شريط الأخبار
75 ألف مصلّ يؤدون صلاة الجمعة في الأقصى الذنيبات.. هذه قصة انتشال الفوسفات من كبوتها لتصبح صرحا عالميا الإحصاءات: نمو كميات الإنتاج الصناعي لشهر آذار من عام 2026 بنسبة 2.50% تحت رعاية نقيب الأطباء.. "الأطباء النفسيين" تعقد يومها العلمي الثالث بالبحر الميت أجواء لطيفة وتحذيرات من رياح قوية ومثيرة للغبار حركة فتح في مؤتمرها الثامن بين المعنى والمبنى متحف بيت الذاكرة في ذكرى النكبة: جريمة مستمرة بحق الشعب الفلسطيني مسيرة شعبية وسط عمان احياءً لذكرى النكبة وتاكيدا على مواقف الأردن الداعمة للشعب الفلسطيني بين تسمم المؤسسات ووهم البناء.. هل الدولة مشروع مؤقت؟ "فتح" تعقد مؤتمرها العام بعد انقطاع.. وجدد انتخاب عباس رئيسا للحركة بعملية أمنيّة مشتركة.. مكافحة المخدرات تقبض على عضو عصابة إقليمية "فايننشال تايمز": السعودية تبحث اتفاق "عدم اعتداء" مع إيران ودول المنطقة تقرير عبري: تصاعد المقاطعة الأكاديمية ضد "إسرائيل" بنسبة 150% مفخخة لحزب الله تصيب 3 اسرائيليين بجروح بعضها خطيرة اختفاء فتاة في الرصيفة منذ 8 أيام.. وذووها يناشدون البحث عنها الفوسفات.. أُنقِذت ومستقبل زاهر آت "الملكية لشؤون القدس" بذكرى النكبة: حقوق الشعب الفلسطيني لن تسقط بالتقادم القدس في يوم "الأعلام": سيادة الحديد والدم.. وتيه الغرف المغلقة 130 مهندساً ومهندسة يؤدون القسم القانوني.. وغوشة: أنتم أمام ميدان المسؤولية والامانة الأردن يرحب باتفاق الأطراف اليمنية للإفراج عن أكثر من 1600 محتجز

تجنّب النزاعات التعاقدية قبل وصولها إلى التحكيم

تجنّب النزاعات التعاقدية قبل وصولها إلى التحكيم

 


بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد

مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع

نادراً ما تظهر النزاعات التعاقدية في المشاريع بصورة مفاجئة. فهي غالباً ما تتطور تدريجياً نتيجة تراكم سوء الفهم، وتأخر القرارات، وضعف التوثيق، ورداءة الاتصال، وعدم ضبط التغييرات، وخلافات الدفع، وعدم الالتزام بالإجراءات المتفق عليها في العقد. وعندما يصل المشروع إلى مرحلة التحكيم، يكون الأمر عادة قد مرّ بعدة مراحل تحذيرية كان من الممكن اكتشافها ومعالجتها مبكراً.

لذلك، لا ينبغي اعتبار التحكيم نتيجة طبيعية لإدارة المشروع. فهو في كثير من الحالات مؤشر على فشل الضوابط المبكرة، أو ضعف إدارة الاتصال، أو سماح أحد الطرفين، أو كليهما بتفاقم القضايا دون تدخل مهني في الوقت المناسب. فالهدف المهني الحقيقي ليس الفوز في التحكيم، بل تجنّب الوصول إليه أساساً.

النزاع التعاقدي كخطر من مخاطر المشروع

من أهم التحسينات في إدارة المشاريع الحديثة التعامل مع تصاعد النزاع التعاقدي باعتباره خطراً رسمياً من مخاطر المشروع. وهذا يعني أن احتمال تطور القضايا التعاقدية غير المحسومة إلى مطالبات، ثم نزاعات، ثم خلافات حادة، ثم تحكيم، يجب أن يُدرج في سجل المخاطر للمشروع.

