إسقاط نتنياهو لا يكفي: هل يتغير نهج المستعمرة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين؟
بقلم:
جودت مناع
كشفت
الانتخابات الأخيرة في المستعمرة الإسرائيلية عن مفارقة تستحق التوقف عندها؛ إذ يتابع
العرب ودول المنطقة نتائجها باهتمام غير مسبوق، فيما تبدو استراتيجياتهم المستقلة
للتعامل مع تداعياتها غائبة أو غير واضحة، وكأن مستقبل المنطقة مرهون بهوية رئيس
الحكومة الإسرائيلية المقبل.
وبينما
تشير النتائج الأولية إلى تقدم معسكر بنيامين نتنياهو على منافسه غادي آيزنكوت،
يبرز سؤال جوهري: هل أصبح إسقاط نتنياهو هدفًا بحد ذاته، من دون معرفة حقيقة
سياسات من سيخلفه ودوره في الحرب على قطاع غزة؟
إن
التنافس على قيادة المستعمرة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة اختلافًا جوهريًا في
الموقف من الوجود الفلسطيني. فقد وفر مسؤولون عسكريون وسياسيون، بينهم آيزنكوت
وبيني غانتس، الغطاء السياسي أو العسكري للحرب، فيما استمرت اعتداءات المستعمرين
الإرهابيين على الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية. ولذلك، فإن تقييمهم يجب أن يستند
إلى مواقفهم وأفعالهم، لا إلى خلافاتهم مع نتنياهو أو خطابهم الانتخابي.
ولا
يمكن تجاهل الهيمنة التاريخية للنخب الصهيونية ذات الأصول الأوروبية على مراكز
القرار، وما رافقها من تهميش لفئات أخرى. لكن السؤال الأهم يبقى: هل سيؤدي تغيير
القيادة إلى إنهاء الاحتلال والاستيطان واحترام الحقوق الوطنية الفلسطينية، أم
سيكون مجرد تبادل للأدوار داخل منظومة سياسية لم تتخلَّ عن سياساتها تجاه
الفلسطينيين؟
هذا
هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين والعرب، وكذلك الدول التي اتخذت مواقف
معارضة لحرب الإبادة على قطاع غزة، أو اعترفت بدولة فلسطين، أو فرضت عقوبات
وإجراءات على شخصيات إسرائيلية مرتبطة بسياسات الاحتلال.
فمن
الخطأ اختزال المشهد في ثنائية نتنياهو وآيزنكوت، أو التعامل مع هزيمة الأول
المحتملة باعتبارها انتصارًا تلقائيًا للعدالة وحقوق الشعب الفلسطيني. إن تقييم أي
قيادة إسرائيلية يجب أن يستند إلى مواقفها العملية من الاحتلال والاستيطان وحق
الفلسطينيين في تقرير المصير، ومن جرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين،
لا إلى خطابها الانتخابي أو خلافاتها مع خصومها السياسيين.
لقد
أظهرت التجربة الإسرائيلية أن التنافس الحزبي لا يعني بالضرورة التنافس على إنهاء
الاحتلال. فقد تتباين المواقف بشأن إدارة الحرب، أو كلفتها السياسية والأمنية، أو
العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، بينما يستمر التوافق على قضايا أساسية تتصل
بالسيطرة على الأرض الفلسطينية وفرض الوقائع الاستيطانية وتقييد الحقوق الوطنية
الفلسطينية.
ومن
هنا، فإن الحذر واجب من منح أي قيادة إسرائيلية جديدة صك براءة سياسيًا لمجرد أنها
جاءت خلفًا لنتنياهو، أو لأنها استخدمت خطابًا أقل تطرفًا في بعض الملفات.
من
المسؤول عن حرب الإبادة وما رافقها من جرائم؟
لا
يمكن تقييم آيزنكوت أو غيره من القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين بمعزل عن
أدوارهم السابقة ومواقفهم من الحرب على قطاع غزة، ولا عن سياسات الاحتلال في الضفة
الفلسطينية والقدس المحتلة.
إن
المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الحرب وما رافقها من قتل ودمار وتهجير لا تسقط
بتغيير الحكومة، كما أن المسؤولية القانونية عن أي جرائم محتملة لا تُحسم
بالانتماء الحزبي أو بنتائج الانتخابات، وإنما تستند إلى الوقائع والأدلة
والتحقيقات والقرارات القضائية المختصة.
