تقرير أمريكي: ترامب انزلق لخدمة أطماع إسرائيل وفشل في إخضاع إيران
كتب ستيفن إيرلانغر الصحفي الأمريكي البارز الذي يعمل ككبير
المراسلين الدبلوماسيين في أوروبا لصالح صحيفة نيويورك تايمز، أن الرئيس ترامب،
الذي وعد بـ"إنهاء الحروب" لا إشعالها، قد يكون وقع في الفخ ذاته الذي
سقط فيه عدد من الرؤساء الأمريكيين قبله.
وبحسب الكاتب، منذ حرب فيتنام، وجد رؤساء الولايات المتحدة أنفسهم
مرارًا منخرطين في "نزاعات" بدت وكأنها مرشحة للاستمرار إلى ما لا
نهاية، إلى أن يقرر رئيس لاحق أن تكاليفها السياسية والمالية لم تعد تستحق
الاستمرار، فيعلن النصر ويعيد القوات إلى واشنطن.
وقال الكاتب إن منتقدي ترامب يرون أنه ربما وقع في الفخ نفسه في
تعامله مع إيران، فقد خاض حملته الانتخابية متعهدًا بإنهاء الحروب لا إشعالها،
وبألا يزج الولايات المتحدة في "حرب أبدية"، خصوصًا في الشرق الأوسط.
إلا أن مسار الأحداث في إيران يهدد بتحقيق عكس ذلك.
الحرب التي بدأت بها إسرائيل والولايات المتحدة بعمليات
عسكرية واسعة شهدت لاحقًا تعاقبًا بين جولات تفاوض وضربات عسكرية، لكنها لم تحقق
حتى الآن الأهداف التي أعلنها ترامب، سواء تغيير النظام الإيراني أو إنهاء
البرنامج النووي الإيراني. وفي المقابل، أفرزت الحرب أزمة جديدة تبدو عصية على
الحل، تتمثل في إغلاق مضيق هرمز.
ومع وصول المسار الدبلوماسي إلى طريق مسدود، على الأقل في الوقت
الراهن، يجد ترامب نفسه مجددًا في أجواء الحرب، بعد انهيار وقف إطلاق النار
واستمرار إغلاق المضيق. كما أن مذكرة التفاهم التي قال إنها "حققت كل ما
سعينا إليه"، رغم اختلاف الأطراف جذريًا في تفسيرها، انهارت خلال أقل من شهر.
وقال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية:
"نظر الطرفان إلى مذكرة التفاهم باعتبارها استمرارًا للحرب بوسائل أخرى، وليس
جسرًا نحو السلام".
وأضاف أن غياب استراتيجية طويلة الأمد تفضي إلى تسوية مستدامة يخلق
خطر الانزلاق إلى "حرب لا تنتهي".
ويرى لورنس دي فريدمان، الأستاذ الفخري لدراسات الحرب في كلية
كينغز بلندن، أن القادة الذين يمتلكون جيوشًا قوية يقعون كثيرًا في ما يسميه
"وهم الحرب القصيرة"، إذ يعتقدون أنهم قادرون على تحقيق انتصار سريع من
دون تحمل عواقب كبيرة.
وأضاف أن قادة مثل ترامب في إيران، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين
في أوكرانيا، "يقللون من حدود القوة العسكرية، ويضعون أهدافًا لا يمكن
تحقيقها، إن أمكن، إلا بعد صراع طويل".
ويشير التقرير إلى أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يكفي إذا
لم يصاحبه تصور سياسي ودبلوماسي يحول المكاسب الميدانية إلى نتائج دائمة. ويواجه
ترامب تحديًا إضافيًا يتمثل في محاولته تحقيق أهدافه عبر القوة الجوية والبحرية
فقط، من دون إرسال قوات برية إلى الأراضي الإيرانية، وهو خيار يفتقر إلى التأييد
السياسي داخل الولايات المتحدة.
