شريط الأخبار
جودت مناع يكتب: حصاد الفكر ووجع الذاكرة ولي العهد يرعى الأربعاء حفل ختام بطولة العالم الثانية للقدرة الدولية للهجن ايران تستعد لاستئناف الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب وتلوّح بالتصعيد في مضيق هرمز بريطانيا تعلن نشر مقاتلات في السعودية لحماية منشآتها إربد.. مداهمات تضبط كميات كبيرة من زيت الزيتون المستورد تُباع على أنها بلدية توقيف قريبي عين بعد الاعتداء على مدير مستشفى النديم هارتس: المستوطنون يهاجمون والجنود يعتقلون: “تناوب على الإرهاب” لطرد الفلسطينيين من أراضيهم حرب الزيتون تتواصل.. اعتداءات المستوطنين تشتد بالضفة وتسجيل 13 واقعة اليوم من مناورات وادي عربة إلى 20 طن كريستال.. تل أبيب تُحاصر عمان بالجدار والسموم؟ عيادة زين المجانية المتنقّلة تقدّم خدماتها الصحية في معان .توقيف 3 موظفين من جامعة التكنولوجيا بتهمة الاختلاس انتهى عهد "الضمانات الأمنية".. مبعوث ترامب: حلفاء أمريكا أصبحوا "بالغين" وعليهم تحمل مسؤولية أنفسهم أمر أتباعه بالصيام حتى الموت.. إدانة زعيم طائفة كينية بقتل 190 طفلا محافظون جدد يؤدون اليمين القانونية أمام الملك العفو الدولية: "إسرائيل" توظف عنف المستوطنين أداة للتطهير العرقي بالضفة تقرير لـ "العفو الدولية" يكشف شبكة تنسيق لقمع التضامن مع فلسطين داخل الجامعات البريطانية المياه: ضبط حفارة تحفر بئر مخالفة في البادية الشمالية واعتداءات في صافوط الانتخابات الاسرائيلية (9) لماذا تعد الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات في الوسط العربي عدمية سياسية وتواطؤاً مع الفاشية؟ كناكرية: مديونية الحكومة هي استثمار بالنسبة لصندوق الضمان وزير النقل والعمل والسفير التركي يبحثان تعزيز التعاون المشترك

اغتيال الرئيس عرفات: ملف مفتوح في الأوراق... مغلق في السياسة

اغتيال الرئيس عرفات: ملف مفتوح في الأوراق... مغلق في السياسة


كتب: جودت مناع

 

بعد أكثر من عشرين عاماً على استشهاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، يبدو أن ملف التحقيق في اغتياله قد اختفى من دائرة الاهتمام السياسي الفلسطيني، رغم أنه كان يوماً من أكثر القضايا الوطنية حضوراً وإثارة للجدل.

 

فمنذ أشهر طويلة لم يسمع الفلسطينيون أي تطورات جديدة أو معلومات رسمية حول ما آلت إليه نتائج التحقيق، كما لم يعد الملف حاضراً في الخطاب السياسي أو في النقاشات المتعلقة بالانتخابات التشريعية والرئاسية أو إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية. وغاب الحديث عنه حتى داخل حركة "فتح" التي كان عرفات مؤسسها وقائدها التاريخي لعقود طويلة.

 

الأمر لا يتعلق بقضية تاريخية فقدت أهميتها بمرور الزمن، بل بجريمة طالت رئيساً منتخباً وقائداً وطنياً ارتبط اسمه بمسيرة الشعب الفلسطيني المعاصرة. ولذلك فإن كشف الحقيقة لا يدخل في إطار الوفاء الشخصي للرئيس الراحل فحسب، بل يمثل استحقاقاً وطنياً وقانونياً وأخلاقياً لا يسقط بالتقادم.

 

واللافت أن مسار التحقيق نفسه كان حافلاً بالتصريحات التي أوحت مراراً بأن الحقيقة باتت قريبة. ففي عام 2013 أعلن رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية اللواء توفيق الطيراوي أن نتائج الفحوصات الطبية الروسية والسويسرية لعينات رفات الرئيس عرفات قرّبت اللجنة من معرفة القاتل والأداة التي استخدمت في الجريمة، مؤكداً أن اللجنة تقترب من الحقيقة وأن كشفها مسؤولية وطنية وأخلاقية. 

