اميركا إلى مخرجٍ لا إلى نصر، وإيران إلى تسويةٍ تحفظ الهيبة، وإسرائيل أمام كلفةٍ تتجاوز ما ظنّت
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حداد
أكتب هذه السطور بوصفها
توقعاتي الشخصية وقراءتي الخاصة لمسار الأحداث، من زاوية إدارة المخاطر والتحليل
الاستراتيجي، لا من زاوية التمنّي السياسي، ولا من باب الانحياز العاطفي لهذا الطرف
أو ذاك. فالحروب الكبرى لا تُقرأ بالهتاف، ولا تُفهم بالشعارات، بل تُوزن بميزان
المصالح، وكلفة الاستمرار، وحدود القدرة على التحمّل، ومآلات الفعل حين يتجاوز
عائده.
وفي تقديري، فإن
الولايات المتحدة تتجه، سياسيًا واستراتيجيًا، نحو البحث عن مخرج أكثر مما تتجه
نحو صناعة نصرٍ مكتمل المعنى. ليس لأن واشنطن فقدت أدوات القوة، ولا لأن يدها عجزت
عن الإيلام، بل لأن ما تبقّى أمامها من خيارات بدأ يقترب من المنطقة التي تصبح
فيها الكلفة أعلى من الجدوى، ويغدو فيها التوسّع في الحرب عبئًا على القرار، لا
إضافةً إلى مكاسبه.
لقد بلغت الحرب، أو
تكاد، تلك اللحظة الدقيقة التي تكتشف فيها القوى الكبرى أن الاستمرار لا يَعِدُ
دائمًا بثمرةٍ أكبر، بل قد يَعِدُ فقط بفاتورةٍ أفدح. فالضغط الداخلي الأمريكي ليس
تفصيلًا يمكن تجاوزه، ولا عاملًا ثانويًا في حسابات القرار. هناك رأي عام، واقتصاد،
وأسواق طاقة، وحسابات انتخابية، وطبقة سياسية تعرف أن الحرب التي تطول من غير أفقٍ
واضح، تتحوّل سريعًا من استعراضٍ للقوة إلى استنزافٍ للشرعية. وعند هذه النقطة، لا
تعود المسألة: ماذا تستطيع أميركا أن تفعل؟ بل: ما الذي يمكنها فعله من دون أن
تدفع ثمنًا يفوق قيمة ما تسعى إليه؟
ومن هنا، فإن توقّعي هو
أن واشنطن ستذهب، عاجلًا أو آجلًا، إلى تفاهمٍ يتيح لها الخروج المنظّم. وهذا، في
رأيي، ينسجم مع طبيعة الرئيس ترامب نفسه. فالرجل، في جوهر سلوكه السياسي، يحبّ
الصفقات، ويحبّ الصورة التي يظهر فيها بوصفه من مارس الضغط ثم حصد المقابل. أمّا
الحروب المفتوحة التي لا تنتهي إلى اتفاق، ولا تُترجم إلى مكسب سياسي واضح، فليست
البيئة التي يفضّلها، ولا المسرح الذي يطمئن إلى البقاء فيه طويلًا. إنّ منطق
ترامب، كما أفهمه، ليس منطق الغرق في الاستنزاف، بل منطق تحويل الضغط إلى صفقة،
وتحويل النار إلى إعلان إنجاز.
وفي المقابل، لا أرى أن
إيران ستذهب إلى استسلام، ولا أعتقد أنها ستقبل بأن تُدفع إلى مشهد انكسارٍ معلن.
إيران، في تقديري، ستبحث عن تسويةٍ تحفظ الوجه، وتصون الهيبة، وتمنح النظام القدرة
على تقديم النتيجة داخليًا وإقليميًا بوصفها صمودًا لا خضوعًا. وهذه نقطة جوهرية
كثيرًا ما تُساء قراءتها في التحليل الغربي: فالدول لا تحتاج دائمًا إلى أن تنتصر
عسكريًا حتى تُقنع جمهورها بأنها لم تُهزم سياسيًا؛ وأحيانًا يكفيها أن تثبت أنها
لم تنكسر، ولم تُسلّم إرادتها، ولم تُساق إلى الطاولة وهي مطأطئة الرأس.
لهذا، فإن أي تسوية
جديّة لن يكون جوهرها الحقيقي في النصوص المعلنة وحدها، بل في المعنى السياسي الذي
يستطيع كل طرف أن يعود به إلى جمهوره. وأرى أن العقوبات ستكون في صلب هذا المعنى.
