شريط الأخبار
الملكة رانيا تفتتح المعرض الفني "طبقات من التشكُّل" في العقبة الأردن يدين الاعتداءين الحوثيّين على مطار الملك خالد في السعودية الأمير مرعد يبحث مع نقيب المهندسين آليات ضمان تطبيق كودة البناء وتوفير متطلبات الوصول الجمارك تضبط 296 كفا من الحشيش و6 كيلوغرامات من الماريغوانا مداهمات لتجّار المخدرات.. والامن يقبض على ٣١ تاجراً ومروجاً بمختلف مناطق المملكة ترامب وإيران… ماذا يخبئ القادم؟ "نيويورك تايمز": الجيش الأميركي يعدّ خططًا لاستئناف عدوان واسع على إيران كيف تنتقل صدمات الطاقة والتمويل واللوجستيات إلى القرار الاقتصادي في الأردن إرهاب المستوطنين: 19 اعتداءً منذ الصباح تستهدف المزارعين والأشجار والمحاصيل والمواشي طقس معتدل الحرارة الجمعة وتعمق عدم الاستقرار الجوي الأحد الشيخ يبلغ فرنسا: تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية لعدة أشهر العيسوي يلتقي وفدا من أبناء عشائر الحباشنة قانون الانتخاب و فكرة التعديل هل تقع المواجهة بين الأردن و"إسرائيل"؟ ارادة ملكية بتعيين فيصل الفايز رئيسا للأعيان أمين عام الهيئة الخيرية الهاشمية يشارك بمؤتمر دولي حول المفقودين في باكو الأمير الحسن: أسلحة تشتيت شامل تُستخدم في المنطقة السويد تدرس الانضمام لجهود تعليق اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي مدعي عام الكرك يقرر تكفيل نبيلة الحشوش بعد عام على "وقف إطلاق النار".. لا مستشفى في غزة يعمل بكامل طاقته

اقتصاد عالمي أعلى كلفة يرسم خريطة استثمار جديدة

كيف تنتقل صدمات الطاقة والتمويل واللوجستيات إلى القرار الاقتصادي في الأردن

كيف تنتقل صدمات الطاقة والتمويل واللوجستيات إلى القرار الاقتصادي في الأردن



بقلم رانيا غازي أبو غوش

لم يعد السؤال الاقتصادي العالمي يدور حول سرعة النمو فقط، بل حول الكلفة الجديدة للنمو. فبعد سنوات كان فيها التمويل الرخيص والطاقة المستقرة وشبكات الشحن القابلة للتنبؤ عناصر شبه مفترضة في أي دراسة جدوى، دخلت الأسواق مرحلة مختلفة: رأس المال بات أكثر حساسية للسعر والمخاطر، والطاقة أصبحت عنصراً حاكماً في تنافسية الصناعة، واللوجستيات لم تعد خدمة خلفية بل جزءاً مباشراً من هامش الربح واستمرارية التشغيل. هذه ليست دورة عابرة في الأسواق؛ إنها إعادة تسعير واسعة للزمن والكلفة واليقين.

عندما تصبح الكلفة لغة الاستثمار

تظهر هذه التحولات في التقارير الدولية الأخيرة بوضوح. فالاقتصاد العالمي يواجه نمواً متفاوتاً، فيما ما زالت صدمات الطاقة والاضطراب الجيوسياسي والتشدد النسبي في الأوضاع المالية تؤثر في قرارات الشركات والدول. وفي هذه البيئة لا يكفي أن يَعِد المشروع بعائد جيد عند إطلاقه؛ بل يجب أن يبرهن أنه قادر على الصمود إذا ارتفعت الفائدة، أو تأخر وصول مدخلات الإنتاج، أو زادت كلفة التأمين والنقل، أو طال أجل التحصيل من العميل. لذلك تغيّر السؤال الذي يطرحه المستثمر والمصرف من: كم يحقق المشروع؟ إلى: هل يبقى المشروع قادراً على توليد النقد وخدمة التزاماته تحت الضغط؟

الفرق بين السؤالين جوهري. فالعائد الورقي قد يبدو مرتفعاً قبل التنفيذ، لكنه لا يتحول إلى قيمة حقيقية ما لم يكن المشروع قادراً على إدارة دورة نقده، وتأمين مدخلاته، وتوزيع مخاطره بعقود واضحة، وتحويل الإنتاج إلى مبيعات وتحصيل في الوقت المتوقع. ولهذا أصبحت قدرة المؤسسة على قياس المخاطر مبكراً جزءاً من قدرتها على التمويل، لا ملحقاً إدارياً يؤجل إلى ما بعد الموافقة على الاستثمار.

الصدمة لا تصل عبر سعر الوقود وحده

في الاقتصادات المستوردة للطاقة والمفتوحة على التجارة، تنتقل الصدمة عبر أربع قنوات متداخلة. الأولى هي الطاقة، حيث ترتفع كلفة الكهرباء والوقود والمواد الداخلة في الإنتاج. والثانية هي التمويل، عندما يرتفع عبء خدمة الدين أو يصبح تمويل رأس المال العامل أكثر كلفة. والثالثة هي اللوجستيات، إذ تؤدي تأخيرات الشحن وارتفاع أقساط التأمين إلى تجميد النقد في المخزون وإرباك مواعيد التسليم. أما الرابعة فهي الثقة، لأن عدم اليقين يجعل المستثمر يؤجل القرار أو يطلب عائداً أعلى لتغطية مخاطرة لا يملك أدوات واضحة لقياسها.

