جودت مناع يكتب: درب الحرية...
جودت مناع
بعض اللحظات لا تغادر
الذاكرة. تبقى معلّقة في مكان ما بين القلب والزمن، كلما استدعيناها عادت إلينا
بتفاصيلها الأولى، كأنها حدثت بالأمس.
وأكثر اللحظات رسوخًا
في الذاكرة تلك التي تمسّ حريتنا، أو تعيد إلينا من غابوا خلف القضبان.
كان ذلك عام 1990.
ومررنا بها عدة مرات.
بعد ست سنوات كاملة من
الاعتقال، كان أبي، رحمه الله، على موعد مع الحرية. وكانت أمي على موعد معه عند
بوابة المعتقل الإسرائيلي في مدينة الخليل.
ارتدت أمي أجمل ما
لديها من ثيابها الفلسطينية المطرزة، ورافقتنا إلى المعتقل. كانت تحمل في يدها
كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا، ولم أكن أعرف ما الذي تخبئه فيه. جلست عند بوابة
المعسكر، وعيناها معلقتان بالبوابة الداخلية، كأنها تريد أن تستبق الزمن، وأن ترى
أباها قبل أن يراه أحد.
طال الانتظار.
كانت الدقائق تمرّ
بطيئة، ثقيلة، وكأن ست سنوات الاعتقال كلها قد تجمعت في تلك الساعات القليلة.
اقتربت عقارب الساعة من
الظهيرة.
وفجأة... ظهر.
أطلّ من البوابة
الداخلية.
لم نحتج إلى أن يسميه
أحد. عرفناه جميعًا. كان هو، أبي، بعد ست سنوات من الغياب.
في تلك اللحظة لم تعد
أمي ترى شيئًا سوى الرجل الذي انتظرته ست سنوات.
نهضت عن الأرض، واندفعت
نحوه.
صرخ الجندي الإسرائيلي
بها أن تتوقف.
لكنها لم تتوقف.
واصلت سيرها مسرعة إلى
داخل ساحة المعسكر، غير آبهة بالصراخ ولا بالخطر. كان هناك خوف، نعم، لكنه لم يكن
أكبر من شوقها.
وصلت إلى منتصف الساحة.
ثم احتضنته.
احتضنته كما لو أنها
تريد أن تستردّ في ذلك العناق ست سنوات كاملة من الغياب.
وبعدها انحنت إلى
الأرض، وفتحت الكيس البلاستيكي الذي ظلت تحمله طوال الانتظار. أخرجت منه الكوفية
الفلسطينية، ووضعتها على رأسه بعفويتها الفلسطينية التقليدية.
لم تكن تضع كوفية على
رأس رجل خرج من المعتقل.
كانت تضع فلسطين على
رأس أبي.
وكانت تلك الكوفية، في
تلك اللحظة، أكثر من لباس. كانت وطنًا خرج معه من السجن، وذاكرةً لم تستطع سنوات
الاعتقال أن تنتزعها منه.
وتذكرت حينها كلمات
الروائي الجزائري واسيني الأعرج في رواية «طوق الياسمين»:
«والكوفية الفلسطينية التي لا تغادر عنقك وأنت
تقولين: ليس لباسًا فقط، ولكن فلسطين حتى وهي بعيدة، تمنحنا الكثير من الدفء.»
كان أبي قد خرج من
المعتقل، لكن أمي كانت تعرف أن الحكاية لم تنتهِ. فالحرية التي انتظرناها لم تكن
حرية رجل واحد من زنزانته؛ كانت حرية وطن بأكمله.
رحلت أمي.
ورحل أبي.
وبقيت الكوفية في
ذاكرتي، وبقي ذلك العناق في منتصف ساحة المعتقل، وبقيت صورة أمي وهي تركض نحوه،
غير آبهة بالجندي ولا بالخوف، كأنها كانت تركض في ذلك اليوم نحو الحرية نفسها.
تكرر المشهد حين كانت تنتظر مغادرتي وحيدة في كل يوم أمام معتقل المسكوبية في
القدس وأمام معتقلات أخرى لزيارة اخوتي في معتقلات أخرى..
رحلا...
لكن الحرية لم تصل بعد.

























