حين واجهت الرجولةُ نصلَ الإرهاب
الدكتورة اعتماد جميل الجعافرة
أمضيتُ ليلتي أنسج لك
الكلمات يا فراس، وأفتّش في خزائن اللغة عن عباراتٍ تليق بموقفك، وأستدعي من
الحروف ما يفيك بعض حقك؛ لكنني كلما كتبتُ سطرًا أدركتُ أن ما فعلته أوسع من أن
تحيط به الكلمات، وأعظم من أن تنصفه العبارات. فثمة مواقف لا تعجزنا عن وصفها
فحسب، بل تكشف لنا ضيق اللغة أمام اتساع البطولة. وما أكتبه اليوم ليس وفاءً بحقك،
وإنما شهادةٌ متواضعة أمام موقفٍ يستحق أن يُروى، وأن يظل حاضرًا في ذاكرة الوطن.
ثمّة لحظات لا تُقاس
بالزمن، وإنما بما تكشفه من معادن الرجال؛ لحظات تسقط فيها حسابات النجاة، وينكشف
الإنسان أمام حقيقة نفسه: إمّا أن ينتصر للخوف، وإمّا أن ينتصر للمبدأ.
في تلك اللحظة، كان
الملازم الثاني فراس فايز عبد الله العنانزة أمام مشهدٍ اختلط فيه الإرهاب بالغدر،
والأداة الحادة بالتهديد، والموت بمحاولة إخضاع الإنسان. لم يكن أمام موقفٍ عابر،
بل أمام إرهابٍ أراد أن ينتزع الطمأنينة من قلب الوطن، وأن يجعل الخوف سيّد
اللحظة. لكن فراس لم يمنحه ما أراد.
لم يُرعبه وجه الإرهاب،
ولم تُثنه خطورة المواجهة، ولم تدفعه رؤية زميله في قبضة الخطر إلى التراجع أو
إعادة حسابات سلامته. اندفع لمواجهة المعتدي، واشتَبك معه حتى تمكّن من تحييده
والسيطرة عليه، متحمّلًا الإصابة في وجهه أثناء المواجهة. كان يرى أمامه ما هو
أكبر من سلامته الشخصية: حياة رفيق السلاح، وكرامة الجندي، وأمن وطنٍ لا يجوز أن
يُترك وحيدًا في مواجهة الغدر.
وهنا ظهر الفرق بين من
يرى الخطر فيتراجع، ومن يرى الواجب فيتقدّم. لم تكن شجاعته غيابًا للخوف بقدر ما
كانت انتصارًا عليه؛ ولم تكن قوته في قدرته على مواجهة المعتدي فحسب، بل في المبدأ
الذي جعله لا يرى الخطر أقوى من ضميره، ولا الإرهاب أكبر من انتمائه، ولا سلامته
الشخصية أغلى من واجبه تجاه رفيقه ووطنه.
يا فراس، لقد حاول
الإرهاب أن يفرض منطقه على المشهد، فكان موقفك أبلغ ردّ عليه. أراد أن يصنع من
الأداة الحادة لغةً للترهيب، فواجهته بلغة الرجولة. أراد أن يزرع الرعب، فإذا بك
تكشف أن في هذا الوطن رجالًا لا تتبدّل مواقفهم حين يقترب الموت، ولا تتراجع
نخوتهم حين يصبح الوفاء مكلفًا.
لم تنتظر أن تُسأل، ولم
تحتسب المسافة بينك وبين الخطر؛ لأنك كنت تعرف أن الرفيق لا يُترك، وأن السلاح ليس
رتبةً تُعلّق على الكتف، بل عهدٌ ومسؤولية، وأن الجندية ليست أن تحمل السلاح فحسب،
بل أن تكون السند حين يحتاجك رفيقك، وأن تقف حيث يتراجع الآخرون.
لقد كشفت في ثوانٍ عن
معدنٍ لا تصنعه الرتب، ولا تمنحه الأوسمة؛ معدنٍ تصنعه التربية حين تتحوّل إلى
قناعة، وتصنعه الأم حين تزرع في ابنها الكرامة قبل الكلمات، والشهامة قبل المظاهر،
والوفاء قبل حسابات المكسب والخسارة.
