شريط الأخبار
"صناعة عمان" والغرفة الأوروبية للتجارة يبحثان آليات تعزيز الصادرات الى أوروبا زين تواصل دعم استدامة شجرة الملّول في غابات اليرموك توقيف موظفين بشبهة اختلاس بوزارة المالية فرص تدريبية نوعية لطلبة الجامعات عبر برنامج مسار للامن السيبراني إضاءات على المعارضة السياسية الأردنية منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن 1921م - (الجزء الأول) 492 مليون دينار صادرات تجارة عمّان بالثلث الأول للعام الحالي التشريع والرأي ينشر مسودة قانون الإدارة المحلية (نص القانون) نظام "الطيبات" والاستغناء عن الدواء ما يزال يقلق مصر بحكومتها واطبائها إيران ترد بمقترح لوقف الحرب وفتح هرمز تدريجيًا دون التزام بمصير النووي م. أبو هديب" البوتاس العربية" تتبنى نموذجاً تنموياً يتجاوز مفهوم المسؤولية المجتمعية التقليدي "جراحي الأردن" تنفي عضوية المتهم بهتك عرض اطفال فيها.. وهذه تفاصيل التهم تراجع أسعار الذهب في الأردن وعيار 21 يسجل 95.1 دينار للبيع "النقل البري" تبين ارتفاع اجور سيارات التطبيقات.. وتوضح آلية احتسابها توزيع عوائد ضريبة الأبنية والأراضي في الأردن وتفاصيل الاقتطاعات والغرامات التراكمية الدوريات الخارجية تضبط حافلة مخالفة بزيادة 18 راكباً وتتعامل مع حوادث وتعطلات مرورية تحولات جوهرية في قانون الادارة المحلية: صلاحيات اوسع للبلديات وتعزيز للمشاركة الشعبية التحول الرقمي في الاردن: الهوية الرقمية وثيقة رسمية معتمدة في المعاملات الأمن ينعى عبدالله عودة مسلم وفيات الإثنين 11-5-2026 الأحوال المدنية: اعتماد الهوية الرقمية يدعم التكامل الرقمي بين الوزارات والمؤسسات

إضاءات على المعارضة السياسية الأردنية منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن 1921م - (الجزء الأول)

إضاءات على المعارضة السياسية الأردنية منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن 1921م  (الجزء الأول)

 



الحلقة السادسة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني:


د. احمد زياد ابو غنيمة

 

 

 

توطئة الحلقة السادسة:

في مسيرة الأمم الحيّة، لا يُكتب التاريخ بحبر المعاهدات والقرارات الرسمية فحسب، بل يُنسج من إرادة الشعوب، ومن حراك قواها الوطنية الحية التي تأبى التهميش

إن دراسة تاريخ المعارضة السياسية الأردنية ليس مجرد سرد لأحداث مضت، بل هو استدعاء لروح وطنية أصيلة، وقراءة واعية في جذور الوعي السياسي الأردني الذي تشكّل مبكراً بالتوازي مع ولادة الدولة

في هذه الحلقة، نقلّب صفحات منسية، ونضيء على المخاض العسير لتأسيس إمارة شرقي الأردن، وكيف تبلور الصوت الوطني الأردني – من عفويته الأولى وثوراته المبكرة – إلى معارضة سياسية مؤسسية ومُنظمة، حملت لواء الاستقلال، ورفعت شعار "الأردن للأردنيين" في وجه الانتداب والنفوذ الأجنبي.

* مخاض التأسيس وتوازنات القوى والحكومات المحلية:

قبل استقرار الإدارة المركزية للإمارة في عمّان، مرّت البلاد بمرحلة انتقالية (1920-1921) تشكلت فيها "حكومات محلية" (مثل حكومة الكرك برئاسة رفيفان المجالي، وحكومة السلط برئاسة مظهر رسلان، وحكومة إربد برئاسة علي خلقي الشرايري)

ومع إعلان تأسيس إمارة شرقي الأردن عام 1921م، وسعي السلطة المركزية لتوحيد البلاد، وجد الأمير المؤسس عبد الله بن الحسين نفسه أمام مشهد سياسي بالغ التعقيد، تحكمه ثلاث قوى رئيسية كان لزاماً عليه إحداث توازن دقيق بينها:

1. سلطة الانتداب البريطاني: التي فرضت هيمنتها وشروطها بموجب صك الانتداب.

