شريط الأخبار
1.031 مليار دينار صادرات تجارة عمان خلال 8 أشهر اغتيال الرئيس عرفات: ملف مفتوح في الأوراق... مغلق في السياسة الأحزاب في الأردن… أحزاب أفكار أم أحزاب أشخاص؟ دوي انفجارات قرب جزيرة خارك الإيرانية وحديث عن قصف امريكي انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 89.70 دينارا للغرام "نيويورك تايمز": هذه خطة إيران لإطالة الحرب وإرباك ترامب قبل الانتخابات النصفية مدير الجمارك يتفقد أزمة الشحن في مركز حدود جابر ويوجه بحلول عاجلة الدولة المدنية في الأردن: عشر سنوات بعد الورقة السادسة... أين وصلنا؟ تعادل الوحدات والفيصلي دون أهداف في قمة دوري المحترفين إيران والسعودية في صلبها.. خطة ترامب الشاملة للشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب ارتفاع القروض الشخصية إلى 4.6 مليار دينار.. والسكنية تحصد الحصة الأكبر شباب تأخروا عن الحياة… لبطالة تتحول من مشكلة اقتصادية إلى قضية تنموية سؤال يُغضب الأطباء: هل يتجاهل طبيبك رسائلك عمدًا أم أنك لا تعرف كيف ومتى تراسله؟ الدكتور الطراونة يوضح .. المواطن ليس موظف علاقات عامة عند الدولة الأحوال المدنية تمدد دوام 6 مكاتب بالعاصمة يومي السبت حجازي يفتتح معرض الغذاء وتكنولوجيا الغذاء الدولي بمشاركة 200 شركة من 25 دولة السيطرة على حريق غابات واسع بين جرش وعجلون إفلاس الشركات الكبرى في ألمانيا يرتفع 10% وصناعة السيارات في صدارة القطاعات المتضررة بمشاركة عربية!.. 10 أبحاث تفوز بجوائز "نوبل للحماقة" حزب العمال يدعو إلى منظومة وطنية آمنة لنقل الطلبة بعد حادثة طفل الزرقاء

اغتيال الرئيس عرفات: ملف مفتوح في الأوراق... مغلق في السياسة

اغتيال الرئيس عرفات: ملف مفتوح في الأوراق... مغلق في السياسة


كتب: جودت مناع

 

بعد أكثر من عشرين عاماً على استشهاد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، يبدو أن ملف التحقيق في اغتياله قد اختفى من دائرة الاهتمام السياسي الفلسطيني، رغم أنه كان يوماً من أكثر القضايا الوطنية حضوراً وإثارة للجدل.

 

فمنذ أشهر طويلة لم يسمع الفلسطينيون أي تطورات جديدة أو معلومات رسمية حول ما آلت إليه نتائج التحقيق، كما لم يعد الملف حاضراً في الخطاب السياسي أو في النقاشات المتعلقة بالانتخابات التشريعية والرئاسية أو إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية. وغاب الحديث عنه حتى داخل حركة "فتح" التي كان عرفات مؤسسها وقائدها التاريخي لعقود طويلة.

 

الأمر لا يتعلق بقضية تاريخية فقدت أهميتها بمرور الزمن، بل بجريمة طالت رئيساً منتخباً وقائداً وطنياً ارتبط اسمه بمسيرة الشعب الفلسطيني المعاصرة. ولذلك فإن كشف الحقيقة لا يدخل في إطار الوفاء الشخصي للرئيس الراحل فحسب، بل يمثل استحقاقاً وطنياً وقانونياً وأخلاقياً لا يسقط بالتقادم.

 

واللافت أن مسار التحقيق نفسه كان حافلاً بالتصريحات التي أوحت مراراً بأن الحقيقة باتت قريبة. ففي عام 2013 أعلن رئيس لجنة التحقيق الفلسطينية اللواء توفيق الطيراوي أن نتائج الفحوصات الطبية الروسية والسويسرية لعينات رفات الرئيس عرفات قرّبت اللجنة من معرفة القاتل والأداة التي استخدمت في الجريمة، مؤكداً أن اللجنة تقترب من الحقيقة وأن كشفها مسؤولية وطنية وأخلاقية

 

وقبل ذلك وبعده، كرر الطيراوي في أكثر من مناسبة أن المعطيات والقرائن التي جمعتها اللجنة تشير إلى مسؤولية إسرائيل عن عملية الاغتيال، مع تركيز التحقيق على تحديد الأداة والشخص أو الأشخاص الذين نفذوا العملية

