شريط الأخبار
الأردن وحسابات الردع: قوة الدولة ووحدة المجتمع الأردني في مواجهة الإرهاب "الردع الأردني – حمود".. قراءة أمنية واستراتيجية في رسائل الضربة الجوية الأردنية الأمن ينشر صوراً حيّة للمداهمة الأمنيّة للإرهابيين (فيديو) القوات المسلحة: استهداف تنظيمات ارهابية في سوريا تم بالتنسيق مع الحكومة السورية "الوطني لدعم المقاومة" يدين جريمة الكرك الإرهابية ويثمّن جهود الأجهزة الأمنية الأرصاد: عدم استقرار جوي وأمطار غزيرة متوقعة وتحذيرات من السيول والغبار تقرير للأمم المتحدة يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بالضفة ومواصلة الإبادة الجماعية بغزة البريد الأردني يقدم واجب العزاء بشهداء الوطن. الفراية معلقا على قول من "آذى ذميا": أنت تعيش في أي عصر حتى تقول ذمي وغير ذمي؟! الفراية: لن يكون هناك أي تسامح مع من يحمل أفكارا متطرفة أو ينشر الكراهية ضد الآخر سلاح الجو الملكي يدك أوكار إرهابيين مرتبطين بحادثة الكرك جنوب سوريا قراءة تفكيكية لـ "طبقات الحرب" في اليمن واصطلاحاتها شهداء الكرك صوت العلم في وجه الغدر.. الزيتونة الأردنية تقف للوطن "المحامين" تنفذ توقفا عن الترافع تضامنا مع أسر شهداء وجرحى حادثة الكرك ماذا بعد جريمة الكنيسة في الكرك؟ من يستهدف استقرار الأردن ومن المستفيد من الفتنة؟ الدين لا يصنع أمة، ولا يحدد من يمثلني الفراية: أحد منفذي الهجوم بالكرك كان يرفض إرسال بناته للمدارس طهران تستضيف ممثلي اتفاق مكة بمشاركة السعودية وتركيا وباكستان لبحث الأمن الإقليمي الخليل: 619 عائلة متضررة و4 آلاف نازح واعتقالات جراء عدوان الاحتلال المتواصل لليوم الرابع

الأردن وحسابات الردع: قوة الدولة ووحدة المجتمع الأردني في مواجهة الإرهاب

الأردن وحسابات الردع: قوة الدولة ووحدة المجتمع الأردني في مواجهة الإرهاب

. 

 

بقلم: عصام المساعيد

 

تُختبر قدرة الدول في اللحظات التي تتعرض فيها سلامة مواطنيها وأمنها الوطني للتهديد؛ ففي تلك اللحظات تتقدم كفاءة المؤسسات، ووضوح القرار، وتماسك المجتمع، بوصفها عناصر تحدد قدرة الدولة على احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى تهديد أوسع لاستقرارها.

 

ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة أحداث بلدة حمود في محافظة الكرك، وما خلّفته من شهداء ومصابين، بوصفها جريمة جنائية معزولة عن سياقها الأمني والوطني. إنها مأساة إنسانية أصابت الأردنيين جميعًا، وطرحت في الوقت ذاته أسئلة جوهرية حول مواجهة الفكر المتطرف، وحماية السلم المجتمعي، وقدرة الدولة على التعامل مع التهديدات التي تستهدف أمنها ومواطنيها.

 

لقد كان الألم وطنيًا جامعًا، لأن الدم الأردني لا تتغير قيمته باختلاف الدين أو المنطقة أو الخلفية الاجتماعية، وهذه ليست عبارة للتضامن في لحظة الحزن فحسب، بل قاعدة راسخة في مفهوم الدولة الأردنية، حيث تشكل المواطنة وسيادة القانون ووحدة المجتمع أسسًا لا يجوز المساس بها.