لكن هذا الخطر لا ينبغي أن يُوصف فقط بأنه "خطر التحكيم”. فالتحكيم عادة هو النتيجة النهائية، وليس السبب الجذري. أما الخطر الحقيقي فيكمن في الإخفاقات التي تقود إليه، مثل غموض نطاق العمل، وتأخر الموافقات، والتعليمات الشفوية، وضعف السجلات، والتغييرات غير المسعّرة، وتأخر الدفعات، وضعف التنسيق، وتأخر الإشعارات، وسوء إدارة العقد.

ويمكن صياغة بيان الخطر على النحو الآتي:

إن الفشل في إدارة الالتزامات التعاقدية، والإشعارات، والتغييرات، والتأخيرات، والموافقات، والسجلات، والدفعات، والاتصالات وفقاً للعقد، قد يؤدي إلى نزاعات غير محسومة، ومطالبات رسمية، وخلافات تعاقدية، واحتمال التصعيد إلى التحكيم.

وينبغي مراقبة هذا الخطر بصورة مستمرة، وليس فقط عندما يتم تقديم مطالبة أو عندما تتدهور العلاقة بين الأطراف.

مؤشرات الإنذار المبكر

يجب أن يكون لدى كل مشروع نظام إنذار داخلي للمخاطر التعاقدية. فمؤشرات الإنذار المبكر تكون غالباً ظاهرة قبل وقت طويل من تحوّل الموضوع إلى أزمة.

ومن هذه المؤشرات: تكرار تأخر الموافقات، وعدم الرد على طلبات الاستفسار الفنية، والتعليمات الشفوية غير المؤكدة كتابياً، والتغييرات المتنازع عليها، ورفض مستخلصات الدفع، وغموض تعليمات نطاق العمل، وعدم توقيع محاضر الاجتماعات، وتأخر اعتماد المواد، والمراسلات ذات النبرة العدائية، أو رفض أحد الأطراف الاعتراف بالأثر الزمني أو المالي لقراراته.

وعند ظهور هذه المؤشرات، لا يجوز التعامل معها كإجراءات إدارية عادية. بل يجب رفعها ضمن عملية إدارة المخاطر في المشروع، ومراجعتها من قبل مدير المشروع، ومدير العقود، والمدير التجاري، ومهندس التخطيط، والإدارة العليا عند الحاجة.

وغالباً ما يكون تسلسل التصعيد كما يلي:

مشكلة → قلق تعاقدي → إشعار → مطالبة → نزاع → خلاف حاد → تحكيم

وعلى فريق المشروع المهني أن يسعى إلى حل الأمور في مرحلة المشكلة أو القلق أو الإشعار، وليس بعد أن تتحول إلى نزاع رسمي.

الفهم القوي للعقد

يبدأ تجنّب النزاع قبل بدء التنفيذ. إذ يجب على فريق المشروع أن يفهم العقد، لا أن يكتفي بفهم الرسومات والمواصفات الفنية فقط.

ينبغي أن يكون الفريق على دراية واضحة بنطاق العمل، والاستثناءات، والمواعيد التعاقدية، وشروط الدفع، وإجراءات التغييرات، ومتطلبات الإشعارات، وآليات الموافقة، وأحكام التأخير، والغرامات التأخيرية، ومسؤوليات كل طرف، وبند تسوية النزاعات.

فالعديد من النزاعات تنشأ لأن فرق المشاريع تنفذ العمل فنياً بينما تهمل الإطار التعاقدي الذي يحكم المشروع. فالهندسة الجيدة وحدها لا تكفي، بل يجب أن ترافقها إدارة تعاقدية جيدة.

التوثيق هو وسيلة الحماية

في المسائل التعاقدية، ما لا يتم توثيقه يكون من الصعب إثباته. والتوثيق السليم ليس بيروقراطية، بل هو حماية لجميع الأطراف.

