الحلقة الثانية من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني
قراءة في صورة تاريخية: وصفي التل وحرق ملفات المعارضة.. هندسة "الاحتواء اللاعنفي" وتأسيس اليسار البيروقراطي
بقلم:
د. أحمد زياد أبو غنيمة
"توطئة: إيماناً بجدوى
التوثيق الرصين، وابتعاداً عن السجال السياسي اليومي، نواصل اليوم نشر الحلقة
الثانية من سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني"، المستلهمة
من دراستي للماجستير حول آليات صناعة النخبة الأردنية. نسعى من خلالها لقراءة
محطات في تاريخ دولتنا ورجالاتها بموضوعية وتجرد؛ حمايةً لذاكرتنا الوطنية، ووضعاً
لتجارب أصحاب القرار بين يدي الأجيال القادمة لتكون أبقى أثراً وأكثر نفعاً."
****
الصورة
التي دشّنت لـ "عِقد اجتماعي جديد":
التاريخ
السياسي لا يُقرأ فقط في متون الوثائق والمراسلات الرسمية، بل يتجلى أحياناً في
"صورة فوتوغرافية" تختزل في تفاصيلها عقيدة دولة بأكملها.
وفي
سياق بحثنا الأكاديمي المستمر لتفكيك آليات "صناعة النخبة السياسية
الأردنية"، تقفز إلى الواجهة صورة استثنائية من بدايات الستينيات؛ صورة لا
توثق حدثاً عابراً، بل توثق لحظة تدشين "عِقد اجتماعي جديد".
إنها
تلك الصورة المهيبة للشهيد وصفي التل، إبان ترؤسه للحكومة في مطلع الستينيات، وهو
يقف في ساحة دائرة المخابرات العامة، مشرفاً بنفسه على إضرام النار في ملفات
المعارضين السياسيين والحزبيين.
لم
يكن ذلك الدخان المتصاعد مجرد حرق لأوراق أمنية، بل كان إعلاناً سيادياً ببدء
مرحلة هندسية جديدة لـ "إدارة التحولات"، تقوم على تحويل الخصوم إلى
شركاء.
صناعة
النخبة عبر "الاحتواء اللاعنفي":
عندما
نُخضع هذا الحدث التاريخي لمشرط التحليل السوسيولوجي والسياسي، نجد أنفسنا أمام
تطبيق عملي ومذهل لفرضية "الاحتواء اللاعنفي" التي ميزت عهد الملك
الحسين بن طلال.
لقد
جاء وصفي التل إلى الدوار الرابع بمشروع "تحديثي تكنوقراطي" (الثورة
البيضاء 1962). وكان يدرك، بتوجيه من العقل السياسي للدولة، أن بناء الأردن الحديث
لا يمكن أن يتم وسط حالة من الاستنزاف الداخلي والملاحقات الأمنية لقادة الفكر
الحزبي (من بعثيين، وقوميين، وشيوعيين). فجاء قرار حرق الملفات كـ "رسالة عفو
سيادي استباقي"؛ رسالة تقول للمعارضة الراديكالية: إن الدولة الأردنية قوية
بما يكفي لتصفح، ومرنة بما يكفي لتستوعب الجميع تحت مظلتها الوطنية.
من
خندق المعارضة إلى "اليسار البيروقراطي":
تكمن
البراغماتية الاستراتيجية لهذه اللحظة في مخرجاتها اللاحقة؛ أنها لم تقف عند حدود
هذه الخطوة بتبييض السجون وتبرئة الساحات، بل أسست لما أسميناه في دراستنا بظاهرة
"اليسار البيروقراطي".
لقد
شكلت هذه النار التي التهمت تقارير الملاحقة، نقطة الانطلاق لعملية "تجنيد
سياسي عكسي" لا مثيل لها في المنطقة العربية، فقد شرعت حكومات التل المتعاقبة
في دمج هؤلاء المعارضين (الذين كانوا يوماً ما مطلوبين أمنياً) في مفاصل العمل
الإداري، والتعليمي، والإعلامي. فمنهم من أصبح وزيراً، ومنهم من قاد المؤسسات
الامنية. لقد تمت مقايضة الأيديولوجيا العابرة للحدود بالولاء لـ "مشروع
الدولة التنموي".
من
"قوائم الملاحقة" إلى "سُدّة المسؤولية":
لم
تكن تلك النار محواً للذاكرة، بل كانت إعادة صياغة لها، فالبراغماتية السياسية
للدولة الأردنية تجلت في قدرتها على تحويل "الطاقة الراديكالية"
المعارضة إلى "طاقة بيروقراطية" بانية.
وإذا
أردنا أن نلمس أثر هذه السياسة، فلا بد من استحضار النماذج الحية التي عبرت من
خندق المعارضة والحُكم بالإعدام إلى خندق قيادة مؤسسات الدولة:
1.الفريق
علي أبو نوار (نموذج النخبة العسكرية اللاجئة)
دوره في المعارضة: كان
أحد أبرز قادة "تنظيم الضباط الأحرار" وشغل منصب رئيس أركان الجيش
العربي، واتُهم بقيادة والتحضير لمحاولة انقلاب عام 1957 ضد النظام الملكي.
الأحكام والإجراءات:
اضطر للجوء السياسي إلى مصر لسنوات طويلة بعد صدور ملاحقات أمنية وقضائية بحقه عقب
أحداث نيسان 1957.
المواقع الرسمية بعد
العفو: بعد صدور العفو الملكي وعودته، جرى استيعابه وظيفياً في أعلى مراتب الدولة؛
حيث عُين سفيراً للأردن في باريس، ثم عضواً في مجلس الأعيان، وأصبح من المستشارين
المقربين للملك الحسين.