 

دولة تتحرك بالمعلومة والكفاءة وسيادة القانون

 

أظهرت العملية الأمنية التي انتهت بالقبض على المشتبه بهم الثلاثة أهمية العمل المؤسسي المتكامل في إدارة الأزمات. فوفق التفاصيل التي أعلنتها مديرية الأمن العام، جرى العمل عبر مسارين متوازيين: مسار جنائي واستخباراتي لجمع المعلومات والأدلة، وآخر ميداني لتتبع تحركات المشتبه بهم وتحديد مواقعهم، قبل تنفيذ المداهمة التي انتهت بالقبض عليهم دون وقوع إصابات في صفوف القوة الأمنية.

 

وتكمن الدلالة هنا في أن كفاءة الأجهزة الأمنية لا تُقاس بحضورها الميداني وحده، بل بقدرتها على جمع المعلومات وتحليلها، وتنسيق الجهود، واتخاذ القرار المناسب، وإدارة المخاطر في ظروف معقدة، فهذه العناصر مجتمعة هي التي تمنح الاستجابة الأمنية قيمتها وتعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم الوطنية.

 

إن ما قامت به الأجهزة الأمنية يستحق التقدير في إطار ما أعلنته الجهات المختصة من وقائع، كما يؤكد أهمية التكامل بين العمل الاستخباراتي والميداني في مواجهة التهديدات الخطرة، غير أن نجاح المداهمة، على أهميته، لا يعفي من ضرورة استكمال التحقيقات، وكشف الملابسات وتحديد المسؤوليات، وإحالة القضية إلى القضاء وفق الأصول القانونية.

 

فالدولة القوية لا تكتفي بضبط المشتبه بهم؛ بل تستكمل مسار العدالة، وتلاحق كل من تثبت مسؤوليته، وتحمي حقوق الضحايا، وتضمن ألا تتحول خطورة الجريمة إلى مبرر لتجاوز القانون، وهذه هي المعادلة التي تميز قوة المؤسسات عن مجرد استخدام القوة.

 

«الردع الأردني – حمود»: من حماية الحدود إلى مواجهة مصادر التهديد

 

يمثل إعلان القوات المسلحة الأردنية تنفيذ عملية «الردع الأردني – حمود»، بالتنسيق مع الحكومة السورية، ضد مواقع لتنظيمات إرهابية في جنوب شرقي سوريا، تطورًا مهمًا في مسار الاستجابة للتهديدات المرتبطة بأمن المملكة.

 

وقد أعلنت القوات المسلحة أن العملية استهدفت مواقع لتلك التنظيمات، وأن منفذي الهجوم في حمود يرتبطون بها، وفي المقابل أكدت الحكومة أن التحقيقات مستمرة لكشف جميع الملابسات والارتباطات التي تثبتها الأدلة، ومن الضروري إبقاء هذه المسائل ضمن حدود المعلومات الرسمية، إلى حين استكمال التحقيقات وتوضيح تفاصيلها.

 

ومن منظور استراتيجي، تعكس العملية اتساع نطاق التعامل مع التهديدات الأمنية عندما تتجاوز آثارها الحدود الوطنية، فالأمن الوطني لا يتعلق فقط بالقدرة على حماية المدن والبلدات داخل المملكة، بل يشمل أيضًا مراقبة مصادر الخطر، وتطوير أدوات الاستجابة، وتعزيز التنسيق الإقليمي، بما يحول دون استخدام المناطق المجاورة منطلقًا لتهديد الأردن.

 

وفي هذا السياق، تبرز قدرات القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والجاهزية العملياتية لسلاح الجو الملكي، بوصفهما جزءًا من منظومة وطنية متكاملة لحماية المملكة، كما تبرز أهمية التنسيق بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، بما يضمن وضوح الأهداف وتكامل الوسائل واتساق التحرك مع المصالح الوطنية.

