شريط الأخبار
اقتحام مستوطنين للأقصى.. محافظة القدس تحذر من محاولات تحويل باب الرحمة لنقطة صلاة يهودية تقرير لـ"بتسيلم": مشروع إسرائيلي متسارع لمحو الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية اصابات بالاختناق جراء تسرب غاز الأمونيا بالمجمع الصناعي بالعقبة لماذا سيظل الصدام بين تركيا وإسرائيل "منضبطاً"؟ "أهل الخبرة" في كوكب النُّخب.. وخراب الديار! جودت مناع يكتب: درب الحرية... عندما يرتفع السقف… علينا أن نسأل لماذا؟ رئيس الوزراء يوجِّه بالتوسُّع بـ"النَّقل المدرسي المجَّاني" في البادية الجنوبيَّة نتائج القبول الموحد للجامعات متوقع قبل نهاية الشهر وفد أردني يشارك في مؤتمر العمل العربي بالقاهرة 9 اصابات بين طلبة اثر انقلاب حافلة صغيرة باربد الاحتلال يعتقل مواطنا من مدينة طوباس تواصل جهود البحث عن 129 مفقودا بعد انقلاب سفينة بإندونيسيا القطامين يلتقي نظيره القطري في القاهرة القضاة: ممرات بديلة ونقل بري في حال إغلاق باب المندب والوضع مطمئن إحالة 75 موظفا في التربية إلى التقاعد المبكر ارتفاع قيمة حركات "كليك" منذ بداية العام الى 16.64 مليار دينار ارتفاع على درجات الحرارة واجواء حارة نسبيا اليوم حق المعلمين في التمثيل.. وقوة الدولة بالقانون! تصعيد في مخططات توسيع المستوطنات في الضفة والقدس المحتلتين

عندما يرتفع السقف… علينا أن نسأل لماذا؟

عندما يرتفع السقف… علينا أن نسأل لماذا؟


 

د. طـارق سـامي خـوري

 

من متابعتي لما يُكتب ويُقال في الداخل والخارج، أرى كثافة غير معتادة في الخطاب السياسي المعارض، وارتفاعًا متزامنًا في سقفه. بعض ما يُطرح منطقي ويستحق النقاش، وبعضه الآخر يثير قصصًا واستنتاجات بلا وقائع أو أدلة كافية. لكن الأهم بالنسبة لي أن هذا الحراك التعبيري لم يأتِ من فراغ، ولم يظهر متفرقًا على فترات طويلة، بل جاء مركزًا ومتزامنًا… وهنا يصبح التحليل واجبًا، ومحاولة فهم ما يجري أمرًا وطنيًا ضروريًا.

 

هل نفد صبر البعض؟ هل وصلت الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى مستوى حساس؟ هل هناك من يدفع باتجاه رفع السقف؟ أم أن أحداث المنطقة، والحروب وجرائمها، وما يجري في سوريا وفلسطين والمنطقة عمومًا، استفزت مشاعر فئات واسعة من الناس، خصوصًا في ظل اللقاءات السياسية والأمنية بين الإدارة السورية المؤقتة والكيان الصهيوني، والتي أثارت رفضًا واستياءً واسعَين، لأنها تأتي في وقت يواصل فيه الكيان جرائمه واعتداءاته على سوريا وفلسطين وشعوب المنطقة؟

 

وهل يمكن فصل ذلك كله عن ضنك الحياة وارتفاع كلفتها؟ المواطن لم يعد ينظر إلى الاقتصاد من خلال الأرقام والتقارير فقط، بل من خلال فاتورته، وقسطه، ودخله، وقدرته على تعليم أبنائه وتأمين مستقبلهم. وعندما ترتفع كلفة الحياة دون أن يلمس المواطن إجراءات كافية تخفف عنه، يصبح القلق الاقتصادي جزءًا من المزاج السياسي العام.

 

وفي الداخل، أرى أن دولة الرئيس يعمل ويحاول، وهذه ليست مجاملة ولا تملقًا، لكن السؤال المشروع: هل يعمل الفريق الحكومي كله بالسرعة والكفاءة نفسيهما؟ فالأحداث تركض، والمنطقة تتغير بسرعة، ولا يكفي أن يتحرك الرئيس إذا كان بعض أعضاء فريقه أبطأ من حجم المرحلة ومتطلباتها.

 

أما خارجيًا، فنحن أمام منطقة شديدة الاضطراب، وتحولات متسارعة في موازين القوى والمصالح والتحالفات. وفي مثل هذه الظروف لا توجد صداقات مجانية بين الدول… هناك مصالح. ولذلك أصبحت المصلحة الأردنية أولًا ضرورة سياسية وليست شعارًا.

 

ومن هنا أرى أننا بحاجة إلى وضوح أكبر في السياسة الخارجية. من حق الأردني أن يعرف: ما أهداف الجولات واللقاءات والتحركات الدبلوماسية المتواصلة لوزير الخارجية؟ ما الخطة؟ إلى أين نتجه؟ ماذا تحقق أردنيًا؟ وما موقع الأردن في السياسات الأمريكية الجديدة في المنطقة؟ وما حدود التوافق والاختلاف معها؟ وكيف تتعامل الدولة مع التحولات المتسارعة في سوريا  وفلسطين وإيران والخليج والعراق ومصر؟

 

وأعتقد أن مؤتمرًا صحفيًا موسعًا لوزير الخارجية، أو لقاءً واضحًا وصريحًا مع مجلس الأمة، يشرح فيه هذه الملفات والسياسة الأردنية تجاهها، أصبح أمرًا مفيدًا وضروريًا. ليس من باب التشكيك، بل لأن وضوح الرؤية يبني الثقة، والمواطن الذي يعرف إلى أين تسير دولته يستطيع أن يرتب حياته ومستقبله ومستقبل أبنائه وأعماله ومدخراته، إن وجدت، على أساس أكثر وضوحًا.

