رسالة مفتوحة إلى رئيس مجلس النواب.. سعة الصدر شيمة الكِبار
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
****
معالي الأخ مازن باشا القاضي، رئيس مجلس النواب الأكرم،
تحية طيبة وبعد،،
بادي ذي بدء، أود الإشارة إلى أنه لم يسبق لي أن تشرفت
بمعرفتكم شخصياً أو اللقاء بكم في أي محفل، ولكن موقعكم العام في سدة رئاسة السلطة
التشريعية، يجعل من أفعالكم وأقوالكم شأناً وطنياً يهم كل أردني حريص على صورة
مؤسساتنا الدستورية.
****
لقد استوقفتني، كما استوقفت الكثيرين من أبناء هذا الوطن،
عبارتكم " الحادة " التي وجهتموها لأحد السادة النواب تحت القبة
الموقرة: " أنا تحملتك كثير!! "؛ وهي عبارة، وإن جاءت في لحظة ضغط
يفرضها العمل البرلماني، إلا أنها تستوجب وقفة أخوية للتناصح، انطلاقاً من المصلحة
الوطنية العليا.
****
معاليك،
أنت ابنٌ بار بالوطن، وسليل بيت زعامة في عشيرة أردنية عربية
عريقة، ونحن في الأردن نُجلّ عشائرنا ونفترض دائماً – والظن بك حسن – أن أبناءها
وممثليها في مواقع المسؤولية يحملون قيمها وأخلاقها الأصيلة؛ تلك القيم المبنية
على الحُلم، كظم الغيظ، وسعة الصدر في احتواء الجميع.
إلى جانب ذلك، فإن مسيرتك المهنية والسياسية الطويلة، والتي
تسلمت خلالها مواقع أمنية وسياسية حساسة، يُفترض أن تكون قد صقلت فيك سمات
"رجل الدولة" الذي يمتلك القدرة على إدارة التباينات بحكمة وروية،
وبأعلى درجات ضبط النفس، بعيداً عن أي تشنج أو عصبية.
****
ولعل ما يضاعف من أهمية هذه الملاحظة، معالي الرئيس، أن
مجيئكم إلى سدة الرئاسة لم يأتِ في ظروف اعتيادية، بل جاء وارثاً لتركة ثقيلة
ومرحلة بائسة أساءت عميقاً لموقع الرئاسة الجليلة، ولصورة مجلس النواب في وجدان
الأردنيين.
لقد جئتم بعد رئاسة سابقة أمعنت في تسطيح العمل البرلماني،
وسمحت باستهتار بالغ بانزلاق هيبة السلطة التشريعية بعيداً عن أي حكمة أو رُشد
سياسي، وأدخلت بيت الشعب في نفق الاستعراض والمراهقة السياسية، هذا الإرث المُتردي
يفرض عليكم اليوم مسؤولية تاريخية مضاعفة لانتشال هذا الموقع السيادي من عثرته،
وإعادة الاعتبار للمؤسسة الدستورية، لا أن نعود إلى ذات المربع من ضيق الصدر
والانفعال.
****
معالي الاخ الرئيس،
اليوم، وأنت تجلس على كرسي الرئاسة، فإن مقتضيات الموقع تفرض
عليك أن تكون رئيساً ومظلةً لجميع النواب على اختلاف مشاربهم؛ موالين ومعارضين،
فقبة البرلمان، بطبيعتها، هي ساحة لتعدد الآراء وتزاحم الأفكار، ورئيس المجلس
الناجح هو صمام الأمان الذي يدير هذا الاختلاف الديمقراطي بانفتاح وتقبل، وإن
الاستماع للسادة النواب، مهما تباينت آراؤهم أو احتدت طروحاتهم، ليس مِنّةً أو "تَحَمُّلاً"
شخصياً يُمنح لهم، بل هو صلب العمل البرلماني وجوهر الديمقراطية.
****
نصيحتي لمعاليكم، من مواطن يراقب المشهد ويأمل له الصلاح، أن
تجعل من سعة الصدر والحكمة عنواناً لإدارتك؛ فالمناصب زائلة، ولا يبقى في ذاكرة
الأردنيين إلا المواقف الرصينة والممارسة الديمقراطية الحقيقية التي تليق بالأردن
وشعبه.
والله من وراء القصد.