2. حزب الاستقلال السوري (النخبة العربية الوافدة): القيادات القومية التي توافدت إلى الأردن بعد انهيار الحكومة العربية في دمشق، واستأثروا بالمناصب القيادية في الحكومات الأولى؛ لدرجة أن أول حكومة في شرقي الأردن ترأسها رشيد طليع، وهو أحد أبرز أقطاب الحزب.

3. السكان الأصليون (القوى الوطنية والعشائرية): أبناء البلاد الذين شعروا بالغبن والتهميش نتيجة استحواذ "الاستقلاليين" على المناصب، واعتبروا ذلك إقصاءً لهم عن إدارة شؤون بلادهم.

* إرهاصات المعارضة الوطنية (التمرد المسلح والمطالب السياسية):

من رحم هذا التهميش المزدوج، تبلورت البدايات الأولى للمعارضة الأردنية. ونظراً لافتقار المعارضة في سنواتها الأولى للمؤسسات الدستورية، اتخذت أشكالاً من العصيان المدني والتمرد المسلح، تجلت أبرز محطاتها في:

أحداث الكورة (1921م): بقيادة الشيخ كليب الشرايدة، والتي بدأت كرفض للانضواء تحت سلطة "حكومة إربد" المحلية، وتطورت لرفض دفع الضرائب للحكومة المركزية، مما أدى إلى صدامات مسلحة مع القوة العسكرية، انتهت بعفو من الأمير المؤسس لاحقاً.

حركة العدوان (1923م): لم تكن مجرد تمرد عشائري تقليدي، بل حملت بُعداً سياسياً واضحاً بقيادة الشيخ سلطان العدوان وابنه ماجد. تفجرت الحركة بسبب فداحة الضرائب، وشعور أبناء شرقي الأردن بالحرمان من إدارة بلادهم. جاهر سلطان العدوان بانتقاد الحكومة، ورفع مطالب سياسية متقدمة أبرزها المطالبة بـ "تأسيس مجلس نيابي" . 

ورغم أن الحركة انتهت بمواجهة عسكرية أدت إلى لجوء قادتها إلى سوريا (قبل أن يشملهم العفو عام 1924)، إلا أنها كشفت عن التفاف المثقفين الأردنيين حولها.

* التحول المؤسسي: المعاهدة والمجالس التشريعية وظهور المعارضة المنظمة:

بدأت المطالبة بالحياة الدستورية مبكراً بعد أن اعترفت بريطانيا باستقلال الإمارة في 25 أيار 1923 شريطة وضع دستور للبلاد.

ولكن التحول الفعلي للمعارضة نحو العمل المنظم تبلور مع إقدام حكومة حسن أبو الهدى على توقيع المعاهدة الأردنية البريطانية في 20 شباط 1928، والتي كرست الهيمنة البريطانية، مما أطلق شرارة معارضة مؤسسية واسعة اتخذت الخطوات التالية:

الإضراب الشامل (نيسان 1928): دعت المعارضة إلى مقاطعة الانتخابات وطالبت سلطات الانتداب بتعديل بنود المعاهدة. ورداً على الرفض البريطاني، نُفذ إضراب شامل في 9 نيسان 1928 شمل معظم المدن والقرى الأردنية الكبرى.

المؤتمر الوطني الأول (تموز 1928): تنادى الوطنيون لعقد مؤتمر وطني حاشد في عمان بتاريخ 25 تموز 1928، تمخض عنه انتخاب لجنة تنفيذية برئاسة حسين الطراونة، وصياغة الميثاق الوطني الذي عبر عن سخط الشعب على المعاهدة.

انتخابات 1929 ومقاطعة معان: أُجريت الانتخابات في شباط 1929 لفرز مجلس تشريعي مكون من 16 عضواً. وقد شهدت هذه الانتخابات أحداثاً لافتة، أبرزها مقاطعة أهالي معان للانتخابات التزاماً بموقف المعارضة، لدرجة أنه لم يترشح أحد منها، مما اضطر الحكومة إلى جلب مرشح من الكرك لشغل مقعد معان، كما قاطع الانتخابات عدد من زعماء العشائر مثل ماجد العدوان ومحمد الحسين ونمر الحمود وحسين الطراونة.

