من التوجيه الاستراتيجي إلى القدرة الوطنية
ترجمة رؤية القائد الأعلى إلى إطار متكامل للتحول العسكري
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حدّاد
مستشار الهندسة
والصناعة وإدارة المشاريع
إن التوجيه الصادر عن
القائد الأعلى للبلاد إلى قيادة القوات المسلحة ليس رسالة بروتوكولية ولا تعبيرًا
تقليديًا عن الثقة، بل هو تكليف استراتيجي سيادي يعكس إدراكًا عميقًا للتحولات
الجذرية في طبيعة الحروب، ويدعو إلى إحداث نقلة بنيوية وعملياتية وتكنولوجية خلال
إطار زمني محدد لا يتجاوز ثلاث سنوات.
هذا التوجيه لا ينطلق
من اعتبارات عسكرية تقليدية فقط، بل من فهم متقدم لبيئة أمنية معقّدة، تتداخل فيها
التهديدات الهجينة، واتساع الحدود البرية، والمجال السيبراني والمعلوماتي، وتسارع
الابتكار التكنولوجي، وضيق نوافذ القرار. وعليه، فإن المطلوب ليس "تحديثًا”
بالمعنى التقليدي، بل نضجًا استراتيجيًا في كيفية التفكير بالقوة العسكرية،
وبنائها وإدارتها وتوظيفها.
التفكير الاستراتيجي والتخطيط
الاستراتيجي كنقطة انطلاق
في جوهر توجيه القائد
الأعلى تكمن دعوة واضحة وإن كانت غير مصرح بها نصًا إلى التفكير الاستراتيجي
قبل الفعل.
التفكير الاستراتيجي،
كما هو متجذر في عمل الكاتب المهني، لا يعني إعداد وثائق أو شعارات، بل هو القدرة
على فهم بيئة العمل المستقبلية، وتحديد الخيارات الحرجة، وترتيب الأولويات في ظل
القيود وعدم اليقين. إنه فن الاختيار الواعي: أين نستثمر، وأين نقبل بالمخاطر،
وأين نُخصص مواردنا المحدودة لتحقيق أكبر أثر.
أما التخطيط
الاستراتيجي، فيحوّل هذا التفكير إلى خارطة طريق واضحة ومحددة زمنيًا، تربط الرؤية
بالأهداف، والأهداف بالمبادرات، والمبادرات بالبرامج والمشاريع ومؤشرات الأداء.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى استراتيجية شاملة وخارطة طريق واضحة تعكس وعيًا بأن
التحول دون تخطيط يؤدي إلى التشتت، وأن التخطيط دون تفكير استراتيجي يؤدي إلى
الجمود.
بيئة العمليات
المستقبلية: الواقع الذي يجب أن تُبنى عليه القوة
لا يمكن لأي تحول عسكري
جاد أن ينجح دون فهم واقعي لـ بيئة العمليات المستقبلية.
هذه البيئة تتسم بعدة
سمات رئيسية، أبرزها:
• تهديدات هجينة تمزج بين العمل العسكري، والجريمة
المنظمة، والهجمات السيبرانية، والحرب الإعلامية
• توسّع ساحة العمليات لتشمل الفضاء السيبراني،
والطيف الكهرومغناطيسي، والمجال المعرفي
• تسارع الدورات التكنولوجية، بما يتيح لجهات غير
نظامية امتلاك أدوات متقدمة
• بيئات عمليات متعددة الأطراف تضم القوات
المسلحة، والأجهزة الأمنية، والسلطات المدنية، والشركاء
• ضغط زمني متزايد على القرار، حيث تصبح سرعة
وجودة القرار أهم من التفوق العددي
وفي الحالة الأردنية
تحديدًا، تضاف إلى ذلك ضرورة حماية مئات الكيلومترات من الحدود البرية عبر تضاريس
متنوعة، في مواجهة تهديدات محلية متحركة تستفيد من الغموض والمفاجأة.
حماية الحدود وحتمية
الحركة والمناورة بأسلوب "التمشيط”
إن الواقع الجغرافي
والأمني للأردن يفرض حقيقة استراتيجية واضحة:
الدفاع الثابت وحده غير
كافٍ.
فحماية الحدود الممتدة
لا يمكن تحقيقها بالتمركز الدائم، بل تتطلب قوات عالية الحركة تعمل بأسلوب تمشيطي
ومناوري، قادرة على:
• إعادة الانتشار السريع بين قطاعات الحدود
• تحقيق تغطية مستمرة عبر الحركة لا عبر الوجود
الثابت
• تنفيذ عمليات قائمة على الاستخبار والمراقبة
الجوية والأنظمة غير المأهولة
• تنظيم المهام بمرونة مع تنفيذ لامركزي ضمن نية
قيادية مركزية
هذه الحقيقة يجب أن
تنعكس في الاستراتيجية، والتخطيط، والعقيدة، والتدريب، واللوجستيات، ومؤشرات
الأداء.
العقيدة العسكرية
وعقيدة القتال: الأساس الفكري للتوظيف العسكري
لا يمكن للتحول العسكري
أن ينجح دون وضوح مفاهيمي في العقيدة.



