 

لكن القراءة المهنية لمفهوم الردع تقتضي التمييز بين تنفيذ العملية وقياس نتائجها، فالضربات العسكرية قد تعطل قدرات الجهات المستهدفة، إلا أن نجاح الردع على المدى الطويل يُقاس بمدى تقليص قدرتها على إعادة تنظيم صفوفها، ومنع تكرار الاعتداءات، وحماية المواطنين من تهديدات مماثلة.

 

وهنا تتجلى أهمية الجمع بين الحزم الأمني والعمل الاستخباراتي والتعاون الإقليمي، إلى جانب معالجة الظروف التي تسمح بانتشار التطرف والتجنيد لصالح الجماعات الإرهابية، فالردع ليس إجراءً عسكريًا منفردًا، بل جزء من استراتيجية أوسع لحماية الدولة واستقرارها.

 

القيادة الهاشمية واستمرارية الدولة

 

في الأزمات الكبرى، تظهر أهمية القيادة السياسية القادرة على توجيه الاستجابة الوطنية، وضمان تكامل المؤسسات، والحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق المواطنين وفي الأردن، يشكل دور جلالة الملك عبدالله الثاني في حماية استقرار المملكة وصون أمنها الوطني جزءًا من إطار أوسع تقوم عليه استمرارية الدولة ومؤسساتها.

 

وقد أكدت التطورات الأخيرة أهمية هذا الإطار المؤسسي، من متابعة القيادة للأزمة، إلى تحرك الأجهزة الأمنية، واستجابة القوات المسلحة، ومواصلة الحكومة تقديم المعلومات للرأي العام، وصولًا إلى استمرار الإجراءات القضائية اللازمة.

 

إن الالتفاف حول القيادة الهاشمية في مثل هذه الظروف لا ينبغي اختزاله في مشاعر التأييد وحدها، بل يُفهم أيضًا في سياق المسؤولية المشتركة عن حماية الوطن، واحترام المؤسسات، والالتزام بالقانون، وصون الاستقرار، فالقيادة الفاعلة والمؤسسات الكفؤة والمجتمع الواعي عناصر متكاملة في معادلة الأمن الوطني، ولا يغني أحدها عن الآخر.

 

ومن هنا، فإن قوة الدولة لا تُختزل في قرار سياسي أو عملية أمنية أو تحرك عسكري، بل تظهر في قدرتها على تنسيق هذه المسارات ضمن رؤية واحدة، تضع سلامة المواطنين واستقرار المملكة فوق الاعتبارات الآنية.

 

الكرك والأردن: الوحدة الوطنية خط أحمر

 

لم يكن تضامن الأردنيين مع أسر الشهداء والمصابين مجرد استجابة إنسانية لمأساة مؤلمة، بل تعبيرًا عن إدراك عميق بأن استهداف أي مواطن هو اعتداء على المجتمع بأسره.

 

وتحمل مواقف أبناء الكرك، وما شهدته المملكة من تضامن مع ذوي الضحايا رسالة واضحة بأن محاولات استثمار الجريمة لإثارة الانقسام لن تجد في وحدة الأردنيين بيئة تحقق أهدافها، فالتطرف يسعى إلى تحويل الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى انقسام، والانقسام إلى ضعف في بنية الدولة والمجتمع، ومواجهة هذا المسار تبدأ برفضه فكريًا واجتماعيًا، ولا تكتمل إلا بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون.

 

إن حماية التعدد الديني والاجتماعي ليست مجاملة لأي مكوّن من مكونات المجتمع، بل التزام وطني ودستوري، فالمواطنة لا تُقاس بالانتماء الديني أو الاجتماعي، وإنما بالمساواة في الحقوق والواجبات والخضوع للقانون.

 

ولذلك، فإن مسؤولية الجميع اليوم تتمثل في حماية هذا التماسك وعدم الانجرار وراء الشائعات أو خطاب الكراهية أو التعميم على جماعات بأكملها بسبب أفعال أفراد متطرفين، فالإرهاب لا ينبغي أن يُمنح فرصة لتحقيق أهدافه عبر الكلمات والتحريض، بعدما حاول تحقيقها بالعنف.

