«خرج من السجن... فهل خرج من دائرة الخطر؟
النائب د. علي الطراونة
ضرورة إعادة تقييم
ومتابعة أصحاب السوابق الفكرية المتطرفة بعد الإفراج عنهم
إن ما نشهده من حوادث
اعتداء على رجال الأمن العام، وما يرافقها أحياناً من معلومات عن خلفيات بعض
المعتدين ووجود قيود أو سوابق أمنية مرتبطة بقضايا التطرف والتكفير، يضع أمامنا
تساؤلاً وطنياً مهماً، لا بد من التوقف عنده ومناقشته بمسؤولية وحرص على أمن الوطن
واستقراره.
إن المسألة التي تستحق
البحث ليست فقط كيف نتعامل مع الشخص المتطرف أثناء وجوده داخل السجن، وإنما كيف
نتعامل معه بعد خروجه وانتهاء محكوميته؟ وهل توجد منظومة متكاملة لتقييم ومتابعة
الأشخاص الذين سبق أن تورطوا في قضايا إرهابية أو تكفيرية، أو ثبتت لديهم أفكار
متطرفة، خصوصاً أولئك الذين لا تزال تظهر عليهم مؤشرات تدل على استمرار هذا الفكر؟
من المعروف أن انتهاء
العقوبة القانونية لا يعني بالضرورة انتهاء الخطورة الفكرية أو زوال القناعات
المتطرفة لدى بعض الأشخاص. فهناك من يقضي محكوميته ويخرج إلى المجتمع، بينما تبقى
لديه الأفكار ذاتها التي كانت سبباً في انحرافه، وقد تتطور هذه الأفكار إلى سلوك
عدائي تجاه المجتمع ومؤسساته وأفراده.
ومن هنا تبرز أهمية
وجود نظام واضح لتصنيف الأشخاص المفرج عنهم، ممن سبق تورطهم في قضايا التطرف
والإرهاب، وفق درجات الخطورة، بحيث لا يُعامل الجميع بالمعيار نفسه، وإنما يخضع
أصحاب الخطورة المرتفعة لتقييم دوري يعيد النظر في سلوكهم ومؤشراتهم الفكرية
والاجتماعية، ضمن الصلاحيات القانونية الممنوحة للجهات المختصة.
كما أن المتابعة
الوقائية لا ينبغي أن تقتصر على المعلومات القديمة أو طبيعة القضية التي سُجن
الشخص بسببها، بل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أي مؤشرات جديدة قد تظهر بعد الإفراج
عنه، سواء من خلال سلوكه أو مواقفه أو ممارساته التي قد تكشف عن استمرار الفكر
المتطرف لديه.
ولعل ما صرّح به وزير
الداخلية مازن الفراية مؤخراً بشأن أحد منفذي الاعتداء الإرهابي على كنيسة قرية
حمود في محافظة الكرك، والذي كان يمنع بناته من الذهاب إلى المدارس اعتقاداً منه
بحرمة تعليم البنات، يشكل مثالاً يستحق التوقف عنده.
فمثل هذا السلوك، عندما
يقترن بمؤشرات أخرى من الغلو والتكفير والتشدد، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد
اختلاف في الرأي أو نمط حياة، بل يستدعي التقييم والفهم والتحقق من طبيعة الفكر
الذي يقف وراءه، وما إذا كان يمثل مؤشراً على تطرف فكري قد يتجاوز صاحبه إلى تهديد
الآخرين والمجتمع.
وهنا يبرز تساؤل مشروع:
هل توجد آلية لدى الجهات المعنية لرصد مثل هذه المؤشرات والتعامل معها وقائياً؟
وهل يجري تبادل المعلومات بشأنها بين المؤسسات المختصة، بما يضمن عدم إغفال أي
تطورات قد تكون ذات دلالة أمنية؟
إننا عندما نطرح هذه
التساؤلات لا نقصد التشكيك بجهود أجهزتنا الأمنية، التي نعتز بها ونثق بدورها في
حماية الوطن والمواطنين، وإنما نؤكد أهمية تطوير العمل الوقائي وتعزيز أدواته، بما
يتناسب مع طبيعة التحديات الأمنية والفكرية المتغيرة.
ومن الضروري أن تكون
هناك مراجعة دورية لملفات الأشخاص الذين سبق توقيفهم أو إدانتهم في قضايا إرهابية
وتكفيرية، مع تصنيفهم بحسب درجة الخطورة، وإعادة تقييم أوضاعهم بعد الإفراج عنهم،
ومتابعة أي مؤشرات جدية على عودة النشاط المتطرف، وفق القانون والضوابط التي تحمي
حقوق الأفراد وتصون أمن المجتمع.
كما أن المسؤولية لا
تقتصر على الجانب الأمني وحده، بل تتطلب تعاوناً بين المؤسسات الأمنية والتربوية
والاجتماعية والدينية، وتعزيز برامج إعادة التأهيل الفكري، ونشر ثقافة الاعتدال
والتسامح، والتصدي لخطاب الكراهية والتكفير قبل أن يتحول إلى سلوك إجرامي.
إن حماية المجتمع لا
تتحقق فقط بالقبض على المجرمين ومحاسبتهم بعد ارتكاب الجرائم، وإنما تبدأ بالوقاية
والاستباق واكتشاف مؤشرات الخطر قبل أن تتحول إلى اعتداء على الأرواح والممتلكات
ورجال الأمن.
إننا بحاجة إلى ترسيخ
مفهوم أمني مهم، وهو أن انتهاء المحكومية لا يعني بالضرورة انتهاء الحاجة إلى
التقييم الوقائي، وأن الإفراج عن شخص سبق أن تورط في قضايا التطرف لا ينبغي أن
يعني إغلاق ملف تقييم خطورته بصورة نهائية، إذا كانت هناك مؤشرات جدية تستدعي
إعادة النظر في وضعه.
وفي المحصلة، فإن أمن
الأردن واستقراره مسؤولية وطنية مشتركة، وأجهزتنا الأمنية تستحق كل الدعم والثقة،
كما أن تطوير منظومة العمل الوقائي وتعزيز التنسيق وتقييم المخاطر بصورة مستمرة
يمثل ضرورة وطنية، هدفها حماية المواطن ورجل الأمن، والحفاظ على نسيج المجتمع
الأردني ووحدته.
فالأمن الحقيقي ليس فقط
في مواجهة الخطر عندما يقع، وإنما في امتلاك القدرة على اكتشافه ومنع وقوعه قبل
فوات الأوان.

















