شريط الأخبار
أجواء صيفية عادية وحارة في الاغوار والعقبة والبحر الميت الدفاع عن نتنياهو أم الدفاع عن السردية؟ حين تصبح الخبرة عائقًا أمام المستقبل الخارجية النيابية: تُطالب بتحرك برلماني دولي عاجل لوقف الانتهاكات الإسرائيلية في الأقصى بعد قتل مستوطن واصابة 3 استشهاد 4 فلسطينيين بالضفة ماجدة الرومي " قيثارة الشرق" تفتح أماسي "الجنوبي" في جرش الجيش: إحباط محاولة تهريب كمية كبيرة من المواد المخدرة بواسطة بالونات فنانون اردنيون يحيون ليلة فنية باهرة في "جرش"..وامسيات شعرية ترتقي بذوق المتابعين ماجدة الرومي تعيد الحياة للمسرح الجنوبي لجرش بصوتها وحضورها البهي الاقتحام الأعتى منذ احتلال الأقصى عندما يصبح الشورت قضية وطنية!!! ترامب: أدرس هجومًا واسعًا على إيران أكبر من كل العمليات السابقة العيسوي يلتقي وفدا من أبناء عشيرة السلمان المستشفى الميداني الأردني نابلس/11 يجري عملية جراحية نوعية الأردن ودول الخليج: نؤكد حق الدفاع عن أنفسنا فرديًا أو جماعيًا نائب الملك يعزي بوفاة الرائد المظلي المتقاعد سميح جنكات الملك يحضر الجلسة الافتتاحية لملتقى الأعمال الأردني البريطاني في لندن الدولار يصعد مع زيادة سعر النفط جراء التطورات بالشرق الأوسط الملك يجتمع برؤساء تنفيذيين ومؤسسي شركات كبرى في بريطانيا حريق يلتهم مركبتين كهربائيتين في طبربور

الدفاع عن نتنياهو أم الدفاع عن السردية؟

الدفاع عن نتنياهو أم الدفاع عن السردية؟


كتب: جودت مناع

 

لم تكن التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي لدى المستعمرة الإسرائيلية مايك هاكابي مجرد دفاع سياسي تقليدي عن حكومة بنيامين نتنياهو، بل جاءت تعبيراً مكثفاً عن منظومة فكرية وأيديولوجية تحاول إعادة صياغة الواقع بما يخدم سردية تتعرض لتآكل غير مسبوق أمام الرأي العام العالمي.

 

فهاكابي لم يكتف برفض توصيف الجرائم المرتكبة في قطاع غزة بأنها جرائم حرب أو إبادة جماعية، بل سعى إلى إعادة إنتاج خطاب قديم يقوم على دمج المشروع الصهيوني بالهوية السياسية والدينية للولايات المتحدة والغرب، وكأن الدفاع عن إسرائيل أصبح جزءاً من العقيدة السياسية الغربية لا موقفاً قابلاً للنقاش أو المراجعة.

 

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها جاءت في أعقاب مواقف أمريكية غير مألوفة صدرت عن شخصيات سياسية صاعدة، من بينها عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي وجه انتقادات حادة لنتنياهو ودعا الحكومة الفيدرالية إلى الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية كخطوة تفتح الباب أمام مساءلته قانونياً.

 

هنا لا يبدو الخلاف مجرد تباين في وجهات النظر، بل يعكس صراعاً بين تيارين يتنازعان مستقبل الخطاب الأمريكي تجاه فلسطين والمستعمرة الإسرائيلة.

 

الأول يمثله جيل أمريكي جديد يتحرر تدريجياً من المؤثرات التقليدية التي حكمت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لعقود طويلة، وفي مقدمتها نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل وعلى رأسها منظمة "إيباك"، وما أرسته من قواعد سياسية ومالية وعسكرية جعلت الدعم الأمريكي لإسرائيل يبدو وكأنه ثابت من ثوابت السياسة الأمريكية.

 

أما التيار الثاني فيمثله هاكابي، بوصفه أحد أبرز رموز المسيحية الصهيونية التي لا تنظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة تخضع للقانون الدولي، بل باعتبارها مشروعاً ذا وظيفة دينية وتاريخية تتجاوز حدود السياسة والقانون معاً.