يجب أن يحتفظ كل مشروع بسجل للمراسلات، وسجل لطلبات الاستفسار الفنية، وسجل للتغييرات، وسجل للتأخيرات، وسجل لمتابعة الموافقات، وسجل للإشعارات، وسجل للقرارات، وسجل لمحاضر الاجتماعات، وسجل للمطالبات، وسجل للمخاطر. فهذه السجلات تشكل الأساس الواقعي لحل الخلافات قبل أن تتحول إلى نزاعات.

السجلات الضعيفة تفتح الباب للجدل، أما السجلات الجيدة فتصنع الوضوح.

أهمية الإشعارات في الوقت المناسب

من أكثر الأخطاء شيوعاً في تنفيذ المشاريع تأخير الإشعارات التعاقدية. فقد يواجه المقاول تأخيراً أو تغييراً أو عائقاً أو تأخر موافقة أو تغييراً في التعليمات، لكنه ينتظر حتى نهاية المشروع ليثير الموضوع رسمياً. وعندها تكون المواقف قد تصلبت، والأدلة قد أصبحت غير مكتملة، والحق التعاقدي قد تضرر.

ولا ينبغي النظر إلى إصدار الإشعار كتصرف عدائي. فالإشعار أداة تعاقدية مهنية. فهو يُعلم الطرف الآخر بأن حدثاً معيناً قد يؤثر على الوقت أو الكلفة أو تسلسل العمل أو الالتزامات التعاقدية. كما يتيح للطرفين إدارة الأثر في وقت مبكر.

وينبغي أن تكون صياغة الإشعارات واقعية ومحترمة ومستندة إلى العقد. فالهدف ليس التهديد، بل حفظ الحقوق، وتعزيز الشفافية، وتشجيع الحل في الوقت المناسب.

ضبط التغييرات قبل أن تصبح نزاعات

تُعد التغييرات من أكثر مصادر النزاعات التعاقدية شيوعاً. فكثير من الخلافات تبدأ بتعليمات شفهية، أو تغييرات غير رسمية، أو إضافات غير واضحة على نطاق العمل، أو تنفيذ أعمال قبل الحصول على الموافقة المناسبة.

وينبغي أن تكون القاعدة بسيطة: لا يجوز تنفيذ أي تغيير دون تحديده وتوثيقه وتقييمه واعتماده، إلا إذا كانت هناك ضرورة عاجلة حقيقية، مع تأكيد الأمر كتابياً فوراً.

يجب تسجيل كل تغيير من حيث مصدره، ومرجع التعليمات، ووصفه، وأثره المالي، وأثره الزمني، وتاريخ تقديمه، وحالة اعتماده، والمراسلات المرتبطة به. كما يجب مراجعة التغييرات المعلقة بانتظام مع صاحب العمل أو الاستشاري.

ويمكن اعتماد المبدأ العملي الآتي:

لا تسمح لتنفيذ الموقع بأن يسبق التوثيق التعاقدي.

فعندما يتقدم العمل بينما تتأخر السجلات، تزداد احتمالات النزاع.

يجب أن يبقى الاتصال مهنياً

إن نبرة المراسلات يمكن أن تخفف النزاع أو تزيده. فاللغة الانفعالية والاتهامات والصياغات العدائية غالباً ما تجعل التسوية أكثر صعوبة.

فبدلاً من كتابة: "أنتم مسؤولون عن جميع التأخيرات”، من الأفضل كتابة:

نسجل باحترام أن الموضوع ما زال غير محسوم، وقد تكون له آثار زمنية ومالية. ونرجو منكم التكرم بمراجعته وإصدار تعليماتكم العاجلة لتجنب أي أثر إضافي على المشروع.

ينبغي أن يكون الاتصال المهني حازماً وواقعياً ومحترماً ومستنداً إلى العقد. فهو يحمي موقف الطرف دون الإضرار غير الضروري بعلاقة العمل.

