من الهيمنة إلى قواعد النفوذ: كيف أعادت الحروب رسم خرائط القوة في الشرق العربي؟
كتب: جودت مناع
لم تعد التحولات
الأمنية في الشرق العربي ومحيطه تُفسَّر بمنطق التحالف التقليدي بين الدولة الأقوى
والدولة الأضعف، بل باتت المنطقة تشهد انتقالاً متسارعاً نحو مرحلة تتنافس فيها
القوى الإقليمية على بناء «قواعد نفوذ» تتجاوز حدودها الجغرافية، مستفيدة من تراجع
الهيمنة الأمريكية الأحادية وصعود نظام دولي أكثر تعقيداً تتقاسم التأثير فيه
الولايات المتحدة وروسيا والصين.
بدأت ملامح هذا التحول
بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم تعمقت مع تداعيات ما سُمّي بـ«الربيع
العربي»، حيث سقطت أو أُضعفت أنظمة سياسية عديدة، وبرزت فراغات أمنية أتاحت لقوى
إقليمية توسيع حضورها خارج حدودها. وفي الوقت ذاته، غيّرت التكنولوجيا العسكرية
قواعد الصراع؛ فحلّت الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والقدرات الاستخباراتية
المتقدمة محل كثير من أدوات الحرب التقليدية، ما منح دولاً متوسطة القوة قدرة أكبر
على التأثير والردع.
وفي سياق البحث عن
توازنات القوة، اتجهت دول عدة إلى بناء شبكات نفوذ غير مباشرة عبر حلفاء محليين أو
قوى مسلحة حليفة، لتصبح هذه الشبكات بمثابة «حدائق خلفية» أو قواعد متقدمة للدفاع
عن المصالح الوطنية خارج الحدود. ومن هنا نشأت خرائط نفوذ جديدة باتت تشكل إحدى
السمات الرئيسية للصراعات المعاصرة في المنطقة.
وتبرز إيران بوصفها أحد
أهم نماذج هذا التوجه، إذ نجحت خلال العقود الماضية في بناء نفوذ سياسي وعسكري
امتد إلى العراق ولبنان واليمن وسوريا، كما حافظت على علاقات مؤثرة مع قوى
فلسطينية فاعلة. وقد شكّل هذا الامتداد أحد أبرز عناصر القوة الإيرانية في مواجهة
الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
أما تركيا، فقد قدمت
نموذجاً مختلفاً لكنه لا يقل أهمية. فمنذ تدخلها العسكري في قبرص عام 1974 رسخت
أنقرة مفهوم الحضور العسكري خارج حدودها، قبل أن تتوسع استراتيجيتها بصورة أكبر
خلال الحرب السورية، حيث أنشأت مناطق نفوذ واسعة في الشمال السوري عبر وجود عسكري
وإداري مباشر. كما عززت حضورها في ليبيا من خلال دعم الحكومة المعترف بها دولياً
في طرابلس وتوقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية وبحرية أعادت رسم موازين القوى في شرق البحر
المتوسط. وبهذا أصبحت تركيا لاعباً رئيسياً في معادلات النفوذ الممتدة من سوريا
إلى شمال إفريقيا.
وفي المقابل، وجدت مصر
نفسها أمام تحديات استراتيجية متزايدة فرضتها التطورات في السودان وليبيا وأزمة سد
النهضة وأمن البحر الأحمر. وقد انعكس ذلك في تعزيز حضورها الأمني والعسكري في
محيطها الإقليمي، وإعادة بناء قدراتها الدفاعية في سيناء خلال حرب الإبادة على
قطاع غزة، فضلاً عن توثيق علاقاتها الأمنية مع عدد من الدول العربية والإفريقية
لحماية أمنها القومي.
كما برزت باكستان
لاعباً مهماً في الحسابات الأمنية للمنطقة عبر شراكاتها الدفاعية مع المملكة
العربية السعودية وعدد من الدول العربية، خصوصاً بعد تصاعد التوترات الناتجة عن
المواجهة بين إسرائيل وإيران، وما رافقها من حديث متزايد عن ترتيبات أمنية إقليمية
جديدة.
في المقابل، لم يكن
التمدد الإقليمي حكراً على هذه القوى. فإسرائيل عملت على توسيع نطاق حضورها الأمني
والعسكري عبر شراكات تمتد من شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي، مستفيدة من علاقاتها
الدفاعية مع اليونان وقبرص، ومن حضورها الاقتصادي والأمني المتزايد في بعض المناطق
العربية والإفريقية. كما سعت إلى بناء بيئة استراتيجية تسمح لها بتكريس تفوقها
العسكري وفرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية وإقامة منطقة عازلة في جنوب الدولة
اللبنانية بما في ذلك احتلال اراضي في جنوب سوريا.
أما روسيا والصين، فقد
اتخذتا موقعاً مختلفاً في هذا المشهد. فروسيا سعت إلى الحفاظ على نفوذها العسكري
والاستراتيجي، ولا سيما عبر الساحة السورية، بينما ركزت الصين على بناء نفوذ
اقتصادي واسع من خلال مبادرة «الحزام والطريق» وعلاقاتها التجارية المتنامية مع
دول المنطقة. وبينما تميل موسكو وبكين إلى دعم نظام دولي متعدد الأقطاب، ما تزال
الولايات المتحدة ترى في المنطقة ركناً أساسياً للحفاظ على نفوذها العالمي
وتحالفاتها التقليدية.
وهكذا، انتقل الشرق
العربي من مرحلة الهيمنة الدولية المباشرة إلى مرحلة تنافس مراكز النفوذ الإقليمية
والدولية. ومع تزايد التشابك بين المصالح الأمنية والاقتصادية والعسكرية، تبدو
المنطقة مقبلة على خرائط جديدة للصراع قد لا تُحسم داخل حدود الدول، بل في فضاءات
النفوذ الممتدة من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والخليج العربي والقرن الإفريقي،
حيث تتشكل ملامح نظام إقليمي جديد لم تتضح حدوده النهائية بعد.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية

























