تقدير موقف: لبنان على أعتاب التحولات الهيكلية
بقلم: د. حيدر البستنجي
أولاً: واقع الميدان
واختلال موازين القوى
تُشير المعطيات
الميدانية الراهنة في الجنوب اللبناني إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، يتسم بالتمدد
التدريجي للمنطقة العازلة. يأتي هذا التحول في ظل فجوة هائلة في موازين القوى العسكرية
بين المقاومة وقوات الاحتلال الإسرائيلي، وتفاقم الأزمة اللوجستية الناتجة عن
تجفيف قنوات الإمداد الخارجي، مما يرفع الكلفة البشرية والمادية بشكل يومي. ومع
تحول هذه المنطقة العازلة إلى أمر واقع، فإن خيار الانسحاب الإسرائيلي منها بات
يتطلب ظروفاً نضالية وسياسية غير متوفرة في الأفق المنظور.
أمام هذا المشهد، تجد
مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها مدفوعة نحو تبني خيار تسوية نهائية مع الاحتلال
برعاية وضمانات دولية. تهدف هذه التسوية إلى العودة إلى الحدود الدولية المعترف
بها، ووقف العمليات العسكرية المتبادلة، مع بسط سيادة الجيش اللبناني الكاملة على
الجنوب، وإنهاء المظاهر المسلحة الحزبية بشكل قطعي. ويمثل هذا المسار خياراً
اضطرارياً للدولة اللبنانية لتجنب الانزلاق إلى حالة من الفوضى الشاملة وفقدان
الجدوى السياسية.
ثانياً: المأزق
الاستراتيجي وسيناريوهات التطبيع
يفرض هذا المخرج
السياسي مأزقاً استراتيجياً مركباً على حزب الله؛ إذ إن الاتفاق النهائي الذي تسعى
إليه إسرائيل يستهدف بالدرجة الأولى تقويض القدرات العسكرية والسياسية للحزب
محلياً. ومع ذلك، فإن الهواجس الاستراتيجية للحزب لا تقف عند حدود هذا الاتفاق
بذاته، بل تمتد إلى تداعياته المستقبليّة، والمتمثلة في السعي الإسرائيلي لفرض
التطبيع الرسمي مع الدولة اللبنانية وإدماجها في "الاتفاقيات الإبراهيمية".
إن دخول لبنان في مسار
التطبيع سينعكس على عدة مستويات رئيسية:
* تعزيز السيادة الوطنية: تقوية دور المؤسسة
العسكرية اللبنانية، وترسيخ سيادة الدولة على كامل ترابها الوطني، واستعادة
فاعلية سياستها الخارجية.
* الاستقرار الاقتصادي: جذب الاستثمارات الأجنبية
والمساعدات الدولية الكفيلة بالحد من الانهيار الاقتصادي.
* تقويض الشرعية الوظيفية للحزب: إنهاء الذريعة
التاريخية والمجتمعية التي ارتكز عليها حزب الله لعقود لتبرير الاحتفاظ بسلاحه
خارج إطار الدولة، والتي كانت تستند إلى أدبيات الصراع والمواجهة مع إسرائيل.
طبعا كل ذلك يتطلب قدرة
للدولة على مواجهة تبعات قرار مثل التطبيع وانهاء الوجود العسكري للحزب دون ان
ينفرط عقد الدولة او تدخل في متاهات داخلية معقدة وخصوصا في ظل هشاشة التركيبة
السياسية والاستقطاب الطائفي وهنا جوهر المأزق الفخ .
ثالثاً: مستقبل حزب
الله والتحول الوظيفي
تتجه العملية العسكرية
والسياسية الحالية نحو إنهاء الدور العسكري لحزب الله بشكل نهائي، بيد أن هذا
التحول لا يعني بالضرورة إقصاء الحزب من المشهد البنيوي اللبناني. يمتلك الحزب
حواضن شعبية واسعة ضمن المكون الشيعي، ترتبط به عبر اعتبارات تاريخية وسيكولوجية
تتعلق بـ "المظلومية" واستعادة المكانة السياسية، فضلاً عن امتلاكه
شبكات نفوذ سياسية، واجتماعية، ومؤسسات رعاية خيرية مؤثرة. بناءً على ذلك، لن يؤدي
التطبيع إلى إنهاء الوجود السوسيولوجي والسياسي للحزب، بل سيضعه أمام تحدٍ مصيري
لإعادة تعريف هويته، ووظيفته، ومبررات وجوده في مرحلة وطنية جديدة، سيكون عنوانها
"إعادة إعمار لبنان" والبحث عن دور إقليمي جديد قائم على الحياد
والازدهار الاقتصادي.
رابعاً: البيئة
الإقليمية ومستقبل الرهانات
يتصرف حزب الله في
الوقت الراهن بناءً على فرضية ثبات البيئة الإقليمية، ومراهناً على استمرارية
الدعم الاستراتيجي الإيراني بمختلف أشكاله. غير أن هذه المراهنة تفتقر إلى ضمانات
قطعية على المدى البعيد؛ فالمؤشرات السياسية توحي باحتمالية تجدد المواجهة
العسكرية الإسرائيلية ضد إيران مستقبلاً، ما لم يتم احتواء طهران عبر مقاربة
ديبلوماسية أمريكية، أو حدوث تحول في استراتيجية النظام الإيراني بعد جولة الصراع
الحالية.
في المقابل، تبدو
المقايضة الدولية الحالية واضحة، حيث تدفع قوى دولية وإقليمية حليفة (وفي مقدمتها
فرنسا والولايات المتحدة وأطراف عربية) نحو الحفاظ على كيان الدولة اللبنانية
وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، شريطة تفكيك الحالة العسكرية لحزب الله. ومع ذلك، فإن
هذه القوى قد تعيد النظر في جدوى دعم الدولة اللبنانية نفسها إذا لم تبادر النخب
المحلية لإنقاذ المنظومة.
الخلاصة: إن رهان الحزب
على إمكانية تجاوز العاصفة الراهنة دون إجراء إعادة تموضع استراتيجي يطرح تساؤلاً
جوهرياً حول طبيعة الكلفة السياسية المستقبليّة، والتي قد تكون أكثر فداحة، في ظل
بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد والتحول.
