المواجهة تحت قبة البرلمان: خاضت المعارضة الانتخابات، وفاز عدد من رموزها بعضوية المجلس التشريعي الأول (مثل: سعيد المفتي، شمس الدين سامي، عودة القسوس، صالح العوران، نجيب أبو الشعر، وغيرهم)

وفي نيسان 1929، قدم هؤلاء الأعضاء مذكرة لتعديل مواد المعاهدة. وتصاعد الخلاف بين المعارضة والحكومة حتى بلغ ذروته عام 1931 حين رفض المجلس الملحق المالي للموازنة احتجاجاً على التدخلات البريطانية، مما دفع الأمير عبد الله إلى حل المجلس التشريعي.

نقل المعارضة للخارج: مع تضييق الخناق وتوقف اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني عن نشاطها منتصف الثلاثينيات، انتقلت زعامة المعارضة إلى الخارج، حيث تسلم الدكتور صبحي أبو غنيمة راية المعارضة من دمشق، وواصل نضاله السياسي ضد سياسات الانتداب.

* أبرز رموز المعارضة السياسية في مرحلة التأسيس:

لإدراك أبعاد هذا الحراك، نستحضر أبرز الشخصيات التي قادت تلك المرحلة:

1. قادة الاحتجاجات والثورات المبكرة:

كليب الشرايدة: زعيم ورمز "أحداث الكورة" 1921م، المدافع عن الاستقلالية الإدارية لمنطقته.

سلطان وماجد العدوان: قادة "حركة العدوان" 1923م، الذين دمجوا بين النفوذ العشائري والمطالب السياسية الدستورية.

2. رموز المعارضة السياسية المؤسسية (حراك المعاهدة والمجلس التشريعي 1928-1929):

حسين الطراونة: رئيس "المؤتمر الوطني الأردني الأول" 1928م، والمحرك الأساسي لصياغة الميثاق الوطني.

الطبيب د. صبحي أبو غنيمة: مفكر ورمز سياسي بارز. عارض بشدة المعاهدة والسياسات الانتدابية، وقاد المعارضة الأردنية من دمشق بعد أن اضطر لمغادرة البلاد.

فرسان المجلس التشريعي الأول (1929): الشخصيات الوطنية التي نقلت المعارضة إلى قبة البرلمان ووقعت مذكرة تعديل المعاهدة، ومن أبرزهم: شمس الدين سامي، سعيد المفتي، عودة القسوس، صالح العوران، نجيب أبو الشعر، وعلاء الدين طوقان.

سليمان السودي الروسان: من الزعامات الوطنية البارزة في شمال الأردن والموقعين على الميثاق الوطني.

3. المعارضة الفكرية والأدبية:

مصطفى وهبي التل (عرار): شاعر الأردن وصوت المعارضة المثقفة. دافع عن الفلاحين والمهمشين، وهاجم النفوذ الأجنبي، وتعرض للاعتقال والنفي مراراً لجرأته في نقد الحكومات.

* خاتمة الحلقة:

وهكذا، فإن قراءة هذه الصفحة من تاريخ الإمارة تُثبت أن المعارضة السياسية لم تكن يوماً حركة عبثية أو طارئة، بل كانت ركيزة أساسية وشريكاً عضوياً في تشكيل الهوية الوطنية الأردنية ومسار بناء الدولة

ورغم قسوة الظروف السياسية، وهيمنة الانتداب الأجنبي، نجح هؤلاء الرواد – عبر ثوراتهم، وإضراباتهم، ومؤتمراتهم، وصداماتهم البرلمانية – في زرع بذور الوعي السياسي وتأسيس تقاليد العمل الوطني

إن تضحياتهم المتنوعة، سواء بالبندقية أو بالقلم أو بالموقف المؤسسي تحت قبة البرلمان الأول، مهّدت الطريق لانتزاع الاستقلال التام لاحقاً، لتبقى سيرتهم إرثاً وطنياً يستحق الاستدعاء، وشاهداً على أن الأوطان إنما تُبنى وتُصان بإرادة أبنائها المخلصين.