلاقة بين
فيصل الثاني ومصر قائمة بالضرورة على خصومة شخصية بينه وبين جمال عبد الناصر. المشكلة كانت أعمق من ذلك.
فعبد الناصر اعتبر حلف
بغداد تهديداً لتصوره للأمن العربي، بينما تمسكت حكومة نوري السعيد بالحلف
باعتباره ضمانة لأمن العراق.
ومع مرور الوقت تحول
الخلاف إلى تنافس سياسي واسع بين بغداد والقاهرة على اتجاه السياسة العربية، وامتد
تأثيره إلى سوريا والأردن ولبنان.
وكانت هناك اتصالات
ومحاولات للحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات العربية، لكن بنية السياسة العراقية
نفسها جعلت التقارب الحقيقي مع القاهرة صعباً.
أزمة السويس
جاءت أزمة السويس عام
1956 لتزيد الموقف تعقيداً.
فبعد تأميم جمال عبد
الناصر قناة السويس، هاجمت إسرائيل مصر، ثم تدخلت بريطانيا وفرنسا عسكرياً.
وجد العراق نفسه عندئذ
أمام مشكلة سياسية حقيقية: فهو دولة عربية، لكن أحد أهم شركائه الخارجيين،
بريطانيا، كان يشارك في الهجوم على دولة عربية تحظى بتعاطف شعبي واسع.
وأدى ذلك إلى تعزيز
مكانة عبد الناصر في أجزاء واسعة من الرأي العام العربي، وإلى زيادة الانتقادات
للسياسة العراقية المرتبطة بحلف بغداد.
فيصل الثاني بين خطابه
الدستوري والواقع السياسي
هنا نعود إلى خطاب عام
1953.
لقد تحدث فيصل عن حكم
دستوري واحترام للمبادئ الديمقراطية، لكن السنوات التالية شهدت أيضاً قيوداً على
النشاط السياسي، وصراعاً مع المعارضة، ووجود أحزاب وتنظيمات تعمل في السر، وتزايد
النشاط السياسي داخل الجيش.
ولذلك فإن تقييم حكمه
يتطلب الفصل بين النوايا المعلنة وبين أداء النظام السياسي الذي كان هو رأسه.
فهو لم يكن منفرداً
بصنع القرار، لكنه بعد عام 1953 لم يعد أيضاً ملكاً قاصراً يمكن فصله تماماً عن
سياسات الدولة.
فيصل الثاني والملك
الحسين: ملكان شابان أمام العاصفة نفسها
المقارنة مع الملك
الحسين بن طلال في الأردن تساعد كثيراً على فهم مأزق فيصل الثاني.
فالملكان من الأسرة
الهاشمية، ومتقاربان في العمر، ودرسا في بريطانيا، وتسلم كلاهما سلطاته الدستورية
عام 1953.
كما واجه كلاهما صعود
جمال عبد الناصر والقومية العربية والضغط الشعبي ضد النفوذ البريطاني، وتيارات
قومية داخل الجيش والدولة.
لكن المسار السياسي
للبلدين تطور بصورة مختلفة.
في الأردن، أثارت
محاولة دفع البلاد نحو حلف بغداد اضطرابات واسعة في نهاية عام 1955، ولم ينضم
الأردن إلى الحلف. وتوثق المصادر الأمريكية حجم المعارضة الشعبية للمشروع
والاضطرابات التي أعقبته.
وفي 1 آذار 1956 أقال
الملك الحسين قائد الجيش العربي، الفريق جون باغوت غلوب، وانتهى بذلك عملياً الدور
البريطاني المباشر في قيادة الجيش. وقد ربطت التقارير الأمريكية المعاصرة تلك
الخطوة بصعود المد القومي وتراجع النفوذ البريطاني في الأردن.
ثم واجه الأردن أزمة
داخلية حادة عام 1957، شملت صراعاً بين الملك وقوى سياسية وعسكرية متعاطفة مع مصر
وسوريا، وانتهت ببقاء الملك في السلطة وتعزيز سيطرة النظام على المؤسسة العسكرية.
وتصف وثائق وزارة الخارجية الأمريكية الأزمة بأنها صراع شديد على السلطة رافقته
تحركات عسكرية وسياسية خطيرة.
أما فيصل الثاني، فقد
بقي يعمل ضمن نظام ظل فيه الأمير عبد الإله ونوري السعيد يتمتعان بنفوذ كبير، وبقي
العراق عضواً مركزياً في حلف بغداد.
وهنا يظهر فارق بنيوي
مهم بين التجربتين.
في الأردن أصبح الملك
الحسين خلال سنوات قليلة مركزاً أكثر وضوحاً للقرار السياسي والعسكري، بينما بقي
القرار العراقي موزعاً داخل منظومة أكثر تعقيداً كان لنوري السعيد والأمير عبد
الإله فيها وزن استثنائي.
ولا يعني ذلك أن ظروف
العراق والأردن كانت متطابقة؛ فالعراق كان أكبر سكاناً، أغنى بالنفط، أشد تعقيداً
اجتماعياً وسياسياً، ويمتلك جيشاً ومؤسسات وأحزاباً وحركات سياسية مختلفة عن
البيئة الأردنية.
