ماذا بعد جريمة الكنيسة في الكرك؟ من يستهدف استقرار الأردن ومن المستفيد من الفتنة؟
بقلم المهندس نديم
الفقهاء
إن قراءة جريمة الكنيسة
في الكرك باعتبارها حادثة أمنية معزولة قد تحجب عنا أبعادا أكثر خطورة تتصل بطبيعة
التهديدات التي تواجه الدولة الأردنية في محيط إقليمي تتشابك فيه المصالح
والصراعات ومشروعات النفوذ فاستهداف مكان للعبادة في مجتمع يتميز بتاريخ طويل من
التعايش الإسلامي المسيحي يثير تساؤلات تتجاوز هوية المنفذين إلى الغايات المحتملة
من الجريمة وما إذا كان المقصود إيقاع الضحايا فحسب أم إحداث شرخ في النسيج الوطني
وإرباك الجبهة الداخلية ومن الخطأ الجزم بأن ما حدث يمثل بداية مخطط أوسع دون أدلة
لكن من الخطأ أيضا إغفال هذا الاحتمال في التقدير الأمني والاستراتيجي لأن الإرهاب
لا يقاس بخسائره المباشرة وحدها بل بقدرته على إنتاج تداعيات سياسية واجتماعية
تتجاوز لحظة التنفيذ
والسؤال الأكثر أهمية
هنا ليس فقط من نفذ الجريمة بل من يمكن أن يستفيد من اضطراب الأردن وإضعاف تماسكه
الداخلي فالأردن ليس دولة هامشية في معادلات المنطقة وإنما يمثل ثقلا سياسيا
وأمنيا في ملفات فلسطين والقدس والحدود والتوازنات الإقليمية وهنا لا يمكن إغفال
إسرائيل وسياسات حكوماتها المتعاقبة تجاه القضية الفلسطينية ولا سيما التوجهات
اليمينية المتطرفة الداعية إلى الضم والتهجير وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في
الضفة الغربية فالأردن المستقر والقوي يشكل عائقا سياسيا أمام أي مشروع يستهدف
تصفية القضية الفلسطينية على حسابه بينما قد يؤدي انشغاله بأزمات داخلية إلى إضعاف
قدرته على مواجهة هذه المشروعات غير أن تقاطع نتائج الإرهاب مع مصالح بعض الأطراف
لا يثبت تورطها فيه فثمة مسافة جوهرية بين تحليل المستفيد وتحديد الفاعل لا يجوز
تجاوزها دون قرائن وأدلة موثوقة
إن أخطر ما يمكن أن
يعقب الجريمة هو انتقال أثرها من الميدان الأمني إلى الوعي الجمعي للأردنيين عبر
نشر الخوف والإشاعات وإثارة الشكوك المتبادلة بين مكونات المجتمع فاستهداف الكنيسة
يحمل قابلية للاستغلال الطائفي حتى إن لم تثبت هذه الغاية لدى المنفذين ولذلك فإن حماية
العيش المشترك لا تتحقق بالخطابات العاطفية وحدها وإنما ببناء وعي وطني يرفض
التعميم والتحريض ويحصن المجتمع من التضليل وهنا تتحمل الدولة مسؤولية أساسية في
تقديم المعلومات الدقيقة والشفافة لأن الغموض الرسمي يفتح المجال أمام روايات
بديلة قد تتحول إلى أدوات للفتنة كما أن ثقة المواطن بمؤسسات الدولة لا تبنى
بالمطالبة بالصمت أو التسليم المطلق وإنما بالصدق والمساءلة واحترام حق المجتمع في
المعرفة
وعلى الدولة الأردنية
أن تتعامل مع ماضي الإرهاب باعتباره مصدرا للمعرفة الاستراتيجية لا مجرد سجل
للأحداث فتجارب المواجهة السابقة تستوجب مراجعة علمية تبحث في أنماط التجنيد
والتحريض والتمويل والثغرات التي تستغلها الجماعات المتطرفة مع تطوير قدرات
الأجهزة الأمنية والاستخبارية والتشريعات الناظمة لعملها وتعزيز التنسيق الإقليمي