هذا الترابط هو ما يفسر لماذا قد يبقى التضخم العام معتدلاً، فيما تشعر الشركات بضغط فعلي على أرباحها وتدفقاتها النقدية. فالمشكلة لا تظهر دائماً في مؤشر واحد؛ بل في مجموع الأيام التي يقضيها المنتج في انتظار المواد، وفي كلفة التمويل التي تتحملها الشركة خلال تلك الفترة، وفي قدرتها على نقل جزء من الزيادة إلى السوق من دون فقدان العميل. ولذلك فإن الإدارة الذكية لا تنتظر أن تتحول الصدمة إلى أزمة سيولة، بل تبني مؤشرات إنذار مبكر لزمن التوريد، وأيام المخزون، وأجل التحصيل، وكلفة الطاقة لكل وحدة إنتاج، ونسبة تغطية خدمة الدين.

الأردن بين الاستقرار الكلي واختبار الجودة

في الحالة الأردنية، تمثل المؤشرات الكلية قاعدة قوة مهمة. فقد سجل النمو الحقيقي 2.94 بالمئة في النصف الأول من عام 2026، واستقر التضخم عند 2.20 بالمئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وبلغت الاحتياطيات الأجنبية 28.47 مليار دولار في أيلول، بينما استقر سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي عند 6 بالمئة بعد قرار رفعه في أيلول. كما سجلت الصناعة التحويلية نمواً بلغ 5.3 بالمئة في الربع الأول. هذه الأرقام تعكس قدرة السياسات النقدية والمالية والإجراءات الحكومية على حماية الاستقرار في بيئة إقليمية صعبة، لكنها لا تعفي القرار الاستثماري من اختبار الجودة.

المرحلة التالية ليست البحث عن أكبر عدد من الإعلانات الاستثمارية، بل بناء قدرة أدق على التمييز بين الاستثمار الذي يضيف رقماً إلى القوائم، والاستثمار الذي يضيف إنتاجاً وصادرات وتشغيلاً وقيمة محلية. المشروع الجيد للأردن في البيئة الحالية هو المشروع الذي يستطيع تأمين طاقته ومياهه بكفاءة، ويملك هيكل تمويل يناسب دورة نقده، ويعرف كيف يدير مخاطر التوريد والتسليم، ويستطيع أن يثبت أثره في سلاسل القيمة المحلية وفي الأسواق الخارجية. هنا بالضبط تتحول الاستدامة من عنوان تسويقي إلى أداة لتخفيض الكلفة وعدم اليقين.

من الحافز إلى عقد الأداء

تتنافس الدول عادة بالحوافز والإعفاءات، لكنها في اقتصاد أعلى كلفة تحتاج إلى منافسة أكثر ذكاءً. فالحافز الذي لا يرتبط بنتيجة قابلة للتحقق قد يتحول إلى كلفة عامة من دون أثر إنتاجي مستدام. أما الحافز الفاعل فهو الذي يعالج مخاطرة محددة: تمويل كفاءة الطاقة، ضمان جزئي لمشروع تصديري يملك عقوداً واضحة، تسريع ترخيص لمصنع يرفع المحتوى المحلي، أو دعم فني يؤهل الموردين لمعايير الجودة والامتثال الدولية.

ولكي تكون هذه الأدوات منضبطة، ينبغي أن تتحول إلى عقد أداء بسيط وواضح. يقاس الاستثمار المنفذ لا المعلن، والتمويل المغلق لا الوعود، والطاقة الإنتاجية المشغلة لا القدرة النظرية، والصادرات الفعلية لا التوقعات، والوظائف النوعية المستمرة لا الأرقام المؤقتة. بهذه المعادلة لا يصبح الحافز مكافأة مسبقة، بل شراكة منظمة في خفض المخاطر وبناء القدرة الإنتاجية.

الميزة التنافسية هي انخفاض عدم اليقين

ليس من الواقعي أن يراهن الأردن على أن تكون الطاقة أو الفائدة أو الشحن هي الأرخص دائماً. لكن من الممكن أن يبني ميزة أكثر استدامة: أن يكون من الأسهل على المستثمر أن يفهم المخاطر ويحسبها ويوزعها ويجد لها أدوات تمويل واضحة. وهذه ميزة تتطلب ربط الجهات المنظمة والممولين والمستثمرين في مسار واحد للمشاريع ذات الأولوية، يبدأ باختبار حساسية موحد للطاقة والتمويل والتأخير، ثم ينتهي بلوحة متابعة شهرية تقيس التنفيذ والأثر.

إن الاقتصاد العالمي لا يكافئ اليوم الوعود العامة بقدر ما يكافئ الجاهزية. والأردن يملك فرصة عملية لتحويل استقراره الكلي ونمو قطاعاته الإنتاجية إلى قصة استثمار أكثر إقناعاً: قصة لا تقوم على تخفيض الكلفة فقط، بل على إدارة الكلفة والمخاطر قبل أن تتحول إلى فجوة تمويل أو تأخير أو فقدان سوق. وفي عالم أغلى تمويلاً وطاقة، فإن الاستثمار الأكثر قدرة على البقاء ليس بالضرورة الأقل سعراً، بل الأكثر وضوحاً في إدارة عدم اليقين.

* مستشارة التطوير المؤسسي وذكاء المخاطر  والمديرة التنفيذية لأمينة للاستشارات الإدارية ودراسات الأسواق