مسؤولونا ومسؤولوهم ..قصة وعِبرة
عوض ضيف الله الملاحمة
القراء الكرام ، ارجو
ان تسمحوا لي ان أنقل لكم هذه القصة ، كما وصلتني حرفياً ، والغاية منها (
المقارنة ) بين كبار المسؤولين في أقطارنا العربية ، مع كبار المسؤولين في
الغرب ، (( نقلاً حرفياً مع أخطاء الصياغة )) :—
[[ يقول رئيس النمسا الأسبق / توماس كليستيل : أسكن
من أربعين عاماً في شقة في الحي الرابع في فيينا . كانت تجمعني وزوجتي علاقة حميمة
مع كل جيراني في العمارة . كنا نتبادل الزيارات والتحية كلما نتقابل على المصعد ،
او في مدخل العمارة ، ونتحدث عن الأولاد ، والسياسة ، والحالة الإجتماعية ، وخبر
الساعة.
بعد ان أصبحت رئيساً
للنمسا ، وجدت تغيراً في علاقة جيراني بي .
العلاقة اصبحت فاترة .
لو القى أحدهم التحية ، يلقيها وهو لا ينظر اليك . واذا القيت انا التحية أكاد
أسمع رداً همساً.
إستمر الحال على هذا
الوضع شهرين ، ومن كل السكان جيراني بلا إستثناء . إنتابتني الحيرة ، وسألت زوجتي
: هل هناك ما يستدعي هذا التجاهل ؟ هل فعلنا شيئاً يُغضب جيراننا ؟ هي لم تجد
جواباً لسؤالي . فقررت ان آخذ المبادرة ، وطرقت باب جاري ، ولم يعطني جواباً ،
وطرقت على الثاني ، نفس الجواب . وأنا في حيرة : ما بال الناس قد تغيرت نفوسهم من
ناحيتي ؟ رجعت الى شقتي وأنا في حيرة.
وطرق بابي في اليوم
الثالث المسؤول عن العمارة ، يدعوني لإجتماع للسكان كلهم ، لأمرٍ هام . وجدت
الدعوة فرصة لفتح الموضوع مع الجميع ، لماذا يعاملوني بهذا الجفاء ؟
وإذ بجارتي الأرملة
تقول : أنا سأقول لك بصراحة : كنا قبل ما تصبح رئيساً ، نعيش في هدوء ، لا سيارات
، ولا حرس ، ولا أصوات سيارات الأمن ، ولا تفتيش ، ولا غلق للشارع ، كانت
حياتنا سهلة ، والآن نحن نعيش معك المأساة . هذا ما يجعلنا لا نريد ان نتعامل معك
، لأنك تسببت لنا في مضايقات ، واليوم (( قررنا ان نرفع ضدك قضية بالطرد من السكن
)) ، إن لم تعيد حياتنا كسابقها.
قال الرئيس الأسبق في
حواره مع التلفزيوني : خرجت وأنا كلي أسف ، واعتذرت لهم لعدم إهتمامي بجيراني ،
ووعدتهم ان أكون محلّ ثقتهم في ان أكون جاراً لهم . وعلى الفور إتصلت برئيس حراستي
ان يُخلي الشارع من الحراسة ، وان لا تصحبني الا سيارتي وحارس واحد ، بلا أضواء ،
ولا أصوات ، وان يُسحب الحارس المتواجد في مدخل العمارة . وتعهدت له أني مسؤول
مسؤولية شخصية عن سلامتي لو حدث مكروه.
ويستطرد الرئيس ويقول :
بعد يومين من هذا عادت الإبتسامة الى جيراني ، وعادت معهم المودة ]].
تعليق يتبع النص :—
هؤلاء هم من إنتخبهم الشعب ، فهم أفراد منه ، عملهم هو خدمة للشعب ، وتسهيل حياته
، لا التضييق عليه . (( منقول بحرفية )) .
أولاً : — تصوروا انه
أصبح رئيساً للنمسا ، ولم ينتقل للعيش في قصر .
ثانياً :— انه مكث في
شقته التي يسكنها منذ ( ٤٠ ) عاماً ، اي قبل توليه الرئاسة بأربعة عقود من الزمن .
ثالثاً :— مع انه أصبح
رئيساً للنمسا ، الا انه إستمر في حرصه على استمرار علاقاته مع جيرانه ، ولم
يتعالى عليهم.
رابعاً :— نتيجة لسواد
العدل ، وانتشار العدالة والمساواة ، لم يتقرب منه جيرانه ولم يتوددوا له لكسب
واسطة هنا ، او خدمة هناك ، لأن خدماتهم تصلهم على أكمل وجه دون اي تدخل من اي طرف
. يضاف الا ذلك ان هناك تساوٍ للفرص ، ولا حاجة للوساطة او التعرف على الرئيس
لتحصيل مكسب معين ، لإن حق المواطن يأتيه بإنصاف دون الحاجة لأية معرفة او وساطة .