اجتماعات دورية لمراجعة المخاطر التعاقدية

اجتماعات التقدم العادية لا تكفي. فالمشاريع، خصوصاً المعقدة أو السريعة، تحتاج إلى اجتماعات دورية لمراجعة المخاطر التعاقدية.

يجب أن تراجع هذه الاجتماعات طلبات الاستفسار المعلقة، والموافقات، والتغييرات، وأحداث التأخير، والإشعارات الصادرة، ومشكلات الدفع، والمطالبات المحتملة، والمرفوضات، وملاحظات صاحب العمل، وتعليقات الاستشاري، وحالة خطر تصاعد النزاع في سجل المخاطر.

ويجب أن يكون لكل إجراء شخص مسؤول وتاريخ مستهدف. أما القضايا غير المحسومة فيجب تصعيدها وفق إجراء واضح.

إعداد المطالبات بصورة مهنية

لا يجوز إعداد المطالبة بصورة انفعالية في نهاية المشروع. بل يجب بناؤها تدريجياً ودعمها بالسجلات.

تحتاج المطالبة الجيدة إلى أساس تعاقدي، وخلفية واقعية، وشرح للعلاقة بين السبب والنتيجة، ومراسلات داعمة، وتحليل للأثر على البرنامج الزمني، وتدعيم للكلفة، وأدلة على جهود التخفيف، وبيان واضح للاستحقاق.

المطالبات الضعيفة تخلق النزاعات، أما المطالبات القوية والموثقة جيداً فتشجع على التسوية.

تدخل الإدارة قبل التصعيد القانوني

لا ينبغي للإدارة العليا أن تنتظر حتى يصبح التحكيم أمراً لا مفر منه. فدورها أن تتدخل مبكراً عندما تفشل النقاشات على مستوى المشروع.

ويجب وضع مسار تصعيد منظم كما يلي:

مشكلة في الموقع → نقاش على مستوى المشروع → إشعار رسمي → اجتماع إداري → تفاوض تجاري → تسوية ودية → مجلس فض نزاعات أو وساطة → تحكيم

ويبقى التحكيم هو الملاذ الأخير، وليس أول محاولة جدية للحل.

بيان سياسة مقترح

يمكن إدراج البيان الآتي في خطة إدارة المشروع، أو خطة إدارة المخاطر، أو إجراء إدارة العقود:

يتعامل فريق المشروع مع تصاعد النزاعات التعاقدية باعتباره خطراً رئيسياً من مخاطر المشروع. وتتم مراقبة جميع القضايا المتعلقة بنطاق العمل، والتغييرات، والموافقات، والتأخيرات، والدفعات، والتعليمات، والسجلات، والإشعارات التعاقدية من خلال سجل المخاطر وسجلات التحكم المساندة. والهدف هو تحديد مؤشرات الإنذار المبكر، واتخاذ الإجراءات التصحيحية في الوقت المناسب، والمحافظة على التوثيق السليم، وحل المسائل على مستوى المشروع قبل أن تتطور إلى مطالبات رسمية أو نزاعات أو تحكيم. ويُعتبر التحكيم وسيلة أخيرة، وليس نتيجة طبيعية لإدارة المشروع.

الخلاصة

إن تجنّب التحكيم لا يتحقق بتجاهل المشكلات، أو تأخير الإشعارات، أو انتظار أن تختفي الخلافات من تلقاء نفسها. بل يتحقق من خلال إدارة تعاقدية منضبطة، ومراقبة مبكرة للمخاطر، وتوثيق مهني، واتصال في الوقت المناسب، وضبط للتغييرات، وتصعيد منظم.

أفضل فرق المشاريع ليست تلك التي تجيد القتال في التحكيم، بل تلك التي تدير المشروع بمهنية تجعل التحكيم غير ضروري.

والمبدأ الحاكم واضح:

تصرّف مبكراً، واكتب بوضوح، ووثّق كل شيء، واتبع العقد، وصعّد مهنياً قبل أن تتصلب المواقف.