لا عزاء للفقراء: حكومة رعاة البقر الامريكية تلاحق الطواقم الطبية الكوبية حول العالم
كثّفت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب حملتها العدائية ضد
الحكومة الكوبية، مستهدفةً هذه المرة البعد الأممي والإنساني الأبرز للجزيرة
الاشتراكية، وهو برنامج البعثات الطبية في الخارج، الذي يُعد شرياناً اقتصادياً
حيوياً للبلاد وإرثاً تضامنياً مع شعوب العالم.
وبعد سلسلة من الإجراءات العقابية التي شملت فرض قيود على شحنات
الوقود والحد من تحويلات المغتربين، انتقلت آلة الضغط الأمريكية لاستهداف آلاف
الأطباء والممرضين الكوبيين المنتشرين في أكثر من 50 دولة. وتمارس واشنطن ابتزازاً
سياسياً واقتصادياً على الحكومات الأجنبية لدفعها إلى إلغاء عقودها مع هافانا، في
محاولة مكشوفة لضرب عائدات البرنامج التي تشكل نصف إجمالي الصادرات الكوبية، في
وقت يواجه فيه اقتصاد الجزيرة تحديات كبرى بفعل الحصار، بحسب ما جاء في تقرير
صحيفة "وول ستريت جورنال".
وشرع وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، المعروف بعدائه الشديد
لكوبا، في ترهيب قادة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. ولوّح روبيو بمنع
المسؤولين الأجانب المرتبطين بالبرنامج الكوبي من دخول الولايات المتحدة، داعياً
إياهم بصلف إلى طرد الكوادر الكوبية، ومستخدماً ذرائع كاذبة تروج لها أبواق يمينية
مدعومة أمريكياً تصف هذه المهام الإنسانية بـ "العمل القسري".
وتحت وطأة هذا الابتزاز، رضخت بعض الحكومات الموالية لواشنطن، حيث
أنهت جامايكا شراكتها التاريخية مع البرنامج الكوبي، ولحقت بها غواتيمالا وجزر
البهاما. وفي هندوراس، أعادت حكومة الرئيس ناصري أسفورا، الحليف المقرب لترامب،
أكثر من 150 طبيباً وممرضاً كوبياً إلى بلادهم.
وقد أظهرت مقاطع مصورة مشاهد مؤثرة لمواطنين بسطاء في هندوراس وهم
يودعون الطواقم الطبية الكوبية بالدموع والتصفيق الحار. وعبر المزارع خوسيه
إنامورادو عن غضب الفقراء قائلاً: "خضع والدي لعملية جراحية مجانية في عينيه
بفضل الكوبيين، ولولاهم لتكلفت ألفي دولار في القطاع الخاص.. لقد منحوا الأمل
للكثيرين".
في المقابل، برزت مواقف سيادية مشرفة رفضت الانصياع للإملاءات
الإمبريالية. ففي جزيرة سانت لوسيا، أكد رئيس الوزراء فيليب بيير أن النظام الصحي
في بلاده "سينهار عملياً من دون الأطباء الكوبيين".
أما الرد الأقوى فجاء على لسان رئيس وزراء سانت فينسنت
والغرينادين، رالف غونسالفيس، الذي تصدى بجرأة للضغوط الأمريكية قائلاً:
"أفضل أن أفقد تأشيرتي الأمريكية على أن يموت ستون شخصاً من الفقراء والعمال
في بلدي بسبب غياب الأطباء الكوبيين".
وتُثبت هذه المواقف مدى حيوية الدور الذي يلعبه الكوبيون في سد
النقص الحاد في الكوادر الطبية داخل المجتمعات الفقيرة والنائية، في وقت يعجز فيه
التدخل الأمريكي "الاستعراضي" عن توفير أي بديل حقيقي لخدمات الرعاية
الصحية المستدامة.
يُذكر أن كوبا بدأت إرسال بعثاتها الطبية الأممية منذ عام 1963،
وكانت الجزائر، الخارجة لتوها من نير الاستعمار الفرنسي، أولى وجهاتها. وقد أطلق
الزعيم التاريخي الراحل فيدل كاسترو على هذه الكوادر لقب "جيش المعاطف
البيضاء"، ليكونوا سفراء للتضامن الأممي والرعاية الصحية المجانية للفقراء.
وتنشر كوبا حالياً نحو 24 ألف عامل صحي حول العالم، يبلسمون جراح
المهمشين من جزر الكاريبي وحتى إيطاليا. ورغم أن هذه البعثات توفر دخلاً مشروعاً
وحيوياً للدولة الكوبية (نحو 5.3 مليارات دولار في عام 2024) لكسر الحصار وتمويل
نظامها الصحي والتعليمي المجاني في الداخل، إلا أن الولايات المتحدة تسعى بشراسة
لتجريم هذا التضامن، مفضلةً رؤية الفقراء يموتون على أن تسجل كوبا الاشتراكية
انتصاراً إنسانياً جديداً.

























