بين المأساة والصمود: قراءة منصفة لخطاب مصطفى البرغوثي
كتب: جودت مناع
أثار حديث الدكتور
مصطفى البرغوثي عن أطفال غزة سجالاً تجاوز في بعض جوانبه حدود الاختلاف المشروع
إلى دائرة التأويل السياسي. فالقول إن الاحتلال قتل آلاف الأطفال الفلسطينيين كان
تأكيداً على حجم الجريمة، بينما جاء حديثه عن الأطفال الذين وُلدوا خلال الحرب
واستطاع الفلسطينيون الحفاظ على حياتهم تعبيراً عن قدرة المجتمع على الصمود في
مواجهة مشروع الإبادة الإسرائيلية، لا انتقاصاً من قيمة الضحايا أو التقليل من حجم
المأساة.
في الفلسفة السياسية،
لا يقتصر معنى المقاومة على مواجهة الموت، بل يشمل أيضاً حماية الحياة واستمرارها.
فالطفل الذي استشهد هو شاهد على الجريمة، والطفل الذي نجا وولد وسط الركام هو شاهد
على فشل الجريمة في تحقيق غايتها النهائية. ومن هنا فإن الحديث عن الحياة لا يناقض
الحديث عن المأساة، بل يكمله ويمنحه بعداً إنسانياً ووطنياً أعمق.
ولعل جزءاً من الجدل
الذي رافق التصريح يعود إلى حالة الاستقطاب السياسي الفلسطيني التي تدفع أحياناً
إلى قراءة المواقف من خلال هوية قائلها لا من خلال مضمونها. غير أن القضية
الفلسطينية، وهي تواجه حرباً غير مسبوقة، تحتاج إلى ترسيخ ثقافة الحوار لا
التحريض، والنقد الموضوعي لا التشهير الشخصي.
وفي ظل العدوان
المستمر، تبقى الجبهة الداخلية الفلسطينية الدرع الأهم في مواجهة محاولات التفكيك
والإضعاف. فالاحتلال يستفيد من الانقسام أكثر مما يستفيد من أي سلاح آخر، بينما
يشكل التماسك الوطني حماية للرواية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني. لذلك فإن
الاختلاف في الرأي يجب ألا يتحول إلى خصومة تمس وحدة المجتمع أو تنتقص من حقه في
الدفاع عن نفسه وعن روايته التاريخية.
إن الإنصاف يقتضي قراءة
الخطابات السياسية بوصفها نصوصاً متكاملة، لا عبارات مبتورة. وما أراد البرغوثي
قوله، في جوهره، هو أن غزة قدمت آلاف الأطفال شهداء، لكنها رغم ذلك ما زالت قادرة
على حماية الحياة والتمسك بالأمل، وهي الرسالة التي تشكل أحد أهم معاني الصمود
الفلسطيني.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























