ثورات حوران والكورة وجبل عجلون والرمثا وبني عبيد 1838-1840
وائل منسي
في ظل مناخ النهضة
والتحرر السائد في تلك الفترة والتأثر العالمي بأفكار الثورة الفرنسية، لم يكن لدى
شعوب المنطقة أي خيار سوى الاحتجاجات والاضطرابات إحتجاجا على الظلم العثماني في
أواخر عهدها، بدءاً من عام 1838، نتيجة فرض ضرائب جديدة على كل الذكور البالغين
إضافة للتجنيد الالزامي، والذي تم تطبيقه بطرق وأساليب وحشية، وقد بدأت هذه
الثورات في حوران الأردنية مع نهايات عام 1838 ثم اتسعت لتشمل الكورة والطيبة وجبل
عجلون ووصلت حتى للبنان لتضرب مقر الأمير بشير الشهابي الذي قام محمد باشا بقمع
ثورته.
وجرت في أثناء ذلك
مصادمات كثيرة بين الجنود والثوار في العديد من المناطق الأردنية، مما أدى
لتخبط القادة من عثمانيي مصر خصوصاً مع تحركات عشائر الصقر والِغزاوية في
الأغوار الشمالية، مما دفع بالبكباشي ” محمد آغا الدلي ” إلى إرسال قواة
ضخمة إلى هناك، فترك 150 جنديا فقط في اربد لحماية قلعة السرايا فانتهز ثوّار
الكورة والطيبة والوسطية الفرصة للهجوم على دار السرايا في اربد واغتنام محتوياتها
وأسلحتها وخيولها ووثائقها، واشتبكوا مع الحامية الموجودة فيها طوال اليوم وسقط
منهم 10 شهداء.
فشل الحكام المحليين
وقواتهم في إدارة الأزمة واخماد الثورات وحصرها بسبب اتساع رقعة الاحتجاجات، لتشمل
سهل حوران والرمثا وبني عبيد والكورة بقراها الثلاث والعشرين وعجلون بنواحيها
السبعة والأغوار الشمالية وناحية بني جهمة (وهي ناحية تاريخية تشمل مدينة اربد
الحالية، وكفريوبا والبارحة وزبدا وكفرجايز وتقبل)، مما أدى بابراهيم باشا الى
تكليف حكمدار حلب المدعو ” اسماعيل عاصم بك "، شعورأ منه بخطورة الوضع وبتأزم
الموقف وخروج المنطقة عن السيطرة.
حشد الحكمدار اسماعيل
بك قوات ضخمة قوامها أربعة أعلام (كتائب) من الفرسان والمشاة، حيث بلغ عدد الفرسان
في هذه الحملة أكثر من 900 خيل، وقاموا باقتحام تبنة بالقوة ونهب أموال أهلها
ومواشيهم بعد أن لجأ الأهالي المقاومين إلى الغابات المحيطة بالقرية مستدرجين قوات
اسماعيل بك لملاحقتهم داخل الأحراش، فلم يتمكن الفرسان من التوغل في الغابات.
واستمرت الحملة بعد ذلك
في طريقها إلى عجلون لإخضاع بركات الأحمد الفريحات وصلاح العبد الرحمن بالتعاون مع
محمد خفتان بك آغاسي، واشتبك الثوار الأردنيون مع قوات عثمانيي مصر مستفيدين من
الميزة الجغرافية التي توفرها جبال المنطقة وتضاريسها وغاباتها، ولكن سرعان ما
اكتشفوا حجم حشد العدو وامكانياته، فانسحب الثوار من المنطقة ليجنبوا أهلها ما حدث
في المناطق الآخرى، ودخلت القوة العسكرية الى كفرنجة وجمعوا أسلحتها واستمروا
بالمسير جنوباً لملاحقة قبيلة بني صخر.
وجاء في الرسالة التي
بعثها محمد شريف باشا حكمدار الشام طللباً للإمدادات وملاحظته لوجود ثوار من مناطق
أخرى لجانب الثوار المتحصنين حول المزار الشمالي، ومنهم ثوار من "قبيلة بني حميدة
القريبين من الكرك خلف الجبل” على حد وصفه، قبل أن يتبين لاحقاً في رسالة أخرى عدم
التأكد النهائي من هذه المعلومات مما يرجح قيام الثوار المحليين بإشاعتها في نفوس
عثمانيي مصر لإرهابهم وتخويفهم من حشد ( بني حميدة - قاهرة الأتراك.
انسحاب جيش محمد علي
باشا من المنطقة:
بعد مؤتمر لندن واتفاق
القوى العظمى على دعم العثمانيين الأتراك في الأستانة ضد الوالي العثماني في مصر
محمد علي باشا في محاولاته لإعلان استقلال مصر.
فأصدر محمد علي الأوامر
لقواته بالانسحاب من المنطقة والعودة إلى حماية مركز الحكم في مصر، وكان الانسحاب
على ثلاثة مراحل، وفي طريق العودة التي تمر بالأردن، وبقي الأردنيين الذين لا
ينسون ثأرهم رافضين لهذا الحكم الذي قتل آباءهم وأجدادهم وظلوا يقاومونه حتى
أنفاسه الأخيرة، حيث يذكر الرحالة الانجليزي تراسترام أن جيوش محمد علي دمرت قرية
زوبيا أثناء مرورها بالمنطقة وذلك بعد مواجهة أهالي القرية للجيش، ولم يتوقف الأمر
عند هذا الحد إذ عندما قرر الجيش المرور بقرب الكرك عند انسحابهم عبر غور الصافي
باتجاه غزة انتهز الكركيون الفرصة للثأر من جيش ابراهيم باشا ووجهوا ابنهم جلحد
الحباشنة كدليل للجيش فاستطاع أن يدمر غالبية الجيش المنسحب بذكائه ومعرفته الجيدة
بأرضه وأرض أجداده إذ قام البطل جلحد الحباشنة بتسيير القوة المؤلفة من ثلاثة آلاف
جندي وضابط مع الخيل والمدافع واللوازم الأخرى، في طريق أشد وعورة عن قصد ليتكفل
أهل الكرك بمهمة دحرجة الحجارة من المرتفعات لتهشيم الجيش المنسحب عبر أرض لا
يعرفها، ويغوص الفارين بأرض طينية، وقد وصل شاطئ البحر الميت حوالي ثلاثمئة جندي
من الثلاثة آلاف جندي من جيش ابراهيم باشا.
