 

ومن هنا يمكن فهم سر الإصرار المتكرر لدى هاكابي على الدفاع عن نتنياهو. فالقضية بالنسبة إليه لا تتعلق بشخص رئيس حكومة يواجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب، وإنما بالدفاع عن المنظومة الفكرية التي تمنح المشروع الصهيوني حصانة أخلاقية وسياسية استثنائية.

 

إن الاعتراف بإمكانية مساءلة نتنياهو قانونياً لا يعني، في نظر هذا التيار، إدانة فرد أو حكومة فحسب، بل يفتح الباب أمام التشكيك في السردية التي بُنيت عليها العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل طوال عقود.

 

لهذا السبب تتكرر لدى هاكابي محاولة استبدال النقاش القانوني بنقاش أيديولوجي. فبدلاً من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بجرائم الحرب ضد المدنيين وتدمير المدن والحصار والتجويع والعقاب الجماعي، يجري تحويل الأنظار نحو مفاهيم أخرى مثل "معاداة السامية" أو "محاولة عزل إسرائيل" أو "استهداف الحليف الديمقراطي الوحيد في المنطقة".

 

إنها محاولة لنقل القضية من ساحة القانون إلى ساحة العقيدة، ومن ميدان الأدلة إلى ميدان المشاعر والرموز.

 

ولعل أخطر ما في هذا التحول أن تهمة "معاداة السامية" لم تعد تُستخدم فقط ضد خصوم إسرائيل التقليديين، بل باتت تُشهر في وجه سياسيين أمريكيين ينتقدون سياسات نتنياهو. وعندما يصبح اتهام رئيس حكومة بارتكاب جرائم حرب سبباً لاتهام منتقديه بمعاداة السامية، فإن المشكلة لم تعد في النقاد، بل في الخطاب الذي يسعى إلى تحصين السلطة ضد أي مساءلة.

 

ومع ذلك، فإن ما يثير القلق لدى هاكابي ومن يمثلهم ليس تصريحات ممداني بحد ذاتها، بل التحولات العميقة التي يشهدها الرأي العام الأمريكي والغربي عموماً. فالمشاهد القادمة من غزة، وحجم الدمار والقتل والنزوح، دفعت أعداداً متزايدة من الأمريكيين والأوروبيين إلى إعادة النظر في الرواية التقليدية التي هيمنت لعقود طويلة على الإعلام والسياسة.

 

ولهذا نرى تصاعد الحملات الدعائية المكلفة التي تهدف إلى ترميم صورة إسرائيل في الخارج. غير أن الأزمة التي تواجهها هذه الحملات لا تكمن في ضعف أدواتها الإعلامية، بل في اتساع الفجوة بين الرواية والواقع.

 

فالتاريخ يعلمنا أن السرديات السياسية تستطيع تأخير الحقيقة لكنها لا تستطيع إلغاءها. وقد شهد العالم نماذج كثيرة لقوى امتلكت المال والإعلام والنفوذ، لكنها عجزت في النهاية عن منع التحول الأخلاقي في وعي الشعوب.

 

عندما حاول الإعلامي الأمريكي الشهير تيد كوبل إحراج نيلسون مانديلا بسبب دعمه للقضية الفلسطينية، كان يعتقد أنه يضعه في مواجهة الرأي العام الغربي. لكن مانديلا أدرك أن العدالة لا تُقاس بميزان القوة، وأن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا تحتاج إلى إذن أخلاقي من أحد. وبعد سنوات قليلة تحول مانديلا من شخصية كانت توصف ب"الإرهاب" إلى رمز عالمي للحرية والكرامة الإنسانية.

 

اليوم يقف هاكابي أمام معضلة مشابهة. فهو يحاول إنقاذ سردية تتعرض للاهتزاز أكثر مما يحاول الدفاع عن نتنياهو نفسه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تستطيع الأيديولوجيا أن تصمد عندما تتراكم الحقائق؟ وهل يمكن لخطاب ديني ـ سياسي أن يحجب إلى الأبد صور ضحايا جرائم الاحتلال وتقارير المنظمات الحقوقية وأحكام التاريخ؟

 

ربما ينجح هاكابي في تأخير الإجابة، لكنه لن يستطيع منعها. فالقضية لم تعد قضية دعاية أو علاقات عامة، بل أصبحت قضية ضمير عالمي يتشكل أمام أعيننا. وكلما اتسعت الفجوة بين الرواية والواقع، اقتربت اللحظة التي تصبح فيها محاولة الدفاع عن نتنياهو عبئاً على السردية نفسها التي يسعى هاكابي إلى إنقاذها.

 

"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."