خامساً :— لاحظوا
التواضع الشديد ، حيث لم يتغير سلوكه ، ولم يتغير تعامله بمجرد انه أصبح رئيساً
للبلاد.
سادساً : — تمت دعوته
لإجتماع سكان العمارة كما غيره ، دون اي تمييز .
سابعاً :— والأدهى ،
والأغرب انهم ابلغوه بأنهم سوف يقيمون دعوى عليه لطرده من العمارة إذا لم يُعِد
حياتهم كما كانت.
هكذا هم في الغرب ، لكن
تصوروا لو ان ذلك حصل في اي قطرٍ من أقطارنا العربية ؟ حيث ستكون الخطوة الأولى
الإنتقال للعيش في قصر ، والتنقل بين عدة قصور . يتبعها الترفع عن التعامل مع
الجيران ، ونسيان منطقة سكناه الأولى ، ولأنه أصلاً لن يعود اليها ، فقد إنتقل الى
عالمٍ آخر . يتبع ذلك التعالي على الجيران ، وتهافت الجيران عليه للتقرب منه ،
لاختزال الإجراءات المطلوبة للخدمات والتعيينات والترقيات ، هذا عدا عن التنفيعات
، والمناقصات ، والعطاءات ، إضافة للهِبات ، والاعطيات ، والإسترزاق من الرئيس ،
واعتبار فترة رئاسته للدولة (( مشمشية )) يجب إقتناصها للتكسب ، والتنفع ،
والتفاخر بالتقرب من الرئيس.
ليتنا نقتبس من الغرب
النافع ، والمفيد لأوطاننا . لنستعيد ما فقدنا مما كنا نحرص عليه ونتمسك به بفخرٍ
وإعتزاز . أفضل من ان نتقرب بِذِلّةٍ ، وخنوعٍ ، وخضوعٍ ، وتبعية ، تُلغي ما تبقى
من شذرات لما كنا نتمسك به من كرامة ، وأنفة ، وعِزّة ، وكبرياء .
أعرف ان ما أدعو
اليه ، أصبح بمفاهيم من أدمنوا التزلف ، والتذلل ، يعتبر أسلوباً مستغرباً ،
ومستهجناً ، بل انه أصبح من دلائل التخلف ، والتحجر ، والإنغلاق ، والجمود .
ليتنا نتذكر أسلافنا من
قادتنا ، ورموزنا الأجلاء . ليتنا نستذكر سيدنا / عمر بن الخطاب رضي الله عنه
وأرضاه ، وقصته مع القائد الفارسي وملك الأهواز ، في عهد الإمبراطورية الفارسية /
الهرمزان ، عندما تم أسره ، وجيء به أسيراً الى المدينة المنورة في فترة خلافة
سيدنا / عمر بن الخطاب ، حيث بحث الحراس عن سيدنا عمر ، ليأخذوا / الهرمزان اليه ،
ووجدوا سيدنا عمر ، الذي يحكم نصف العالم ، نائماً على الأرض تحت شجرة ، متوسداً
ردائه ، وليس حوله لا حرس ولا جنود ليحمونه ، فقال الهرمزان عبارته المشهورة : ((
حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر )).
دون مبالغة ، ودون تردد
إنني أرى في بعض حُكام الغرب شيئاً من عدل وتواضع سيدنا عمر رضي الله عنه ، وان
بعضهم أقرب له من أبناء جلدته ودينه من العرب .
قصة وعبرة حضارية ،
حقيقية ، علّنا نعتبر ، ونتقي الله في انفسنا ، وفي بعضنا .
المسؤولون في الغرب من
الشعب وإليه . والمسؤولون العرب كانوا منا ، وابتعدوا عنا ، وتغيروا علينا ،
وتنصلوا منا ، وترفعوا عنا ، ونبذونا ، وأصبحوا هم الخاصة ، ونحن العوام ، والعامة
، او ربما ( الهوام ).
وأختم بما قاله الشاعر
/ إبن الوردي :— حيث يحذر من اغترار المسؤول بالكرسي ، ويقول :—
لا تغترَ بالجاهِ تطلبُ
رِفعةً
فالعز ِّفي بحرِ
القناعةِ يَكمُنُ
واقنع بما تُرزق فكُلُّ
مُعجّلٍ
في الرزقِ عند اللهِ
سوف يبينُ .
























