بشيكتاش... حين تتأخر إسطنبول في النوم
كتب: جودت مناع
الليل في إسطنبول لا
ينتهي دفعة واحدة. يطوي الزمن على مهل، كمن يخشى أن يوقظ الفجر قبل أوانه. والناس
هنا يتبعون خطاه الأخيرة، يلتقطون ما تبقى من عتمته الخفيفة قبل أن تبتلعها شمس
يوم جديد.
في بشيكتاش، تبدو
المدينة وكأنها قررت أن تؤجل النوم ليلة أخرى. الأرصفة تضيق بالمارة، والمقاهي
تفيض بروادها، والأحاديث تتشابك فوق الطاولات كما تتشابك أضواء المحال في الواجهات
الزجاجية. رائحة إسطنبول القديمة ما زالت كما هي؛ قهوة طازجة، ونسيم بحر قادم من
البوسفور، وأسياخ شاورما تدور بصبر، وباعة محار يزينون بسطاتهم بحبات الليمون
الصفراء كأنهم يزينون ذاكرة المدينة نفسها.
عند محطات الحافلات،
يستعجل البعض طريق العودة، فيما يستعجل آخرون بداية سهرة جديدة. وعلى الجانب
المقابل من الحي، تتوزع مجموعات من الشبان والشابات على أرصفة البارات، يحتسون
الجعة ويتبادلون النقاشات التي لا تبدو معنية بالوقت. هنا، لا يسير الناس فوق
الرصيف فحسب، بل ينسجون فوقه حكاياتهم الصغيرة، ويتركون شيئاً من أحلامهم معلقاً
بين ضحكة عابرة وحديث لم يكتمل.
لطالما ذكرني بشيكتاش
بالحي اللاتيني في باريس؛ ذلك الركن الذي تتجاور فيه الكتب والأفكار والموسيقى
والوجوه القادمة من كل الجهات. ويذكرني أيضاً بشارع الحبيب بورقيبة في تونس، حيث
تمشي الأشجار بمحاذاة التاريخ، وتجلس المقاهي على ضفاف الذاكرة، وتتحول الأرصفة
إلى منصات مفتوحة للحوار والاختلاف والتأمل.
لكن لبشيكتاش شيئاً
يخصها وحدها. فهي لا تشبه أحداً تماماً، حتى عندما تذكرنا بمدن أخرى. ففي هذا الحي
تختلط أصوات الباعة بصفارات العبارات البحرية، وتمتزج لهجات الزوار بلهجة أهل
المدينة، ويصبح التنوع جزءاً من الإيقاع اليومي للمكان.
وجاءت هذه الأمسية
مختلفة قليلاً. فقد استيقظت تركيا على ذكرى مرور عقد كامل على إفشال محاولة
الانقلاب على الديمقراطية. عشر سنوات مرت منذ تلك الليلة التي خرج فيها الناس إلى
الشوارع دفاعاً عن خياراتهم ومستقبلهم. ومع تزامن الذكرى مع عطلة نهاية الأسبوع،
بدا المشهد وكأن المدينة تجمع بين الذاكرة والاحتفال؛ تستعيد ما جرى دون أن تتخلى
عن حقها في الحياة.
كان في وجوه الناس شيء
من الطمأنينة، وفي حركة الشوارع شيء من الثقة. فالأمم، مثل البشر، تتذكر جراحها لا
لتعيش فيها، بل لتتعلم كيف تتجاوزها. وإسطنبول، التي عرفت الانقلابات والزلازل
والحروب والتحولات الكبرى، ما تزال تعرف كيف تقف كل صباح على قدميها، وتواصل سرد
حكايتها للعالم.
في بشيكتاش، كما في
إسطنبول كلها، لا يحتفل الناس بالنصر على الانقلاب فحسب، بل يحتفلون أيضاً بانتصار
الحياة على الخوف، والضوء على العتمة، وإرادة البشر على كل من يظن أن المدن يمكن
أن تُهزم.
وحين يقترب الفجر
أخيراً، لا يبدو أن الليل قد غادر المكان بالكامل. فهو يترك شيئاً من روحه في
المقاهي المفتوحة، وفي الأرصفة المزدحمة، وفي صوت النوارس التي تحلق فوق البوسفور،
شاهدةً على مدينة ما زالت تعرف، بعد كل هذه السنين، كيف تحب الحياة.

