لكن المقارنة تطرح
سؤالاً مشروعاً:
هل كان فيصل الثاني
بحاجة، بعد تسلمه سلطاته عام 1953، إلى خطوات واضحة تعلن بداية مرحلة سياسية جديدة
وتمنحه استقلالاً أكبر عن رجال مرحلة الوصاية؟
لا يستطيع التاريخ
الإجابة بصورة قاطعة عن سؤال افتراضي كهذا، لكنه يوضح أن استمرار النظام الملكي لم
يكن يتوقف على مواجهة عبد الناصر وحده، وإنما أيضاً على علاقة الملك بالجيش،
وقدرته على إدارة القوى السياسية المتنافسة، وعلى إعادة تعريف شرعية النظام أمام
مجتمع سريع التغير.
الجمهورية العربية
المتحدة والاتحاد العربي
في شباط 1958 اتحدت مصر
وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة، وهو تطور أحدث تحولاً كبيراً في ميزان القوى
العربية.
وبعد ذلك أعلن العراق
والأردن في 14 شباط 1958 قيام الاتحاد العربي بين المملكتين الهاشميتين.
أصبح فيصل الثاني
رئيساً للاتحاد، مع احتفاظ كل دولة بملكها ومؤسساتها.
لكن الاتحاد لم يعش سوى
بضعة أشهر.
14 تموز 1958
في صباح 14 تموز كانت
وحدات عسكرية عراقية تتحرك ضمن ترتيبات مرتبطة بالأردن والاتحاد العربي، لكن
ضباطاً من تنظيم الضباط الأحرار استغلوا حركة القوات للسيطرة على بغداد.
برز في الحركة عبد
الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وسقط النظام خلال ساعات.
وصلت القوات إلى قصر
الرحاب، حيث كان الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله وعدد من أفراد الأسرة
المالكة.
وانتهت الأحداث بمقتل
الملك وعدد من أفراد أسرته.
كان فيصل الثاني في
الثالثة والعشرين من عمره.
وهكذا انتهى الحكم
الهاشمي في العراق بعد سبعة وثلاثين عاماً من تأسيس المملكة عام 1921.
خمس سنوات فقط للحكم
كان فيصل الثاني ملكاً
لمدة تقارب تسعة عشر عاماً، لكنه مارس سلطاته الدستورية بنفسه خمس سنوات فقط.
وتلك السنوات جاءت في
واحدة من أعنف مراحل التحول السياسي في المنطقة: الحرب الباردة، صعود القومية
العربية، أزمة السويس، التنافس بين بغداد والقاهرة، تصاعد العمل السياسي داخل
الجيوش العربية، ونمو الحركات القومية واليسارية.
كما دخل فيصل تلك
المرحلة وهو في الثامنة عشرة، بلا تجربة جامعية أو مسيرة عسكرية أو خبرة طويلة في
المؤسسات التنفيذية، بينما كان حوله رجال امتلكوا عقوداً من التجربة.
ولهذا فإن السؤال
التاريخي الأكثر أهمية ليس إصدار حكم شخصي مبسط على فيصل الثاني، وإنما السؤال:
هل استطاع خلال السنوات
الخمس بين 1953 و1958 أن يتحول من ملك ورث نظاماً صنعه آخرون إلى ملك يمتلك نهجاً
سياسياً مستقلاً وقاعدة مباشرة داخل الدولة والجيش والمجتمع؟
الوقائع تبين أن هذا
التحول لم يكتمل.
ظل عبد الإله شخصية
مؤثرة، وبقي نوري السعيد القوة السياسية الأكثر حضوراً، واستمرت خيارات أساسية في
السياسة الخارجية ضمن المسار الذي تبناه الجيل السابق، وفي مقدمتها الارتباط
الوثيق ببريطانيا وحلف بغداد.
وفي الوقت نفسه كان
العراق ينفذ مشاريع تنموية كبيرة، ويحقق إيرادات نفطية متصاعدة، ويقيم علاقات
استراتيجية مع تركيا وإيران وباكستان، لكنه كان يواجه في الداخل مشكلة مختلفة: كيف
يحول التنمية الاقتصادية إلى قبول سياسي واجتماعي، وكيف يستوعب جيلاً جديداً تغيرت
نظرته إلى الحكم والعروبة والاستقلال؟
وهنا تكمن المفارقة
الكبرى في عهد فيصل الثاني.
كان العراق يبني السدود
والجسور والطرق ومشاريع الري، بينما كان النظام السياسي نفسه يحتاج إلى إعادة بناء
علاقته بالمجتمع والجيش والقوى الجديدة.
ولم تنتهِ تجربة فيصل
الثاني في 14 تموز 1958 بفقدان العرش فحسب، بل انتهت حياته أيضاً، وانتهت معها
فرصة معرفة ما إذا كان سيتمكن، مع مزيد من العمر والخبرة، من بناء نهج سياسي أكثر
استقلالاً عن الجيل الذي حكم العراق خلال سنوات وصايته.
لقد قُتل فيصل الثاني
قبل أن تكتمل تجربته كملك يمارس سلطاته بنفسه، وانتهى معه النظام الملكي العراقي
كله.

























