تقدير موقف: إسرائيل بين أزمة تشكيل الحكومة واستمرار التصعيد في فلسطين والمنطقة
عارف الهدمي
تحديث 30 تشرين الأول
2026 الساعة 11:46 صباحا بتوقيت عمّان
تدخل إسرائيل مرحلة
تتداخل فيها خسارة الأغلبية الحاكمة مع صعوبة تشكيل بديل واستمرار العمليات
العسكرية والاستعدادات الإقليمية وتتمثل المسألة المركزية في أن نتانياهو فقد
أغلبيته البرلمانية لكنه ما زال يتولى رئاسة الحكومة بينما لم يتمكن خصومه حتى
الآن من تحويل تفوقهم العددي إلى اتفاق على سلطة بديلة ولذلك فإن الأسابيع المقبلة
تحمل احتمال إضعافه داخل الكنيست بالتوازي مع احتفاظه بموقع مؤثر في إدارة الملفات
الأمنية والعسكرية
أظهرت نتائج اكتمال
الفرز حصول معسكر نتانياهو على 53 مقعدا مقابل 48 لمعسكر إيزنكوت و19 للأحزاب
العربية وبذلك خسر المعسكر الحاكم 15 مقعدا مقارنة بكتلته في الكنيست المنتهية
ولايته وأصبح مجموع القوى الواقعة خارجه 67 مقعدا ومن المنتظر تقديم النتائج
الرسمية إلى رئيس الدولة في الرابع من تشرين الثاني وانعقاد الكنيست الجديد في
العاشر منه لكن هذه الأكثرية العددية لا تشكل بذاتها ائتلافا سياسيا متجانسا
وتكشف أحدث التصريحات
عن تنازع بين ثلاثة اتجاهات يتمثل أولها في تمسك نتانياهو بالدعوة إلى حكومة
يمينية فيما يسعى إيزنكوت إلى تحويل نتائج الانتخابات إلى تغيير حكومي ويتقدم
اتجاه ثالث يدعو إلى حكومة وحدة فقد دعا وزير الدفاع السابق يوآف غالانت إلى حكومة
وحدة واسعة وحذر من الاعتماد على الأحزاب العربية كما دعا حاييم بيباس إلى حكومة
تجمع نتانياهو وإيزنكوت وتجنب انتخابات جديدة وتعكس هذه المواقف ضغطا متزايدا
لتجاوز الانسداد عبر تسوية بين القوى اليهودية الرئيسية على حساب خيار حكومة تستند
إلى الدعم العربي
في المقابل أعلن
إيزنكوت التحضير لدفع تشريعات بشأن الخدمة العسكرية والوطنية وإنشاء لجنة تحقيق
رسمية في أحداث السابع من أكتوبر فور انعقاد الكنيست وتمثل هذه الخطوة محاولة لفتح
مسار برلماني لا ينتظر اكتمال المفاوضات الحكومية غير أن تحفظات شركائه على
التعاون مع الأحزاب العربية وتمسك ليبرمان برفض حكومة مع نتانياهو أو القائمة
المشتركة يحدان من سهولة تحويل هذا المسار إلى حكومة مستقرة
أما معركة التشكيك في
الانتخابات فقد واجهتها لجنة الانتخابات برفض ادعاءات التزوير الواسع وأوضح
الشاباك أن التحقيق في التدخل الخارجي محدود النطاق بينما أكد لابيد عدم وجود ما
يعوق انعقاد الكنيست وحذر هرتسوغ من وصم مجتمع كامل بسبب شبهات تحتاج إلى التحقيق
ودعا الكتل إلى النظر في مصلحة الدولة خلال المشاورات المقبلة وبذلك يتجه الصراع
نحو اختبار قدرة المؤسسات على استكمال الإجراءات بالتوازي مع تصاعد الاستقطاب
السياسي
دستوريا يستطيع الكنيست
الجديد ممارسة مهامه قبل تشكيل الحكومة ويمكن لتفاهم بين قوى مختلفة أن يغير إدارة
العمل البرلماني ويدفع تشريعات محددة لكن انتخاب رئيس جديد للكنيست أو تعديل
القوانين يحتاج إلى اتفاق فعلي واستيفاء الإجراءات والأغلبيات المطلوبة كما أن تشكيل
حكومة لا يستلزم بالضرورة 61 صوتا مؤيدا في تصويت الثقة الأول إذ نالت حكومة بينيت
الثقة عام 2021 بستين صوتا مقابل تسعة وخمسين وامتناع نائب واحد ومع ذلك تبقى
القدرة على تمرير الموازنة وضمان الاستمرار أصعب من اجتياز جلسة الثقة وحدها
وعلى الساحة الفلسطينية
تتواصل الاعتداءات رغم انشغال إسرائيل بنتائج الانتخابات ففي غزة أفادت تقارير