 

وقبل ذلك وبعده، كرر الطيراوي في أكثر من مناسبة أن المعطيات والقرائن التي جمعتها اللجنة تشير إلى مسؤولية إسرائيل عن عملية الاغتيال، مع تركيز التحقيق على تحديد الأداة والشخص أو الأشخاص الذين نفذوا العملية. 

 

ثم جاءت تصريحات عام 2015 لتثير اهتماماً واسعاً عندما أعلن الطيراوي أن لجنة التحقيق توصلت إلى الشخص الذي نفذ عملية الاغتيال، مضيفاً أن «لغزاً صغيراً» فقط بقي لكشف بقية التفاصيل، لكنه امتنع عن إعلان اسم المنفذ أو طبيعة الأدلة التي استند إليها التحقيق. 

 

غير أن السنوات اللاحقة حملت صورة مختلفة. ففي تصريحات لاحقة أكد الطيراوي أن لجنة التحقيق لم تتوصل بعد إلى نتائج دقيقة وقطعية تسمح بإغلاق الملف، وأنها لن تقدم تقريرها إلا بعد الوصول إلى «الحقيقة الدامغة». كما نفى في أكثر من مناسبة صحة التسريبات والتكهنات المتداولة حول التحقيق. 

 

وفي تموز/يوليو 2026 عاد الملف إلى الواجهة بشكل مفاجئ عندما أعلن الطيراوي مجدداً أن اللجنة توصلت إلى الشخص الذي نفذ عملية الاغتيال، وأن ما تبقى مجرد تفاصيل محدودة لاستكمال الصورة الكاملة، لكنه امتنع مرة أخرى عن الكشف عن أي أسماء أو نتائج رسمية نهائية. 

 

وهنا يبرز السؤال المركزي: إذا كانت اللجنة قد اقتربت من الحقيقة منذ سنوات، وإذا كانت قد توصلت إلى المنفذ بحسب أكثر من تصريح، فلماذا لم تُعرض النتائج النهائية على الشعب الفلسطيني؟ ولماذا بقي الملف في دائرة التصريحات العامة دون انتقاله إلى مرحلة الإعلان الرسمي والمساءلة القانونية؟

 

قد تكون هناك أسباب موضوعية تفسر جانباً من هذا التأخير. فالجريمة وقعت في ظل الاحتلال، والتحقيق يتعلق بقضية معقدة ذات أبعاد أمنية وسياسية ودولية. كما أن الوصول إلى أدلة قانونية قابلة للاستخدام أمام المحاكم الدولية يختلف عن امتلاك قرائن أو قناعات سياسية. كذلك فإن تضارب نتائج التقارير الفرنسية والروسية والسويسرية حول أسباب الوفاة أضاف مزيداً من التعقيد إلى الملف.

 

لكن هذه التفسيرات لا تكفي وحدها لتبرير الغياب شبه الكامل للقضية عن الأجندة الوطنية الفلسطينية. فخلال السنوات الأخيرة تراجع الحديث عن اغتيال عرفات لمصلحة الصراعات الداخلية والاصطفافات التنظيمية والتنافس على المواقع والمقاعد السياسية، بينما تراجعت قضايا جوهرية تتعلق بالأمن الوطني الفلسطيني وبمواجهة الاحتلال والاستيطان وحماية المشروع الوطني.

 

ولا شك أن حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وتصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة الفلسطينية، وما يرافق ذلك من أزمات إنسانية وسياسية هائلة، فرضت أولويات ملحة على الساحة الفلسطينية. غير أن ذلك لا يبرر إسقاط ملف بحجم اغتيال ياسر عرفات من الذاكرة السياسية والرسمية الفلسطينية.

 

فالشعوب التي تنسى قضاياها الكبرى تفتح الطريق أمام طمس الحقائق وإفلات الجناة من العقاب. أما القضايا الوطنية المؤسسة فلا يجوز أن تتحول إلى ملفات موسمية تُستحضر في ذكرى سنوية ثم تُعاد إلى الأدراج.

 

ويبقى السؤال قائماً بعد أكثر من عقدين على رحيل أبو عمار: هل ما زالت هناك إرادة سياسية حقيقية لكشف الحقيقة كاملة أمام الشعب الفلسطيني؟ أم أن ملف اغتيال الرئيس ياسر عرفات تحول إلى قضية معلقة بين السرية السياسية والحسابات الداخلية والضغوط الدولية؟

 

إلى أن تتوافر إجابة واضحة، سيبقى ملف اغتيال عرفات مفتوحاً في الأوراق، لكنه مغلق في السياسة.

 

"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."