الانتخابات البلدية بين الشرعية والنتائج: لماذا أشعر بالقلق؟
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حداد
مستشار الهندسة
والصناعة وإدارة المشاريع
لا خلاف على أن
الانتخابات البلدية تمثل أحد أعمدة الحكم المحلي والديمقراطية التمثيلية. فهي تمنح
الشرعية، وتُشرك المواطنين، وتفترض وجود مساءلة مباشرة بين المنتخب والناخب. لكن
التجربة، في الأردن كما في غيره، تُظهر أن الشرعية وحدها لا تكفي لضمان حسن
الإدارة، ولا تؤدي بالضرورة إلى تحسين الأداء أو جودة الخدمات.
قلقي اليوم لا يتعلق
بمبدأ الانتخابات، بل بمخرجاتها المحتملة إذا أُجريت ضمن نفس الإطار المؤسسي الذي
سبق أن أثبت محدوديته.
السؤال الذي لا نطرحه
بوضوح
السؤال الجوهري ليس:
متى ستُجرى الانتخابات؟
بل: ماذا سيتغير فعليًا
في اليوم التالي للانتخابات؟ إذا كانت الإجابة: "مجالس جديدة، ولكن بنفس الصلاحيات
الملتبسة، ونفس أدوات الرقابة الضعيفة، ونفس غياب قياس الأداء”، فلا ينبغي أن
نتوقع نتائج مختلفة عن الدورات السابقة.
الانتخابات لا تصنع
الأداء تلقائيًا
في النموذج القائم،
يُنتخب رؤساء البلديات وأعضاء المجالس وهم يجمعون بين الصفة السياسية والدور
التنفيذي. نظريًا، هذا يعزز المساءلة. عمليًا، غالبًا ما يؤدي إلى نتائج عكسية:
• يُقيَّم المنتخب سياسيًا لا تشغيليًا
• تتركز الرقابة على المخالفات بعد وقوعها، لا على
الأداء أثناء التنفيذ
• نادرًا ما تُقاس كفاءة الخدمات أو تُنشر نتائجها
للرأي العام
• تتداخل أدوار المجلس بين الرقابة والإدارة
اليومية
في هذه البيئة، تتحول
الانتخابات إلى تداول للأشخاص لا إلى تطوير للمؤسسات.
قلقي الأساسي: تكرار
التجربة لا تجديدها
مخاوفي لا تتعلق
بمشاركة المواطنين، فالمشاركة حق أساسي.
إنما تتعلق بإمكانية
عودة نفس الممارسات التي سبقت حل المجالس، لأن الأسباب البنيوية التي سمحت بها لم
تُعالج جذريًا.
ما لم يتم قبل
الانتخابات:
• فصل واضح وملزم بين الحوكمة والإدارة التنفيذية
• فرض مؤشرات أداء إلزامية على البلديات ورؤسائها
• حماية مهنية للإدارة البلدية من التدخلات
السياسية
• نشر تقارير أداء وخدمة بشكل دوري وشفاف
فإن أي مجلس منتخب
سيواجه نفس الضغوط ونفس الإغراءات ونفس الغموض.
وحين لا تتغير الحوافز،
لا يتغير السلوك.
حلّ المجالس كان نافذة…
وليس إصلاحًا بحد ذاته
حلّ المجالس البلدية
خلق فترة توقف مؤقتة. هذا التوقف يمكن أن يكون أداة إصلاح إذا استُخدم لإعادة ضبط
الصلاحيات، وتوضيح المسؤوليات، وبناء أنظمة أداء ورقابة حقيقية. لكنه يفقد معناه
إذا أعقبته انتخابات تُجرى بالقواعد نفسها التي أثبتت فشلها. الانتخابات دون إصلاح
مؤسسي تخلق وهم التجديد، لا حقيقته.
الديمقراطية تحتاج
أنظمة… لا صناديق فقط
الديمقراطية المحلية لا
تُقاس بيوم الاقتراع وحده، بل بما يليه.
تحتاج إلى:
• مؤسسات تقيد السلطة
• أنظمة تقلل الاجتهاد الشخصي
• رقابة تُنتج قرارات تصحيحية
• بيانات أداء يراها المواطن ويفهمها
من دون ذلك، تمنح
الانتخابات الشرعية، لكنها لا تفرض الانضباط.
موقف مسؤول… لا رفض
للانتخابات
أود أن أكون واضحًا:
لست ضد الانتخابات البلدية. أنا مع انتخابات تُنتج فرقًا حقيقيًا.
يجب أن تكون الانتخابات
خاتمة الإصلاح، لا بديله. وإلا فإننا نحمّل المواطنين آمالًا جديدة داخل إطار قديم.
السؤال الذي سيحكم على
التجربة
بعد أشهر من
الانتخابات، سيبقى سؤال واحد كافيًا لتقييم التجربة: هل يُحاسَب رؤساء البلديات
والمجالس على نتائج قابلة للقياس؟ أم فقط على مواقفهم السياسية؟ إذا بقي الجواب هو
الثاني، فإننا لم نخطُ خطوة إلى الأمام، بل أعدنا تدوير التجربة.