التاسع والعشرين من تشرين الأول بمقتل فلسطينيين في غارة على سيارة بمخيم المغازي
واستمرار القصف رغم وقف إطلاق النار
وفي الضفة الغربية تبرز
الخليل بوصفها بؤرة شديدة الحساسية فقد نشرت تقارير صباح الثلاثين من تشرين الأول
أن القوات الإسرائيلية أخلت سكانا من حي في المدينة استعدادا لهدم منزلي منفذي
هجوم الأسبوع الماضي كما نقلت إعلان مجلس مستوطنات جبل الخليل إقامة ثماني بؤر
استيطانية جديدة ردا على الهجوم وهذا الإعلان لا يعني اكتمال إقامتها لكنه يكشف
اتجاه استثمار الحدث الأمني لتوسيع الوجود الاستيطاني
وفي تطور يستوجب
المتابعة أفاد تقرير إسرائيلي بإمكان تقليص الوجود العسكري في المنطقة خلال نهاية
الأسبوع بعد إجلاء آلاف الفلسطينيين لكنه أكد أن الأمر غير محسوم ونقل أن نتانياهو
رفض قبل الانتخابات توصية عسكرية بالسماح بعودة السكان ولذلك فإن معيار التهدئة
الفعلي سيكون عودة الأهالي ووقف الهدم ورفع القيود وليس مجرد إعلان إعادة انتشار
القوات
وعلى الجبهة اللبنانية
نقلت تقارير التاسع والعشرين من تشرين الأول قصفا مدفعيا إسرائيليا بين ميفدون
وزوطر الشرقية وتفجيرات في دير ميماس وقصفا طال مناطق أخرى بينها كفرتبنيت وبراشيت
ووادي الحجير وتشير هذه الوقائع إلى استمرار الضغط العسكري لكنها لا تكفي منفردة
للجزم بأن قرار حرب شاملة جديدة قد اتخذ
أما التطور الإقليمي
الأشد حساسية فهو ما نقلته تقارير منشورة في الثلاثين من تشرين الأول عن وصول عشر
طائرات نقل عسكرية أمريكية إلى قواعد جنوب إسرائيل ضمن حركة إمداد أوسع في المنطقة
ورجحت التقارير ارتباط الشحنات بتعزيز الدفاعات الجوية ومخزونات الاعتراض كما نقلت
عن مصدر إسرائيلي وجود تنسيق وثيق بشأن إيران مع تأكيد أن القرار الأمريكي لم يحسم
بعد ولذلك فإن هذه التحركات ترفع مستوى الاستعداد لمواجهة محتملة لكنها لا تثبت
موعد ضربة أو حتمية تنفيذها
التقدير السياسي
والأمني هو أن استمرار نتانياهو في الحكم خلال المفاوضات يمنحه مجالا للمناورة
بينما يشكل احتمال خسارته السيطرة على جدول أعمال الكنيست ولجنة تحقيق السابع من
أكتوبر ضغطا متزايدا عليه ومن المعقول مراقبة احتمال توظيف التطورات الأمنية
لتعزيز موقعه أو الدفع نحو حكومة وحدة لكن لا توجد في الوقائع المعروضة أدلة كافية
لإثبات أن كل تصعيد قائم تقرر بهدف إنقاذه سياسيا كما أن التحركات الأمريكية ترتبط
بحسابات تتجاوز الأزمة الحكومية الإسرائيلية
ويظل المسار الأقرب في
المدى المباشر مفاوضات صعبة تتخللها محاولات لتشكيل أغلبيات برلمانية بحسب القضية
المطروحة مع استمرار العمليات والضغوط الميدانية أما الحكومة البديلة فتتطلب
تنازلات لم تتبلور بعد وحكومة الوحدة تحتاج إلى تسوية بشأن القيادة والشركاء ولجنة
التحقيق فيما يبقى تكرار الانتخابات احتمالا قائما إذا فشلت المسارات الأخرى
بالنسبة لفلسطين والأردن ودول الخليج فإن
الأولوية هي منع تحول مرحلة الانتقال السياسي إلى فرصة لفرض وقائع إضافية على
الأرض وحماية المدنيين ورفض التهجير ومراقبة الاستعدادات الإقليمية وتنسيق المواقف
العربية تجاه أي توسع للحرب فخسارة نتانياهو الأغلبية لا تعني توقف أدوات القوة
الإسرائيلية كما أن صعود بديل له لا يضمن تحولا في الموقف من الحقوق الفلسطينية
ويجب قياس أي تغير بالقرارات المتعلقة بالعدوان والاستيطان والانسحاب وحقوق الشعب
الفلسطيني