 

ما بعد الاستجابة الأمنية: كيف نحول الأزمة إلى حصانة وطنية؟

 

إن التعامل مع هذه الحادثة لا ينتهي بإلقاء القبض على المشتبه بهم أو تنفيذ العملية العسكرية، فهناك مسؤولية وطنية ممتدة تتعلق برعاية أسر الشهداء والمصابين، واستكمال التحقيقات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتعزيز الوقاية من التطرف، وتقييم الإجراءات المتبعة بما يساعد على منع تكرار مثل هذه الجرائم.

 

وتتطلب المرحلة المقبلة استمرار التنسيق بين المؤسسات الأمنية والقضائية والتعليمية والدينية والإعلامية والمجتمعية، ضمن جهود واضحة لمواجهة الفكر التكفيري، ورصد مسارات التجنيد والتحريض، وتعزيز ثقافة المواطنة واحترام القانون.

 

كما أن الشفافية في إعلان المعلومات الموثوقة، ومواجهة الشائعات، واحترام خصوصية الضحايا وذويهم، عناصر لا تقل أهمية عن الإجراءات الميدانية؛ لأنها تحافظ على ثقة المجتمع، وتمنع استغلال الأزمات لتضليل الرأي العام أو إثارة الانقسام.

 

ومن المهم كذلك أن تظل نتائج التحقيقات مرجعًا لأي تقييم لاحق، وأن تُستخلص الدروس المؤسسية من الحادثة على نحو يرفع مستوى الجاهزية ويحسن القدرة على اكتشاف التهديدات والتعامل معها مبكرًا، فالدولة التي تتعلم من أزماتها تعزز قدرتها على حماية مواطنيها في المستقبل.

 

قوة الأردن في تماسك معادلته الوطنية

 

إن أحداث حمود أكدت أن مواجهة الإرهاب تتطلب منظومة متكاملة: أجهزة أمنية قادرة على الملاحقة والتحقيق، وقوات مسلحة تمتلك الجاهزية لحماية الوطن، وقيادة توجه الاستجابة الوطنية، وقضاء يضمن العدالة، ومجتمع يرفض الفتنة ويحافظ على وحدته.

 

ولا ينبغي أن تُقرأ قوة الأردن من زاوية الرد العسكري وحده، كما لا ينبغي اختزالها في التضامن الشعبي وحده، إن مصدر القوة الحقيقي يكمن في تكامل هذه العناصر، وفي قدرة الدولة على الانتقال من احتواء الأزمة إلى منع تكرارها، ومن حماية الأمن إلى تعزيز الثقة، ومن ملاحقة الجريمة إلى معالجة جذور التطرف.

 

لقد أثبتت التجربة الأردنية أن أمن الوطن مسؤولية لا تقبل التجزئة، وأن وحدة المجتمع ليست شعارًا موسميًا، بل ركيزة أساسية لاستقرار الدولة، وتبقى الأولوية في المرحلة المقبلة أن تستمر المؤسسات في أداء واجباتها، وأن تتحقق العدالة، وأن تُحمى حقوق المواطنين، وأن تبقى المملكة عصية على كل محاولة للمساس بأمنها أو تفكيك نسيجها الوطني.

 

إن هيبة الدولة لا تُقاس بحدة خطابها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها، وإنفاذ القانون، وردع التهديدات، والحفاظ على وحدة المجتمع، والأردن الذي يواجه هذه التحديات بمؤسساته وقيادته وشعبه، مطالب اليوم بأن يجعل من هذه المحنة دافعًا لمزيد من اليقظة والتماسك والقدرة على حماية المستقبل.

 

رحم الله شهداء الكرك، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء، وحفظ الأردن آمنًا مستقرًا في ظل قيادته الهاشمية ومؤسساته الوطنية وشعبه المتماسك.