2.الفريق
نذير رشيد (من تهمة التآمر إلى قيادة الجهاز الأمني)
دوره في المعارضة: كان
عضواً فاعلاً في "تنظيم الضباط الأحرار" الأردنيين وشارك في التحركات
العسكرية التي استهدفت النظام في الخمسينيات.
الأحكام والإجراءات:
حُكم عليه غيابياً بالسجن المؤبد، ولجأ إلى سوريا ثم مصر لمدة تسع سنوات.
المواقع الرسمية بعد
العفو: يمثل الحالة الأبرز لميكانيزم "الاستيعاب الجذري"؛ حيث عاد بعفو
ملكي وتدرج في المناصب حتى أصبح مديراً للمخابرات العامة (1970)، ثم وزيراً
للداخلية، وعضواً في مجلس الأعيان.
3.اللواء
صادق الشرع (من المحاكمات العسكرية إلى الحقيبة الوزارية)
دوره في المعارضة:
اتُهم بالمشاركة في التخطيط لمحاولة انقلابية عسكرية في أواخر الخمسينيات (قضية
حركة صادق الشرع 1959).
الأحكام والإجراءات:
صدر بحقه حُكم بالإعدام، ثم خُفف إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، وأمضى فترة
في السجن.
المواقع الرسمية بعد
العفو: شمله العفو الملكي في منتصف الستينيات، وجرى دمج خبرته الانضباطية في
الجهاز التنفيذي؛ حيث عُين وزيراً للتموين، ووزير دولة لشؤون الأرض المحتلة في
حكومات السبعينيات.
4.شفيق
ارشيدات (تحول النخبة الأيديولوجية إلى التكنوقراط)
دوره في المعارضة: كان
من أقطاب "الحزب الوطني الاشتراكي" ووزيراً في حكومة سليمان النابلسي
(1956)، وعُرف بمعارضته الشرسة للأحكام العرفية والارتباطات الأجنبية.
الأحكام والإجراءات:
فُصل من البرلمان، وأُبعد عن المشهد السياسي لسنوات، واضطر للجوء السياسي لفترة.
المواقع الرسمية
والامتداد: عاد لممارسة نشاطه الوطني والقانوني، وجرى "مأسسة" حضور
عائلته في الدولة عبر ابنه د. صالح ارشيدات الذي أصبح نائباً لرئيس الوزراء
ووزيراً لعدة حقائب تكنوقراطية، مما يعكس آلية "التوريث كبديل للاحتواء".
5.د.
يعقوب زيادين (شرعنة المعارضة الأيديولوجية)
دوره في المعارضة:
قيادي تاريخي في الحزب الشيوعي الأردني، وفاز بمقعد القدس في برلمان 1956 كأول
شيوعي يصل للبرلمان.
الأحكام والإجراءات:
طورد لسنوات، وسُجن في معتقل "الجفر" الصحراوي لثماني سنوات بعد إعلان
الأحكام العرفية وحظر الأحزاب.
المواقع بعد العفو: نال
العفو الملكي عام 1965، وبالرغم من بقائه في خندق المعارضة الفكرية، إلا أن الدولة
مكنته من العمل المهني بحرية (كطبيب بارز)، واعتُبرت حالته نموذجاً لـ
"الاستيعاب بالمجال المدني"؛ حيث أصبح جزءاً من النخبة الوطنية المقبولة
والمحاورة للنظام، وشارك لاحقاً في صياغة الميثاق الوطني 1991.
6.الفريق
علي الحياري
دوره في المعارضة: كان
رئيساً للأركان خلفاً لأبو نوار، واتُهم بالتعاطف والمشاركة مع حركة الضباط عام
1957.
الأحكام والإجراءات:
لجأ سياسياً إلى سوريا وأمضى سنوات بعيداً عن البلاد.
المواقع بعد العفو: عاد
للأردن وعُين وزيراً للدفاع في عام 1971، مما يثبت استعادة الثقة الكاملة في
الكفاءات العسكرية السابقة.
الخلاصة
البحثية:
تُثبت
هذه النماذج أن "صناعة النخبة" في عهد الملك الحسين لم تقم على الإقصاء
الدموي، بل على فلسفة "تصفير الأزمات".
لقد
حوّل النظام "الخصوم الراديكاليين" إلى "شركاء بيروقراطيين"،
مستخدماً في ذلك آلية العفو الملكي كمدخل لإعادة التجنيد السياسي، مما ضمن تماسك
الدولة واستفادتها من كافة الكفاءات الوطنية بغض النظر عن ماضيها السياسي.
الخاتمة:
تُثبت
لنا هذه الصورة أن النظام السياسي الأردني لم يتعامل مع المعارضة بمنطق الإقصاء
الدموي والمحاكمات الجماهيرية التي سادت في دول الجوار، بل تعامل معها بمنطق
"الاستثمار في التناقضات".
لقد
أدرك الحسين ووصفي التل أن الكفاءات الوطنية، حتى وإن اختلفت في منطلقاتها
الفكرية، يجب أن تُستوعب لتتحمل كلفة القرار.
إن
حرق تلك الملفات لم يكن محواً للذاكرة، بل كان إعادة صياغة لها؛ هندسة عبقرية
حوّلت طاقة التمرد في الشارع إلى طاقة بناء في مؤسسات الدولة، وجعلت من النخبة
الأردنية توليفة هجينة ومرنة، عصية على الانكسار في أشد حقب الشرق الأوسط اضطراباً.