ويقارن التقرير بين حرب الخليج عام 1991، التي حققت أهدافها بسرعة
لأن الرئيس جورج بوش الأب حدد هدفًا سياسيًا محدودًا هو إخراج القوات العراقية من
الكويت، وبين الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بقيادة جورج بوش الابن، والذي انتهى
بتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. كما يشير إلى أن الولايات المتحدة، بعد إسقاط
حركة طالبان في أفغانستان، حاولت إعادة تشكيل المجتمع الأفغاني، لكنها انسحبت في
النهاية لتعود طالبان إلى السلطة.
ويشير التقرير إلى أن ترامب يبرر أحيانًا الحرب على إيران بأنها
تهدف إلى إنهاء ما يعتبره صراعًا مستمرًا منذ 47 عامًا بين واشنطن وطهران، بدأ مع
سقوط نظام الشاه عام 1979 وأزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين.
لكن والي نصر، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، يرى
أن ما يجري ليس سوى جولة جديدة من صراع طويل شهد فترات تصعيد وأخرى من التفاهم،
مثل الاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحب منه ترامب عام 2018.
أما آرون ديفيد ميلر، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي،
فيرى أن ترامب، وبدفع من إسرائيل، انخرط أيضًا في "حرب أبدية" أخرى، هي
الصراع بين إسرائيل وإيران، الذي يمتد عبر حلفاء طهران في لبنان والأراضي
الفلسطينية واليمن.
ويضيف التقرير أن ترامب لا يزال قادرًا على تسويق هذه الحرب أمام
أنصاره باعتبارها انتصارًا ثم إنهائها، إلا أنه، خلافًا لتوقعات كثيرين، يبدو
متمسكًا بالتصعيد، من دون مسار واضح نحو تسوية سياسية. كما أن التزامه بإبقاء مضيق
هرمز مفتوحًا، في مقابل إصرار إيران على فرض سيطرتها عليه، قد يقود إلى انخراط
عسكري أمريكي طويل الأمد في المنطقة، حتى بمشاركة الحلفاء.
ورغم ذلك، يؤكد التقرير أن الحرب مع إيران تختلف عن حربي العراق
وأفغانستان، إذ لا توجد قوات أمريكية برية كبيرة تقاتل على الأراضي الإيرانية، كما
أن الولايات المتحدة لا تواجه تمردًا مسلحًا، بل دولة ذات قدرات عسكرية وإقليمية.
ويشير أيضًا إلى أن إيران تمتلك وسيلة ضغط لا تتوافر لخصوم
الولايات المتحدة السابقين، وهي قدرتها على إلحاق ضرر اقتصادي عالمي من خلال تعطيل
الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يمنحها نفوذًا كبيرًا ويجعلها متمسكة بالسيطرة عليه.
وتقول سوزان مالوني، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد
بروكينغز، إنه لن يكون هناك عودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحرب، معتبرة أن
التوازنات الإقليمية تغيرت كما حدث بعد غزو العراق، وأن حقبة المرور الحر الكامل
عبر مضيق هرمز قد انتهت على الأرجح.
وأضافت أن الوضع الجديد قد يستقر، لكنه سيتطلب "وجودًا
عسكريًا أمريكيًا أكبر بكثير في المنطقة"، في ظل قدرة إيران على استهداف
السفن متى أرادت.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن مصالح الولايات المتحدة في هذه
الحرب تبقى أقل أهمية من مصالح إيران نفسها، وهو ما يمنح طهران استعدادًا أكبر
لتحمل صراع طويل. ويقول والي نصر إن الولايات المتحدة تميل مع مرور الوقت إلى خفض
وتيرة انخراطها، بينما يحافظ الطرف الآخر على مستوى التصعيد نفسه، كما حدث في
فيتنام وأفغانستان، حيث بدأ ميزان القوى يتغير مع تراجع الالتزام الأمريكي.
ومع ذلك، يرى التقرير أن التوصل إلى نهاية تفاوضية للحرب لا يزال
بعيد المنال، إذ إن الطرفين لم ينجحا حتى في الالتزام بإطار تفاهم محدود يؤجل
القضايا الجوهرية إلى مرحلة لاحقة.

























