يوم عمّان: من الاحتفال إلى إدارة المدينة باحتراف
بقلم: م. نبيل إبراهيم
حداد
في الثاني من آذار من
كل عام، تحتفل عمّان بيومها، في مشهد يعكس عمق الانتماء لهذه المدينة التي احتضنت
أجيالًا وشكّلت هوية جامعة لأبنائها. غير أن السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح اليوم
ليس: كيف نحتفل بعمّان؟ بل: كيف نُدير عمّان؟
فالمدن لا تُقاس فقط
بتاريخها، بل بقدرتها على إدارة حاضرها والتخطيط لمستقبلها وفق منهجية واضحة قائمة
على الأداء، والمساءلة، والانضباط في التنفيذ.
عمّان بين النمو السريع
والتحديات المتراكمة
شهدت عمّان نموًا
متسارعًا خلال العقود الماضية، مدفوعًا بعوامل متعددة، ما أدى إلى بروز تحديات
واضحة:
• ضغط على البنية التحتية
• ازدحام مروري متزايد
• تفاوت في مستوى الخدمات
• تمدد عمراني غير متوازن
هذه التحديات ليست
استثناءً، بل هي سمة مشتركة للمدن النامية. لكن الفرق الحقيقي يكمن في كيفية
إدارتها.
المدينة كنظام متكامل
لا كمجموعة مشاريع
الخطأ الشائع في إدارة
المدن هو التعامل معها كمجموعة مشاريع منفصلة: طريق هنا، جسر هناك، حديقة في موقع
آخر. بينما الحقيقة أن المدينة هي نظام متكامل، حيث يؤثر كل قرار على بقية
المكونات.
إدارة المدينة باحتراف
تعني:
• ربط التخطيط العمراني بالنقل
• مواءمة التنمية الاقتصادية مع البنية التحتية
• فهم الأثر التراكمي لكل قرار
إدارة المدن بمنهجية
إدارة المخاطر
لا يمكن إدارة مدينة
حديثة دون تبني منهجيات علمية، وعلى رأسها إدارة المخاطر.
فالمدينة التي لا تُدير
مخاطرها في الازدحام، والخدمات، والنمو غير المنضبط ستجد نفسها تُدار بالأزمات.
المطلوب هو:
• تحديد المخاطر الحضرية
• تحليل أثرها واحتمالاتها
• وضع خطط استباقية للتخفيف والمعالجة
من الخطاب إلى القياس:
أين مؤشرات الأداء؟
كثيرًا ما نسمع عن
"تحسين جودة الحياة”، لكن دون مؤشرات قياس واضحة.
الإدارة الحديثة تتطلب
مؤشرات اداء محددة، مثل:
• زمن التنقل داخل المدينة
• كفاءة النقل العام
• مستوى النظافة
• رضا المواطنين
• نصيب الفرد من المساحات الخضراء
ما لا يُقاس! لا يُدار.
ماذا تفعل المدن
المتقدمة؟
مدن مثل ستوكهلم،
كوبنهاجن، وسنغافورة لم تنجح لأنها أغنى فقط، بل لأنها:
• تدير الطلب على الطرق (مثل التسعير المروري)
• توفر نقلًا عامًا متكاملًا وموثوقًا
• تعطي أولوية للمشاة والدراجات
• تعتمد على البيانات في اتخاذ القرار
• تضع معايير صارمة لجودة الحياة
الفرق الحقيقي هو
الانضباط في الإدارة، لا حجم الموارد.
نموذج عملي فوري:
الحدائق العامة في عمّان
إذا أردنا مثالًا
بسيطًا لكنه عميق الدلالة، فهو واقع الحدائق العامة في عمّان.
اليوم:
• مستوى النظافة والصيانة دون المطلوب
• نقص واضح في مرافق ألعاب الأطفال
• عزوف العائلات عن استخدامها
في المقابل، يضطر
المواطن لدفع حوالي 7 دنانير بالساعة للطفل في صالات ألعاب خاصة.
السؤال البسيط: لماذا
لا نوفر نفس الخدمة داخل الحدائق العامة بدينار واحد فقط؟
تحويل الحدائق إلى
نموذج استثمار اجتماعي
الحل ليس نظريًا، بل
قابل للتنفيذ فورًا:
• إنشاء مناطق ألعاب حديثة وآمنة داخل الحدائق
• فرض رسم رمزي (1 دينار / طفل)
• تخصيص الإيرادات للصيانة والتطوير
• تشغيل المرافق وفق عقود أداء واضحة
بهذا نحقق:
• خدمة أفضل للمواطن
• كلفة أقل على الأسرة
• استدامة مالية للحدائق
• رفع مستوى النظافة والانضباط
إنها ببساطة إدارة
ذكية، لا استثمار ضخم.
الحوكمة الحضرية: من
المركزية إلى المشاركة
المدينة الحديثة لا
تُدار بقرارات مركزية فقط، بل عبر:
• إشراك المجتمع
• تمكين الإدارات المحلية
• تعزيز الشفافية والمساءلة
فالمدينة مسؤولية
جماعية، وليست جهة واحدة.
رؤية للمستقبل: عمّان
كمدينة ذكية مستدامة
عمّان تمتلك المقومات
لتكون:
• مدينة ذكية تعتمد على البيانات
• مدينة مستدامة في الطاقة والمياه
• نموذجًا إقليميًا في جودة الحياة
لكن ذلك يتطلب قرارًا
استراتيجيًا واضحًا، وإدارة منضبطة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
الخلاصة: يوم عمّان…
يوم للمساءلة قبل الاحتفال
يجب أن يتحول يوم عمّان
من مناسبة احتفالية إلى محطة تقييم سنوية:
• ماذا أنجزنا؟
• أين أخفقنا؟
• كيف نتحسن؟
فالمدن العظيمة لا
تُبنى بالشعارات، بل بالإدارة الواعية.
عمّان تستحق أكثر من
الاحتفال… تستحق إدارة تليق بها.
* مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع

