بل إنني أميل إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، إذا أرادت اتفاقًا قابلًا للحياة،
ستضطر إلى رفع جزء كبير من العقوبات المفروضة على إيران، أو على الأقل تخفيفها على
نحوٍ واسعٍ وملموس. ذلك أن طهران لن تكتفي بصياغات رمادية أو وعود فضفاضة، بل
ستحتاج إلى مقابلٍ اقتصادي وسياسي تستطيع أن تُلبسه ثوب الكرامة الوطنية، وأن تقول
من خلاله إنها لم تصمد عبثًا، ولم تتلقَّ الضربات من أجل العودة إلى النقطة ذاتها.
وأنا أرى أن إيران،
شأنها شأن مجتمعات كثيرة في الشرق الأوسط، ليست غريبة عن فهم الثقافة الغربية، ولا
عن استيعاب منطق التفاوض مع الغرب. هي تعرف أدوات الضغط، وتفهم الرمزية السياسية،
وتُحسن، في كثير من الأحيان، تحويل الشدّة إلى ورقة تفاوض، والحصار إلى خطاب صمود،
والتسوية إلى مظهر من مظاهر الثبات. ومن هنا، فإن الصفقة معها تبقى أقرب إلى
الواقعية من أوهام الإخضاع الكامل، لأن التاريخ السياسي لا يُكتب بالرغبات، بل
بحدود الممكن، وبما تقبل به الوقائع حين تستعصي على الأحلام القصوى.
أما إسرائيل، ففي
تقديري، فقد دخلت منذ الآن في منطقةٍ لم تعد فيها قادرة على الادعاء بأن الكلفة
بقيت في حدود المألوف. نعم، قد تملك تفوقًا عسكريًا، وقد تستطيع أن توقع أذى
بالغًا بخصومها، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنها تكبّدت، وستتكبّد، خسائر أثقل مما
تصوّر كثيرون في بدايات الحرب. فالحرب لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على الضرب، بل
كذلك بقدرتها على تحمّل الاضطراب الداخلي، واستيعاب الخسائر الاقتصادية، وحماية
صورة الردع، وصون ثقة المجتمع بصلابة الجبهة الداخلية. وإذا تزعزعت هذه العناصر،
فإن أي روايةٍ عن التفوق العسكري تبقى ناقصة، بل وربما مضلِّلة.
ومن هنا، فإنني لا أرى
أن هذه الحرب ستنتهي برواية نصرٍ صافٍ لأي طرف. الأغلب، في تقديري، أنها ستنتهي
بأن يحاول كل طرف إعادة كتابة النتيجة بلغةٍ تحفظ له ماءه السياسي. الولايات
المتحدة ستقول إنها ضغطت وفرضت الإيقاع ثم اختارت التوقف من موقع القوة. إيران
ستقول إنها دفعت وتحملت وصمدت، لكنها لم تنحنِ. وإسرائيل ستقول إنها فعلت ما رأت
أنه ضروري لأمنها، لكنها ستجد نفسها، في العمق، أمام سؤال أكثر قسوة: هل كانت كلفة
الإطالة أقل من كلفة التوقف، أم أن الحرب بدأت تستهلك مناعة الداخل أكثر مما تعظّم
المكاسب في الخارج؟
إن توقّعي الشخصي،
بعبارةٍ أكثر مباشرة، هو الآتي:
إن أميركا ستبحث عن باب
خروج لا عن توسيعٍ أبعد للحرب.
وإن إيران ستبحث عن
تسويةٍ تحفظ الوجه وتسترد جزءًا وازنًا من المجال الاقتصادي عبر تخفيف العقوبات أو
رفع معظمها.
وإن إسرائيل ستكتشف أن
التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يلغي ثمن الاستنزاف ولا يضمن احتكار تعريف النتيجة.
وهنا تكمن الخلاصة
الأعمق:
إن الحروب، في كثير من
مراحلها الحاسمة، لا يربحها من يطلق النار أكثر، بل من يعرف متى يتوقف، وكيف يحوّل
الألم إلى صيغةٍ سياسية محتملة، وكيف يمنع الكلفة من أن تبتلع معنى المكسب نفسه.
وفي ظني، فإن المنطقة تقف الآن أمام هذا النوع من اللحظات؛ لحظةٍ لا يكون فيها
السؤال: من الأقوى في الضربة التالية؟ بل: من الأقدر على صياغة نهايةٍ لا تبدو
هزيمةً صريحة، ولا تتحول إلى مقدمةٍ لحربٍ أشد فوضى وأعلى كلفة؟
وعليه، فإنني أرجّح أن
المشهد سيتجه قريبا جدا، لا إلى حسمٍ كامل، بل إلى تسويةٍ مشروطة، وخروجٍ أمريكي
محسوب، ومطالبةٍ إيرانيةٍ بحفظ الهيبة والمصلحة، واعترافٍ إسرائيليٍ صامت بأن
الحرب، مهما قيل فيها، لم تكن بلا أثمانٍ ثقيلة.
























