جودت مناع يكتب: العقوبات المجتزأة... لماذا يفلت الاحتلال الإسرائيلي من المحاسبة؟
كتب: جودت مناع
ليست العقوبات الدولية
أمراً استثنائياً في العلاقات السياسية، إذ تُفرض عادة على دول أو أنظمة متهمة
بانتهاكات جسيمة. غير أن الحالة الإسرائيلية تبدو مختلفة؛ فبدلاً من فرض عقوبات
شاملة على دولة متهمة بارتكاب جرائم حرب، تكتفي بعض القوى الدولية بفرض إجراءات
محدودة على جماعات من المستوطنين، رغم أنهم جزء عضوي من منظومة الاحتلال السياسية
والعسكرية والأمنية.
وفي إسرائيل عشرات
المنظمات والجماعات الاستيطانية المتطرفة (٦٥ منظمة)، بعضها مصنف لدى جهات دولية
باعتباره متورطاً في أعمال إرهاب وعنف منظم ضد الفلسطينيين. وقد فرض الاتحاد
الأوروبي، إلى جانب الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، عقوبات على عدد من
المستوطنين وبعض التنظيمات المتطرفة، إلا أن هذه العقوبات بقيت جزئية ومحدودة التأثير.
وفي القدس المحتلة تنشط
عدة جمعيات استيطانية تعمل تحت غطاء قانوني ومؤسساتي، مستهدفة البلدة القديمة
والأحياء الفلسطينية المحيطة بها، بما يشمل المناطق ذات الحساسية الدينية
والتاريخية الخاضعة للوصاية الهاشمية الأردنية، وفق الاتفاقيات الأردنية ـ
الفلسطينية، وكذلك معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية.
ومن أبرز الجمعيات
الاستيطانية العاملة في القدس:
* جمعية "عطيرت كوهنيم”، وتنشط بصورة أساسية في
البلدة القديمة، خاصة في الحي الإسلامي ومحيط المسجد الأقصى، وتسعى إلى توسيع
الوجود الاستيطاني اليهودي داخل الأحياء الفلسطينية.
* جمعية "إلعاد” أو ما يعرف بـ”مدينة داود”،
وتركّز نشاطها في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، حيث تعمل على الاستيلاء على
العقارات الفلسطينية وتحويل المنطقة إلى مشروع تهويدي وسياحي ذي طابع توراتي.
* جمعية "نحلات شمعون”، التي تقود محاولات تهجير العائلات
الفلسطينية من حي الشيخ جراح، عبر دعاوى ملكية واستيطان مدعومة سياسياً وقضائياً.
* جمعية "عطيرت يروشلايم”، وتنشط في مناطق رأس
العامود وجبل المكبر ومحيط الطور، ضمن مشاريع توسع استيطاني تستهدف ربط البؤر
الاستيطانية حول القدس الشرقية.
وتعمل هذه الجمعيات،
بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالتنسيق مع وزراء ومسؤولين إسرائيليين من اليمين
المتطرف، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، المعروف بمواقفه الداعمة
للاستيطان واقتحامات المسجد الأقصى. كما توفر سلطات الاحتلال الحماية العسكرية للمستوطنين
خلال الاقتحامات والاعتداءات وعمليات الاستيلاء على الأراضي والمنازل الفلسطينية
في القدس والضفة الغربية.
ولا يقتصر نشاط
الجماعات المتطرفة على القدس، إذ تنفذ مجموعات مثل "فتيان التلال” اعتداءات متكررة
في الضفة الغربية، تشمل إحراق الممتلكات وقطع الأشجار والاعتداء على المدنيين
الفلسطينيين بدعم مالي من وزير المالية سموتريش. وقد وصف مسؤولون إسرائيليون،
بينهم رؤساء سابقون للأجهزة الأمنية وأعضاء في "الكنيست”، بعض هذه الأعمال بأنها
"إرهاب يهودي”، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار الدعم السياسي والأمني للمستوطنين من قبل
حكومات الاحتلال المتعاقبة.
وعلى الصعيد الدولي،
تتلقى هذه الجماعات دعماً مالياً وإعلامياً من منظمات وجمعيات مرتبطة بالتيار
المعروف بـ”المسيحية الصهيونية”، خاصة في الولايات المتحدة، حيث يروّج قادة دينيون
وسياسيون لروايات دينية وسياسية تمنح الاستيطان غطاءً أيديولوجياً، بالتوازي مع
نشاط جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، أبرزها منظمة "آيباك”.
وفي ظل هذه المنظومة
السياسية والعسكرية والإعلامية، يعيش الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر مراحله قسوة
منذ نكبة عام 1948، في ظل حرب مفتوحة تستهدف الإنسان والأرض والبنية التحتية
والوجود الوطني الفلسطيني.
ويبقى السؤال الجوهري:
ما جدوى العقوبات الجزئية على مستوطنين أفراد، بينما تستمر الحكومة الإسرائيلية
نفسها في توفير الغطاء السياسي والقانوني والمالي والعسكري للاستيطان وتحض على
معاقبة كل من يتهم بمعاداة السامية؟
إن العقوبات المجتزأة
تبدو عاجزة عن مواجهة منظومة متكاملة من الاحتلال والاستيطان، خاصة في ظل استمرار
الدعم الغربي لإسرائيل، أو الصمت حيال الانتهاكات اليومية بحق الفلسطينيين.
ومن هنا، تبرز أهمية
إعادة تقييم الموقف الأوروبي والدولي من طبيعة العقوبات المفروضة، بحيث لا تقتصر
على أفراد أو جماعات هامشية، بل تمتد إلى المؤسسات الرسمية والسياسات الحكومية
التي تشرف على الاستيطان، بدءاً من رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزرائه، وصولاً إلى
كل جهة تشارك في تنفيذ تشريعات وإجراءات تستهدف الوجود الفلسطيني في القدس والضفة
الفلسطينية بما فيها القدس وقطاع غزة.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