 

ثم جاءت تصريحات عام 2015 لتثير اهتماماً واسعاً عندما أعلن الطيراوي أن لجنة التحقيق توصلت إلى الشخص الذي نفذ عملية الاغتيال، مضيفاً أن «لغزاً صغيراً» فقط بقي لكشف بقية التفاصيل، لكنه امتنع عن إعلان اسم المنفذ أو طبيعة الأدلة التي استند إليها التحقيق

 

غير أن السنوات اللاحقة حملت صورة مختلفة. ففي تصريحات لاحقة أكد الطيراوي أن لجنة التحقيق لم تتوصل بعد إلى نتائج دقيقة وقطعية تسمح بإغلاق الملف، وأنها لن تقدم تقريرها إلا بعد الوصول إلى «الحقيقة الدامغة». كما نفى في أكثر من مناسبة صحة التسريبات والتكهنات المتداولة حول التحقيق

 

وفي تموز/يوليو 2026 عاد الملف إلى الواجهة بشكل مفاجئ عندما أعلن الطيراوي مجدداً أن اللجنة توصلت إلى الشخص الذي نفذ عملية الاغتيال، وأن ما تبقى مجرد تفاصيل محدودة لاستكمال الصورة الكاملة، لكنه امتنع مرة أخرى عن الكشف عن أي أسماء أو نتائج رسمية نهائية

 

وهنا يبرز السؤال المركزي: إذا كانت اللجنة قد اقتربت من الحقيقة منذ سنوات، وإذا كانت قد توصلت إلى المنفذ بحسب أكثر من تصريح، فلماذا لم تُعرض النتائج النهائية على الشعب الفلسطيني؟ ولماذا بقي الملف في دائرة التصريحات العامة دون انتقاله إلى مرحلة الإعلان الرسمي والمساءلة القانونية؟

 

قد تكون هناك أسباب موضوعية تفسر جانباً من هذا التأخير. فالجريمة وقعت في ظل الاحتلال، والتحقيق يتعلق بقضية معقدة ذات أبعاد أمنية وسياسية ودولية. كما أن الوصول إلى أدلة قانونية قابلة للاستخدام أمام المحاكم الدولية يختلف عن امتلاك قرائن أو قناعات سياسية. كذلك فإن تضارب نتائج التقارير الفرنسية والروسية والسويسرية حول أسباب الوفاة أضاف مزيداً من التعقيد إلى الملف.

 

لكن هذه التفسيرات لا تكفي وحدها لتبرير الغياب شبه الكامل للقضية عن الأجندة الوطنية الفلسطينية. فخلال السنوات الأخيرة تراجع الحديث عن اغتيال عرفات لمصلحة الصراعات الداخلية والاصطفافات التنظيمية والتنافس على المواقع والمقاعد السياسية، بينما تراجعت قضايا جوهرية تتعلق بالأمن الوطني الفلسطيني وبمواجهة الاحتلال والاستيطان وحماية المشروع الوطني.

 

ولا شك أن حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وتصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة الفلسطينية، وما يرافق ذلك من أزمات إنسانية وسياسية هائلة، فرضت أولويات ملحة على الساحة الفلسطينية. غير أن ذلك لا يبرر إسقاط ملف بحجم اغتيال ياسر عرفات من الذاكرة السياسية والرسمية الفلسطينية.

 

فالشعوب التي تنسى قضاياها الكبرى تفتح الطريق أمام طمس الحقائق وإفلات الجناة من العقاب. أما القضايا الوطنية المؤسسة فلا يجوز أن تتحول إلى ملفات موسمية تُستحضر في ذكرى سنوية ثم تُعاد إلى الأدراج.

 

ويبقى السؤال قائماً بعد أكثر من عقدين على رحيل أبو عمار: هل ما زالت هناك إرادة سياسية حقيقية لكشف الحقيقة كاملة أمام الشعب الفلسطيني؟ أم أن ملف اغتيال الرئيس ياسر عرفات تحول إلى قضية معلقة بين السرية السياسية والحسابات الداخلية والضغوط الدولية؟

 

إلى أن تتوافر إجابة واضحة، سيبقى ملف اغتيال عرفات مفتوحاً في الأوراق، لكنه مغلق في السياسة.

 

"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."