وقد
شارك قادة عسكريون وسياسيون في إدارة الحرب أو دعمها أو توفير الغطاء السياسي لها،
فيما استمرت اعتداءات المستعمرين الإرهابيين على الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم
في الضفة الفلسطينية، بالتوازي مع توسع الاستيطان وتقييد حياة السكان.
وعليه،
فإن أي تقييم جاد لآيزنكوت وبيني غانتس وغيرهما من المسؤولين السابقين والحاليين
يجب أن يتناول مواقفهم وأدوارهم الفعلية، لا أن يفترض اختلافهم عن نتنياهو لمجرد
أنهم ينافسونه على السلطة.
إن
المطلوب ليس إطلاق أحكام جماعية بلا أدلة، بل رفض تبرئة أي مسؤول من مسؤوليته السياسية
أو القانونية قبل فحص سجله ومواقفه وأفعاله. فحقوق الشعب الفلسطيني ليست ورقة
انتخابية، ودماء الضحايا ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه في حسابات تشكيل الحكومات.
الصراع
على قيادة المستعمرة لا يعني الصراع على إنهاء الاحتلال
ثمة
حقيقة أخرى ينبغي عدم إغفالها، وهي أن بنية النظام السياسي الإسرائيلي تأثرت
تاريخيًا بهيمنة النخب الصهيونية ذات الأصول الأوروبية، وباختلالات اجتماعية
وإثنية انعكست على توزيع النفوذ والسلطة. لكن هذه المسألة، على أهميتها، لا ينبغي
أن تحجب السؤال الأساسي: هل يلتزم المتنافسون بإنهاء الاحتلال واحترام الحقوق
الفلسطينية، أم يختلفون على إدارة المشروع الاستيطاني وأدواته؟
إن
استبدال نتنياهو بآيزنكوت، أو بغيره من قادة المعسكر المنافس، لا يضمن تغييرًا
جوهريًا في السياسات تجاه الفلسطينيين. ولا يمكن افتراض أن القيادة الجديدة ستتخلى
عن الاستيطان أو تنهي السيطرة العسكرية أو تعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية ما لم
تعلن التزامًا واضحًا بذلك، وتترجمه إلى إجراءات قابلة للتحقق.
فالرهان
على هوية رئيس الحكومة وحدها قد يقود إلى خطأ استراتيجي، يتمثل في تعليق المواقف
الفلسطينية والعربية والدولية انتظارًا لما ستقرره الحكومة الجديدة، ثم منحها
الوقت والفرص من دون شروط أو ضمانات.
*ما المطلوب من الدول
الإقليمية والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي؟*
إن
المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة جادة لسياسات التعامل مع المستعمرة الإسرائيلية، على
أساس المصالح الوطنية والقانون الدولي، لا على أساس التوقعات المتعلقة بهوية رئيس
الحكومة المقبل.
ويشمل
ذلك الدول العربية، ودول المنطقة، وروسيا والصين، والدول الأوروبية وغيرها من
الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، أو اتخذت مواقف مناهضة للحرب، أو أعلنت إجراءات
تقييدية ضد مسؤولين أو مستعمرين متورطين في انتهاكات.
ويجب
ألا تتحول المواقف السابقة إلى إجراءات مؤقتة مرتبطة ببقاء نتنياهو في السلطة، أو
إلى وسيلة للانتقام منه لأن محاكمته قد تجري أمام قضاة المحكمة الجنائية الدولية،
بحيث يجري التراجع عنها أو تجميدها بمجرد وصول قيادة جديدة تقدم نفسها باعتبارها
بديلًا أكثر اعتدالًا.
إن
أي مراجعة للعقوبات أو الإجراءات السياسية والاقتصادية يجب أن ترتبط بتغييرات
ملموسة، من بينها وقف الاعتداءات على المدنيين، ووقف التوسع الاستيطاني، ومحاسبة
المسؤولين عن الانتهاكات واحتلال أراضٍ في لبنان وسوريا، واحترام حقوق الشعب
الفلسطيني، واتخاذ خطوات فعلية نحو إنهاء الاحتلال.
ولا
أقصد هنا الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، في ظل شراكتها الاستراتيجية مع
الحكومة الإسرائيلية وسياساتها تجاه الحرب، بقدر ما أقصد الدول التي أعلنت
التزامها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، والتي ينبغي أن تثبت أن مواقفها ليست
مجرد رد فعل ظرفي على سياسات نتنياهو.