 

فالمنطقة من حولنا ليست مستقرة: سوريا المؤقتة أمام صراعات داخلية كبيرة، وفلسطين تحت نار الاحتلال والانقسام، والعراق يعيش تعقيدات داخلية وإقليمية، ودول الخليج أمام حسابات أمنية واقتصادية حساسة، ومصر تتعامل بحذر شديد مع العواصف المحيطة بها، فيما الحرب الأمريكية على إيران والتحريض الصهيوني المستمر عليها والتخطيط لتدميرها، 

وما يقابلها من صمود وردّ إيراني، تعيد رسم موازين القوى وتفرض إيقاعًا جديدًا على المنطقة كلها.

 

وفي اليمن، يتقدم أنصار الله بخطى ثابتة، ويفرضون أنفسهم لاعبًا أساسيًا في معادلات المنطقة، بما أظهروه من صمود وإرادة وقدرة على مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، وبموقفهم الثابت إلى جانب فلسطين والدفاع عن قضيتها، حتى أصبح حضورهم وتأثيرهم جزءًا لا يمكن تجاهله في حسابات القوى الكبرى. وقد أثبتوا بصمودهم وإرادتهم وتمسكهم بفلسطين أن القوة ليست دائمًا بحجم الإمكانات، بل بصلابة الموقف والإرادة، وأن من يملك قرار المواجهة يستطيع أن يفرض نفسه على حسابات الكبار.

 

كل ذلك يحدث بينما تتعامل الولايات المتحدة مع المنطقة من زاوية مصالحها أولًا واخيرًا، وفي مرحلة تبدو فيها حسابات الإدارة الأمريكية الداخلية والانتخابات النصفية جزءًا مؤثرًا في قراراتها الخارجية. ولذلك لا يجوز لنا أن نبني حساباتنا على ما يريده الحليف، أيًّا كان، قبل أن نسأل: ماذا يريد الأردن؟ وأين مصلحته؟

 

الأردن دولة محترمة، وموقعه الجغرافي والسياسي من أهم المواقع في صراعات المنطقة وتحولاتها، وهذه الأهمية يجب أن تُستثمر لخدمة الوطن ومصالحه وشعبه، لا أن تتحول إلى عبء عليه. الحليف يبحث عن مصلحته فقط، ونحن أيضًا علينا أن نبحث عن مصلحتنا، وهذا واجبنا.

 

ولهذا أرى أن الصورة ضبابية، والقادم قد يكون أصعب سياسيًا واقتصاديًا. وهذا ليس وقت الهلع، ولا وقت التسحيج، ولا وقت الدفاع عن العوج مقابل فتات من المصالح، ولا وقت الشائعات والمبالغات. إنه وقت العقل والإصلاح والمصارحة.

 

مسؤولية الحكومة في هذه المرحلة مضاعفة، وقد تحتاج فعلًا إلى عقلية حالة طوارئ في العمل، 24/24؛ ربط الليل بالنهار، وتسريع الإنجاز، ومراجعة الأولويات، والبحث عن كل وسيلة ممكنة لتخفيض كلفة الحياة، وتحريك الاقتصاد، وحماية الطبقتين الوسطى والفقيرة، وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات دولته.

 

سرعة الأحداث لا تنتظر أحدًا، وما كان ممكنًا تأجيله عامًا في الظروف العادية قد لا يحتمل اليوم تأجيله شهرًا. المطلوب حكومة تتحرك بسرعة المرحلة نفسها، ووزراء يدركون أن المنصب في هذه الظروف ليس إدارة يومية للملفات، بل مسؤولية استثنائية تحتاج إلى مبادرة وقرار ومتابعة ونتائج يلمسها المواطن.

 

وفي المقابل، علينا نحن الأردنيين مسؤولية لا تقل أهمية. حماية الوطن لا تعني الصمت عن الخطأ، كما أن الإصلاح لا يعني هدم الدولة. نستطيع أن ننتقد ونحاسب ونسأل ونطالب ونختلف، وفي الوقت نفسه نتمسك بالدولة واستقرارها ونرفض الانجرار إلى التصادم.

 

وعلينا كذلك ألا نسمح للتسحيج أن يصبح بديلًا عن الوطنية… فالوطنية ليست الدفاع عن كل قرار وكل مسؤول وكل خطأ، وليست مهاجمة كل من ينتقد أو يسأل. من يحب وطنه يقول للصحيح صحيح وللخطأ خطأ، ويبحث عن الإصلاح قبل أن تتراكم الأخطاء وتصبح معالجتها أصعب وأكثر كلفة.

 

حكمة الأردني، وثباته، وحبه لأرضه ووطنه كانت دائمًا من عناصر قوة الأردن واستقراره. فلنحافظ عليها، ولكن بعقلية الإصلاح لا بعقلية التسحيج… لأن من يحب وطنه لا يدافع عن الخطأ، بل يعمل على إصلاحه.

 

الوطن اليوم يحتاج إلى حكومة تعمل كأن الوقت يداهمها، وشعب يتصرف كأن استقرار الوطن مسؤوليته، ومسؤولين يدركون أن المصارحة قوة وليست ضعفًا.

 

فالمرحلة ليست مرحلة مصالح صغيرة، بل مرحلة وطن وأجيال قادمة….

 

الوطن يكبر بالمحبة ويفنى بالبغضاء.