والدولي للكشف المبكر عن التهديدات العابرة للحدود غير أن الأمن الاستباقي لا يعني
التوسع غير المنضبط في الإجراءات الاستثنائية بل بناء منظومة محترفة تجمع بين
الكفاءة الأمنية وسيادة القانون والرقابة المؤسسية فالدولة القوية ليست تلك التي
تلاحق الخطر بعد وقوعه فحسب وإنما التي تمتلك القدرة على فهم مقدماته ومنع تشكله
دون الإضرار بالحقوق والحريات التي تمثل أحد مصادر شرعيتها
وفي المقابل لا يمكن
اختزال الأمن الوطني في قدرات الأجهزة الأمنية مهما بلغت كفاءتها لأن الاستقرار
المستدام يرتبط أيضا بطبيعة العلاقة الاقتصادية والاجتماعية بين المواطن والدولة
فالبطالة والفقر والتفاوت التنموي وغياب تكافؤ الفرص والشعور بالتهميش ليست أسبابا
حتمية للإرهاب لكنها قد تخلق بيئات قابلة للاستغلال عندما تتداخل مع الإحباط وفقدان
الثقة وخطابات التطرف ومن هنا تصبح التنمية العادلة في المحافظات ومكافحة الفساد
وتحسين الخدمات وتوسيع فرص العمل وتعزيز المساواة استثمارات مباشرة في المناعة
الوطنية فالمواطن الذي يشعر بأن له مستقبلا في وطنه وأن حقوقه مصونة وأن الدولة
تنصفه لا يحتاج إلى من يلقنه معنى الانتماء لأن المواطنة الحقيقية تتجذر بالممارسة
والعدالة قبل الشعارات
ولعل التحدي الأعمق
أمام الأردن يتمثل في إدراك أن تهديد الدول لم يعد يقتصر على الاختراق العسكري أو
الأمني المباشر بل قد يتخذ أشكالا مركبة تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية وحملات
التضليل والاستقطاب المجتمعي والضغوط السياسية الخارجية وهو ما يستدعي قراءة
مترابطة للأمن الوطني دون الوقوع في فخ تفسير كل أزمة باعتبارها مؤامرة فليس كل
اضطراب نتيجة تدخل خارجي وليس كل مستفيد شريكا في التخطيط لكن هشاشة الداخل قد
تمنح الأطراف المتربصة فرصا لاستثمار الأزمات وتوجيه نتائجها ولذلك فإن تحصين
الأردن يبدأ من إصلاح مؤسساته وتعزيز الثقة العامة وفتح المجال للنقد المسؤول
وتطوير إعلام مهني قادر على كشف التضليل ومساءلة السلطة في الوقت نفسه فالمجتمع
الذي يمتلك المعرفة والعدالة والثقة يصعب تحويل اختلافاته الطبيعية إلى صراعات
تهدد وجوده
إن ما بعد جريمة
الكنيسة في الكرك يجب ألا يكون مجرد استنفار أمني مؤقت أو موجة تضامن تنتهي
بانحسار الاهتمام الإعلامي وإنما لحظة مراجعة وطنية تعيد تعريف الأمن باعتباره
نتاجا مشتركا للسيادة والعدالة والتنمية والوعي والوحدة المجتمعية فالأردن الذي
يواجه تحديات إقليمية معقدة وفي مقدمتها السياسات الإسرائيلية تجاه فلسطين يحتاج
إلى جبهة داخلية متماسكة لا تقوم على إخفاء المشكلات بل على معالجتها ولا على
التخويف من الاختلاف بل على إدارته في إطار المواطنة المتساوية وستظل الحقيقة الأساسية
أن الإرهاب لا يحقق غايته بمجرد إراقة الدماء وإنما عندما ينجح في تحويل الخوف إلى
انقسام والشك إلى قطيعة بين المواطن ودولته وبين أبناء الوطن الواحد ولهذا فإن
السؤال الحاسم ليس فقط من يقف وراء الجريمة بل هل نمتلك من الوعي والإرادة
والإصلاح ما يمنع أي جهة من تحويل نتائجها إلى مكاسب سياسية وأمنية على حساب
الأردن ومستقبله

















