حق المواطن في الأمان مسؤولية لا تحتمل التأجيل
بقلم .. المهندس سمير
سليمان
آلاف حالات العقر تُسجل
سنويًا في الأردن، وملايين الدنانير تُنفق على العلاج والوقاية، لكن الكلفة
الحقيقية لا تظهر في الأرقام فقط بل تظهر في خوف طفل من طريق مدرسته، وقلق أسرة
على أبنائها، وتراجع شعور المواطن بالأمان في الشارع والحديقة والحي الذي يعيش فيه.
لم تعد ظاهرة الكلاب
الضالة في الأردن مجرد مشهد مألوف في الشوارع والأحياء السكنية، بل أصبحت قضية تمس
الأمن المجتمعي والصحة العامة، وتؤثر بصورة مباشرة في حياة المواطنين اليومية.
فحين يخشى طفل السير إلى مدرسته، أو تمتنع أسرة عن اصطحاب أطفالها إلى الحدائق، أو
يغيّر كبار السن مسارهم خوفًا من التعرض للمطاردة أو العقر، فإن القضية لم تعد
تتعلق بالحيوان وحده، بل أصبحت قضية أمن مجتمعي وحق أصيل للمواطن في العيش بأمان.
وفي خضم الجدل الدائر
حول هذه الظاهرة، ينبغي التأكيد أن حماية المواطن والرفق بالحيوان ليسا هدفين متعارضين،
بل يمكن تحقيقهما معًا من خلال إدارة علمية ومسؤولة. فالرحمة بالحيوان لا تعني ترك
المشكلة تتفاقم، كما أن حماية المجتمع لا تعني اللجوء إلى حلول عشوائية أو غير
إنسانية.
وتؤكد الأرقام الرسمية
أن المشكلة تجاوزت حدود الانطباعات الشخصية. فقد سجلت وزارة الصحة الأردنية 9,401
حالة عقر حيوانات خلال عام 2024، وكانت نحو 60–70% منها ناجمة عن عضات الكلاب. كما
تخصص الوزارة سنويًا ما بين 4 و5 ملايين دينار لتوفير لقاحات وأمصال الوقاية من
داء الكلب للمصابين، فيما قد تصل كلفة علاج المصاب الواحد إلى 400–600 دينار بحسب
حالته الطبية وبروتوكول العلاج.
لكن الكلفة المالية
ليست سوى جزء من الصورة، فهناك كلفة اجتماعية ونفسية لا تظهر في الموازنات ولا
تُقاس بالأرقام. فالطفل الذي يتعرض للعقر أو حتى للمطاردة قد يفقد شعوره بالأمان
لسنوات، وقد تتولد لديه مخاوف تؤثر في حياته اليومية. كما تعيش الأسر حالة من
القلق المستمر على أبنائها، بينما يحجم كثير من كبار السن عن ممارسة رياضة المشي
أو ارتياد الحدائق والأماكن العامة.
إن معالجة هذه الظاهرة
تتطلب برنامجًا وطنيًا مستدامًا يقوم على حصر أعداد الكلاب الضالة، والتوسع في
برامج التعقيم والتطعيم، وتحسين إدارة النفايات، وإنشاء مراكز إيواء وفق الإمكانات
المتاحة، وتطبيق التشريعات بحق من يتخلى عن الحيوانات الأليفة في الشوارع.
وفي هذا الإطار، تتحمل
البلديات مسؤولية مباشرة، ليس فقط في الاستجابة للشكاوى، بل في تنفيذ خطط وقائية
مستمرة، وتحسين النظافة العامة، وإزالة مصادر جذب الكلاب الضالة، والتنسيق مع
وزارة الزراعة ووزارة الصحة والجهات البيطرية، لأن الإدارة المحلية تمثل خط الدفاع
الأول عن أمن المواطنين في الأحياء السكنية.
كما أن جمعيات الرفق
وحماية الحيوان مطالبة بأن تكون شريكًا حقيقيًا في الحل، من خلال دعم برامج
التعقيم والتطعيم، وتشجيع التبني المسؤول، ونشر ثقافة التعامل السليم مع
الحيوانات، والمساهمة مع الجهات الرسمية في إيجاد حلول عملية ومستدامة. فالدفاع عن
الحيوان رسالة إنسانية نبيلة، لكنها تكتمل عندما تقترن بالدفاع عن حق المواطن في
الأمن والسلامة.
إن نجاح الأردن في
إدارة هذا الملف لن يقاس بعدد الحملات التي تُنفذ، بل بانخفاض حالات العقر،
واستعادة المواطنين شعورهم بالأمان، وقدرة الأطفال على الذهاب إلى مدارسهم واللعب
في الحدائق دون خوف.
إن حق المواطن في
الأمان ليس شعارًا، بل مسؤولية مشتركة بين الدولة والبلديات والمؤسسات المختصة
وجمعيات حماية الحيوان والمجتمع المحلي. فالمجتمع المتحضر هو الذي يحمي الإنسان
ويحترم الحياة، ويعالج مشكلاته بالعلم والتخطيط، لا بالتجاهل أو ردود الفعل
المؤقتة.

























