حين فضح الإسرائيليون ما عجز العرب عن روايته
جودت مناع
ليس أكثر إيلاماً
للفلسطيني والعربي من أن ينجح مخرجان إسرائيليان في إيصال مأساة غزة إلى العالم،
في الوقت الذي ما زالت فيه المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية عاجزة عن إنتاج
رواية سينمائية قادرة على اختراق الوعي العالمي.
فقد حصد المخرجان
الإسرائيليان "يوفال أبراهام" و"راشيل زور" جائزة لجنة
التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي عن فيلمهما الوثائقي
"نازا"
(NAZA)"،
الذي يستند إلى شهادات ضباط وعناصر استخبارات إسرائيليين حول آليات استهداف
المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة. ولم يكن هذا النجاح الأول لهما؛ إذ سبق أن
شاركا في إخراج فيلم "لا أرض أخرى"
(No Other Land)" الذي حاز جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي، ووثّق سياسات التهجير
والاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية المحتلة.
ردود الفعل داخل
المستعمرة الإسرائيلية لم تكن مفاجئة. فقد اعتبر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين
نتنياهو الفيلم "تحريضاً صادماً"، بينما دعا وزير الثقافة ميكي زوهار
إلى سحب جنسية المخرجين والتحقيق معهما، في مشهد يكشف حجم القلق الذي أثاره العمل
داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها.
ولست هنا بصدد مناقشة
تفاصيل الفيلم أو دقة كل ما ورد فيه، فذلك شأن يخص النقاد والباحثين. ما يعنيني هو
الدرس السياسي والثقافي الذي يقدمه هذا العمل: السينما ليست ترفاً فنياً، بل
سلاحاً استراتيجياً في الصراعات الكبرى، لا يقل تأثيراً عن الدبلوماسية أو الإعلام
أو حتى القوة العسكرية.
لقد أدركت الحركة
الصهيونية هذه الحقيقة منذ وقت مبكر. فمنذ تأسيس إسرائيل جرى استثمار السينما
العالمية، ولا سيما في الغرب، لتكريس سردية تعتبر المشروع الصهيوني مشروعاً للتحرر
والدفاع عن النفس، بينما غُيّبت الرواية الفلسطينية أو قُدمت باعتبارها هامشاً في
القصة. وساهمت أفلام ومسلسلات ووثائقيات عديدة واستقطبت رواد السينما وأدواتهم في
هوليوود لترسيخ صورة ذهنية لدى الرأي العام الغربي جعلت الضحية تبدو جلاداً
والجلاد يبدو ضحية.
في المقابل، أخفق العرب
والفلسطينيون، رغم عدالة قضيتهم وثراء تجربتهم الإنسانية، في بناء صناعة سينمائية
دولية قادرة على منافسة تلك السردية. وعلى الرغم من وجود تجارب فردية لامعة، فإنها
بقيت محدودة الأثر مقارنة بحجم المأساة الفلسطينية الممتدة منذ النكبة عام 1948.
المفارقة أن فيلماً
يكشف جانباً من الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين جاء هذه المرة من داخل المجتمع
الإسرائيلي نفسه، لا من المؤسسات العربية. وهذه المفارقة يجب أن تدفعنا إلى طرح
سؤال مؤلم: أين السينما العربية من معركة الوعي العالمي؟ وأين المثقفون والمنتجون
وصناديق التمويل العربية من توثيق واحدة من أطول قضايا التحرر الوطني في العصر
الحديث؟
لقد أثبتت التجربة أن
الصورة قد تغيّر ما تعجز عنه الخطب السياسية. وما تحقق من تعاطف عالمي واسع مع
الشعب الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر يعود بدرجة كبيرة إلى تدفق الصور والشهادات
والوثائق التي كشفت حقيقة ما يجري على الأرض من جرائم حرب إسرائيلية، أكثر مما
يعود إلى الأداء السياسي العربي أو الفلسطيني.
ومن هنا فإن قيمة فيلم
"نازا" لا تكمن فقط في محتواه، بل في الرسالة التي يبعثها: معركة
الرواية ما زالت مفتوحة، ومن يمتلك القدرة على السرد يمتلك القدرة على التأثير.
وإذا كان مخرجان إسرائيليان قد نجحا في فضح جانب من واقع الاحتلال أمام العالم، فإن
العجز العربي عن إنتاج أعمال مماثلة لا يمكن تفسيره بنقص الإمكانات، بل بغياب
الرؤية والإرادة.
أرفع الكوفية احتراماً
لكل صوت حرّ يواجه الظلم، أياً كانت هويته، لكنني في الوقت نفسه أقرع جرس الإنذار:
ليس من المقبول أن يواصل الفلسطينيون دفع ثمن الدم، بينما يتولى الآخرون رواية
قصتهم نيابة عنهم. فالقضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى مقاومين في الميدان، بل
تحتاج أيضاً إلى مخرجين وكتاب وفنانين قادرين على تحويل الذاكرة الوطنية إلى أعمال
تخاطب العالم بلغته وتنتصر للحقيقة في ساحات الوعي كما تنتصر لها في ساحات النضال.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