فقد
يأتي من يقول: دعونا ننتظر خطة «ملك إسرائيل» الجديد، ونراقب سياساته قبل اتخاذ
قرارات جديدة أو إعادة النظر في الإجراءات القائمة.
لكن
هذا المنطق ينطوي على مخاطر واضحة؛ إذ يمنح القيادة الجديدة فرصة لإعادة بناء
صورتها الدولية، من دون أن تقدم بالضرورة تنازلات حقيقية بشأن الاحتلال والاستيطان
والحقوق الفلسطينية. ولذلك، فإن المعيار يجب أن يكون الأفعال والنتائج، لا الوعود
والتصريحات.
**الإنجاز الفلسطيني في
الانتخابات الإسرائيلية يستحق البناء عليه**
في
المقابل، لا بد من الإشادة بالمشاركة المسؤولة للعرب الفلسطينيين في الانتخابات،
وبالنتائج التي حققتها القوائم العربية، والتي تعكس حضورًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
إن
هذه المشاركة تمثل تعبيرًا عن التمسك بالحقوق السياسية والمدنية، وعن قدرة
المواطنين الفلسطينيين على التأثير في المشهد الداخلي، رغم التمييز ومحاولات
التهميش والإقصاء.
لكن
أهمية هذه النتائج لا تقتصر على عدد المقاعد التي حصلت عليها القوائم العربية، بل
تمتد إلى ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، وربط النضال السياسي داخل
المستعمرة الإسرائيلية بحقوق الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده.
ومن
الضروري أيضًا التنبه إلى محاولات التشكيك في نزاهة الانتخابات أو استغلال مزاعم
غير مثبتة للطعن في المشاركة العربية، بما قد يفضي إلى تهميش الناخبين الفلسطينيين
والتقليل من وزنهم السياسي. وينبغي التعامل مع أي ادعاءات بشأن المخالفات
الانتخابية من خلال الأدلة والإجراءات القانونية، لا عبر حملات التشهير والتحريض.
إن
المطلوب فلسطينيًا هو البناء على هذا الإنجاز، وتعزيز وحدة الصف، وتطوير أدوات
العمل السياسي والإعلامي والقانوني، بما يحفظ الحقوق الوطنية ويمنع استغلال
الخلافات الإسرائيلية الداخلية على حساب القضية الفلسطينية.
كما
أن على الدول العربية والمجتمع الدولي دعم المشاركة الفلسطينية ورفض التمييز
السياسي، من دون الخلط بين الاعتراف بأهمية الإنجاز الانتخابي وبين الرهان على أن
هذا الإنجاز وحده قادر على تغيير سياسات المستعمرة الإسرائيلية.
**الخلاصة: لا تغيير بلا
شروط واضحة**
إن
الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة ليست نهاية الصراع، ولا تمثل بحد ذاتها تحولًا نحو
السلام أو إنهاء الاحتلال. إنها محطة سياسية تكشف موازين القوى داخل المستعمرة،
لكنها لا تقدم ضمانات بشأن مستقبل الشعب الفلسطيني.
ولهذا،
فإن المطلوب الآن هو الانتقال من مراقبة نتائج الانتخابات إلى بناء استراتيجية
فلسطينية وعربية ودولية مستقلة، تقوم على حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية،
ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ووقف الاستيطان والاعتداءات، وعدم منح أي حكومة
جديدة امتيازات سياسية لمجرد أنها خلفت نتنياهو.
إن
التغيير الحقيقي لا يُقاس باسم رئيس الحكومة، بل بما يتغير على الأرض: هل ينتهي
الاحتلال؟ هل يتوقف الاستيطان؟ هل تُحمى القدس ومقدساتها؟ وهل يحصل الشعب الفلسطيني
على حقوقه الوطنية المشروعة؟
إلى
أن تتوافر إجابات عملية عن هذه الأسئلة، فإن الحذر واجب، والرهان على تبديل الوجوه
وحده خطأ استراتيجي.
فالمطلوب
ليس إسقاط نتنياهو فحسب، بل إنهاء السياسات التي جعلت الاحتلال والاستيطان
والاعتداء على الحقوق الفلسطينية نهجًا مستمرًا، بصرف النظر عمن يتولى السلطة في
المستعمرة الإسرائيلية


















