شريط الأخبار
المغرب يحاول وقف تدفق المهاجرين الى مليلة.. واسبانيا: اعدنا 48 الفا لبلدهم إيران تحذر دول المنطقة من التعاون مع واشنطن بـ"تصعيد التوتر" في المنطقة الهيبودروم ينقل تراث الرقص السريلانكي التقليدي في تاسع أمسياته "فينيكس" تضيئ المسرح الشمالي في جرش جرش ال40.. الشامي والحايك يسطران ليلة شبابية مميزة نتنياهو يبتلع لسانه...ثلاثة سيناريوهات تنتظر اتفاق غزة د. وليد عبد الحي يكتب: اتفاق غزة .. كمين امريكي اسرائيلي عربي حين يسيء الخطاب... يتكلم التاريخ.. رداً على من لا يحترم المرأة! ترامب يأمر بهجوم واسع على إيران.. و"وول ستريت" تكشف استعداده للتراجع حال حدوث "انفراجة دبلوماسية" السبت ذروة الكتلة الهوائية الحارة .. واستمرار الاجواء حارة حتى الثلاثاء تأجيل حفل الفنان تامر حسني في مهرجان جرش بسبب وفاة والده حق المواطن في الأمان مسؤولية لا تحتمل التأجيل العيسوي يرعى افتتاح بازار "ناعور أيام زمان" الحادي عشر هبوط حاد بإعادة تصدير المركبات عبر "حرة الزرقاء" وبنسبة 50.3% ترامب يواصل التهديد بتوجيه "ضربات قوية " لايران أمسية شعرية مشتركة في بيت عرار بإربد ضمن مهرجان جرش للثقافة والفنون الفنانة عبير نعمة: مهرجان جرش مساحة لالتقاء الأجيال والفن رسالة إنسانية خالدة الأردن يرحب بإعلان الاتفاق المتعلق بخطة السلام في غزة الكيان الذي لايعود الملك ورئيس الوزراء الكندي يبحثان خفض التصعيد بالمنطقة

(زراديشت الاردن) حين تكلم!

(زراديشت الاردن) حين تكلم!

كتبت شيرين قسوس


 

في الأزقة التي تبتلع ضجيجها، وعلى الأرصفة التي تحفظ وجوه العابرين أكثر مما تحفظهم ذاكرتهم، يقف الإنسان هنا ممزقًا بين ما يُعلن وما يُضمر، بين ما يُرفع كشعار وما يُدفن كحقيقة. كأننا نعيش زمنًا يتقن فيه الجميع ارتداء الأقنعة، لا ليخفوا وجوههم، بل ليقنعوا أنفسهم أن القناع هو الوجه ذاته. وهنا، لو خرج زرادشت من جبله، لما وعظ الناس عن الفضيلة، بل لسألهم: أيُّ فضيلة هذه التي تتبدل بتبدل المصالح؟ وأيُّ حقٍّ هذا الذي يُقاس بميزان القرب والبعد، لا بميزان العدل؟

في هذا الواقع، لا تُدان الأفعال بقدر ما يُدان أصحابها، ولا تُقاس الأخطاء بحجمها بل بهوية مرتكبها. ذات الفعل، إن صدر من "مقبول”، صار اجتهادًا أو زلة عابرة، وإن صدر من "مرفوض”، صار جريمة لا تُغتفر. كأن الحقيقة نفسها فقدت معناها، وصارت قابلة للتشكيل وفق الحاجة، تُمد وتُقص لتناسب الرواية المرغوبة. هنا، لا يبحث الناس عن الحق، بل عن ما يريح ضمائرهم، حتى لو اضطروا لقتل الحقيقة ألف مرة.

زرادشت كان سيضحك، لا سخرية بل مرارة، وهو يرى كيف تحولت القيم إلى أدوات، تُستخدم حين تخدم وتُرمى حين تعيق. كان سيقول: "أنتم لا تكذبون على بعضكم فقط، بل على أنفسكم أولًا.” لأن أخطر أنواع الازدواجية ليست تلك التي تُمارس علنًا، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل حتى تصبح قناعة. حين يقنع الإنسان نفسه أن التناقض حكمة، وأن الانحياز عدل، وأن الصمت أحيانًا شرف، بينما هو في حقيقته خوف أو مصلحة.

في الشارع، في المؤسسات، في النقاشات اليومية، تتكرر ذات المسرحية: معايير تُرفع كرايات، لكنها تُخفض فورًا عند أول اختبار حقيقي. من يطالب بالشفافية يغض الطرف حين تمسّه، ومن ينادي بالعدالة يتردد حين يكون الحكم عليه أو على من يشبهه. إنها لعبة مزدوجة، يتقنها الجميع، ويتظاهر الجميع بأنهم لا يرونها. كأن المجتمع كله دخل في اتفاق غير معلن: "لن أفضح تناقضك، ما دمت لا تفضح تناقضي.”

لكن الحقيقة لا تموت، هي فقط تنتظر. تنتظر لحظة يجرؤ فيها أحدهم على كسر هذا التواطؤ الصامت، على أن يقول: لا. لا لهذا التلاعب، لا لهذا الانحناء المستمر أمام ما هو مريح بدل ما هو صحيح. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس الظلم بحد ذاته، بل الاعتياد عليه، تبريره، ثم الدفاع عنه.

زرادشت لم يكن نبي طمأنينة، بل صدمة. ولو كان بيننا، لما قدم حلولًا سهلة، بل لزعزع هذا السكون الزائف. لقال إن الإنسان الذي يقبل بازدواجية المعايير لا يفقد عدله فقط، بل يفقد نفسه. لأن الكرامة لا تُجزأ، والحق لا يُفصل على المقاس، والصدق لا يُنتقى منه ما يناسبنا. إما أن تكون القيم مطلقة في تطبيقها، أو أنها ليست قيمًا، بل أدوات في يد من يجيد استخدامها.

وهنا، في هذا المكان الذي يعرف جيدًا كيف يوازن بين الصبر والضيق، يبقى السؤال معلقًا: هل نحن مستعدون أن نرى أنفسنا كما نحن، لا كما نحب أن نكون؟ أم سنبقى نرتدي أقنعة الفضيلة، ونقنع أنفسنا أننا ما زلنا نعرف الفرق بين الحق والباطل، بينما نحن في الحقيقة نعيد تعريفهما كل يوم؟