الدين لا يصنع أمة، ولا يحدد من يمثلني
د. طـارق سـامي خـوري
عندما نحمّل ديناً
مسؤولية جريمة ارتكبها أحد أتباعه، فإننا نبتعد عن الواقع، وعن الطبيعة البشرية،
وعن مفهوم الوطن والأمة وأسس تكوينهما.
لنفترض أن مسيحياً
أمريكياً أو أوروبياً ارتكب جريمة قتل أو مارس التحريض والكراهية، فهل يمثلني
لمجرد أنه مسيحي؟ وهل يكون أقرب إليّ من ابن وطني وأمتي المسلم؟ بالتأكيد لا.
من يمثلني هو ابن وطني
وأمتي، مهما كان دينه. هو أخي وجاري وزميلي وشريكي في الأرض والحياة والمصير. ما
يصيبه من شر يصيبني، وما يناله من خير ينعكس عليّ. تجمعنا الجغرافيا والتاريخ
والمصالح والاقتصاد ووحدة المصير، لا مجرد الانتماء الديني.
أنا مسيحي في إيماني،
لكن المسيحي الأمريكي أو الأوروبي لا يمثلني لمجرد أننا نتبع الدين نفسه، كما أن
المسلم في وطني وأمتي لا يصبح غريباً عني لاختلاف دينه عن ديني.
ولنا في التاريخ شاهد
على ذلك… فخلال الحملات الصليبية، لم يقف مسيحيو المشرق إلى جانب القادمين من
أوروبا لمجرد اشتراكهم معهم في الدين، بل رفضوا تلك الحملات، و وقفوا إلى جانب
المسلمين في مواجهتها. لقد أدركوا أن الصليبي القادم من أوروبا لا يمثلهم لمجرد
أنه مسيحي، وأن ابن أرضهم الذي يشاركهم الحياة والمصير أقرب إليهم مهما اختلف دينه.
فالدين لا يصنع أمة،
ولا يحدد الانتماء القومي، ولا يمنح أحداً حق تمثيل جميع المؤمنين به. والأديان
جاءت لخدمة الإنسان وإعلاء قيم المحبة والخير، لا لتقسيم أبناء الوطن الواحد
وتحميلهم وزر أفعال لم يرتكبوها.
ولا وجود لأمة مسيحية
تجمع مسيحيي العالم، كما أن وحدة الدين لا تكفي لصناعة أمة إسلامية. الأمم تصنعها
وحدة الحياة في بيئتها الطبيعية، بما تجمعه من أرض وتاريخ ومصالح ومصير.
أنا أنتمي إلى أمتي
السورية (بلاد الشام)، وأرى في كل ابن من أبنائها أخاً وشريكاً في المصير، مسيحياً
كان أم مسلماً، لا يعلو أحدهما على الآخر بدينه، ولا يتحمل أحدهما جريمة الآخر.
لا يمثلني من يشاركني
ديني ويختلف عني في الانتماء والمصير، بل يمثلني ابن أمتي الذي يشاركني الأرض
والحياة والمستقبل، مهما كان دينه.
فلا تجعلوا من جرائم
الأفراد جرائم أديان، ولا من اختلاف الأديان سبباً لتقسيم أبناء الأمة الواحدة.

