إلى أمك، كل التحية
والتقدير.
إلى الأم التي ترى في
موقف ابنها ما يبعث على الفخر والاعتزاز، وإلى كل أم أردنية غرست في أبنائها عزة
النفس ونخوة الرجال، وربّتهم على أن الكرامة موقف، وأن الوفاء عهد، وأن الوطن ليس
كلمةً تُقال، بل مسؤولية تُحمل وتُصان. فما أعظم أن ترى الأم في مواقف أبنائها صدى
القيم التي نرجو أن تنشأ عليها الأجيال، وأن يصبح موقف ابنها درسًا للوطن في معنى
الشجاعة والوفاء.
أما نحن، الأردنيين،
فلا نرى في فراس ضابطًا شجاعًا فحسب؛ نرى فيه صورةً للأردني الذي لا يساوم على
كرامة وطنه، ولا يترك رفيقه في ساعة المحنة، ولا يسمح للإرهاب أن يكتب نهاية
المشهد كما يشتهي. فالإرهاب قد يحمل أداةً للقتل، وقد يملك لحظة مباغتة، وقد يزرع
الرعب في المكان، لكنه لن يستطيع أن يهزم وطنًا تسكن الرجولة في ضمائر أبنائه.
وفي ظل القيادة
الهاشمية الحكيمة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، يزداد يقيننا
بأن أمن الأردن ليس شعارًا يُرفع، بل عقيدة راسخة ونهج دولة، وأن خلف هذا الوطن
قيادةً تدرك قيمة الإنسان، ورجالًا نذروا أنفسهم لحمايته وصون استقراره. إن نشامى
أجهزتنا الأمنية، بما يحملونه من انضباطٍ وشجاعةٍ وإخلاص، هم سياج الوطن المنيع،
وهم الصورة الحقيقية لمعنى الوفاء للقسم والعهد. وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية
ورجاله الأوفياء، عصيًّا على كل يدٍ تحاول العبث بأمنه أو النيل من طمأنينته.
لقد جاء الإرهاب ليختبر
الخوف في نفوس الرجال، فوجد أمامه رجلًا اختار المواجهة والوفاء. وجاءت يد الغدر
لتفرض الموت، فإذا بإرادة فراس ومبدئه ونخوته تقف في وجهها. لم يكن ما حرّكه
اندفاعًا عابرًا، بل إحساسًا عميقًا بالمسؤولية، وحرصًا على رفيق السلاح، وغيرةً
على وطنه، وإيمانًا بأن هناك مواقف لا يجوز للإنسان أن يتأخر فيها، مهما كان الثمن.
رحم الله الشهيد البطل
العريف جواد علي خلف السلايطة، الذي ارتقى فداءً لأمن الوطن وكرامة الإنسان،
وأسكنه فسيح جناته، وحفظ الله الملازم الثاني فراس العنانزة، ومنّ عليه بالشفاء
التام، وحفظ رفاقه وجميع نشامى أجهزتنا الأمنية، وحفظ أمهات الأردن اللواتي يزرعن
في أبنائهن عزة النفس ونخوة الرجال ومعنى التضحية.
فالأوطان لا يحرسها
السلاح وحده؛ تحرسها نفوسٌ لا يرهبها الإرهاب، وقلوبٌ لا تتخلى عن رفاقها، ورجالٌ
حين يقف الخطر في وجوههم لا يرون فيه نهاية الطريق، بل يرون أمامهم واجبًا لا بدّ
أن يُؤدّى.
ذلك هو فراس العنانزة؛
لم يكن الخطر أكبر من رجولته، ولم يكن الإرهاب أقدر من انتمائه، ولم تكن الإصابة
التي لحقت به أقوى من إرادته. وفي زمنٍ يحاول فيه الإرهاب أن يصنع من الخوف قدرًا،
جاء موقفه ليقول:
هنا الأردن... وهنا
رجالٌ لا يُعلّمهم الإرهاب كيف يخافون، بل يكشف للعالم كيف يكونون.


















