تقدير موقف سياسي استراتيجي
إسرائيل بعد الانتخابات من مأزق الأغلبية إلى الصراع على شرعية الحكم وانعكاساته الفلسطينية والإقليمية
إعداد عارف الهدمي
الخميس 29 تشرين الأول أكتوبر 2026
حتى الساعة الخامسة وخمسين دقيقة مساء بتوقيت عمان
يستند هذا التقدير إلى المعلومات والتصريحات المنشورة التي
أمكن التحقق منها حتى وقت إعداده مع بقاء النتائج الانتخابية قيد الاستكمال والتدقيق
تشير التطورات إلى أن الانتخابات الإسرائيلية لم تنتج أغلبية
حاكمة واضحة وأن الصراع انتقل من التنافس على المقاعد إلى معركة على تشكيل أغلبية
بديلة وعلى شرعية الاستناد إلى أصوات النواب العرب
وبحسب التحديث المنشور عند الساعة الثالثة و23 دقيقة بعد الظهر
بقي توزيع المعسكرات عند 53 مقعدا لمعسكر نتنياهو و48 للمعارضة الصهيونية و19
للقائمتين العربيتين مع انتقال مقعد داخل معسكر نتنياهو من شاس إلى الليكود دون
تغيير ميزان القوى بين المعسكرات وهذه أرقام مرحلية وليست نتائج نهائية مصدقة
وتعني هذه المعادلة أن نتنياهو لم يحصل على أغلبية تكفي
لاستمرار ائتلافه الحالي وأن خصومه لم يحصلوا على أغلبية سياسية متجانسة تضمن
إخراجه من الحكم فالمقاعد المناوئة له تضم قوى تختلف في موقفها من المشاركة
العربية ومن تركيبة الحكومة المقبلة وبرنامجها
ودخل التحقيق في شبهات التمويل الأجنبي إلى قلب هذه المعادلة
بعدما طلب رئيس لجنة الانتخابات نوعام سولبرغ من الشاباك فحص معلومات عن تأثير غير
مشروع عبر تمويل أجنبي وتقديم ما يتوافر من نتائج خلال أسبوع مع تأكيده أنه لا
يستطيع الجزم بصحة الشبهات ولذلك فإن المهلة تخص تقديم النتائج المتاحة ولا تعني
بالضرورة إنجاز التحقيق وإغلاقه خلالها
وتكشف التغطية المتاحة عن روايات متفاوتة بشأن حجم القضية فقد
نقلت تقارير أن رئيس الشاباك عرض المعلومات على سولبرغ وأن فحصها بدأ قبل الاقتراع
بينما نقلت تقارير لاحقة عن مصادر غير مسماة أن نطاق الشبهات أصغر مما توحي به
الحملة الإعلامية كما أعلن المدير العام للجنة الانتخابات أنه لا أساس لادعاءات
سرقة الانتخابات وهو تفاوت يوجب انتظار الأدلة دون إنكار الشبهات أو تحويلها إلى
إدانة مسبقة
أما الاتهامات المتعلقة بقطر وتركيا والإخوان المسلمين فلا
تزال بحاجة إلى إثبات وتحديد للجهات والأفعال والأموال محل التحقيق وقد نفت قطر
التدخل أو تمويل أنشطة تستهدف التأثير في النتائج بينما نفى منصور عباس صلة
القائمة الموحدة بالقضية وأعلن الترحيب بالتحقيق والتعاون مع سلطات إنفاذ القانون
والتطور الأهم سياسيا أن الليكود ربط الشبهات برفض تعاون
الأحزاب الصهيونية مع القائمتين العربيتين ورفض استبدال رئيس الكنيست بأصواتهما
وبذلك أصبح التحقيق جزءا من الصراع على الأغلبية البرلمانية قبل تشكيل الحكومة
نفسها
وفي تقديرنا يستفيد نتنياهو من هذا التصعيد عبر رفع كلفة
التعاون مع العرب أمام خصومه وإضعاف قدرتهم على ترجمة نتائج الانتخابات إلى خطوات
مشتركة كما يحاول دفع أطراف المعارضة نحو تسوية معه تحت ضغط الخشية من حكومة تعتمد
على الدعم العربي
لكن هذه الاستفادة لا تعني ضمان بقائه فقد تدفع محاولة
التشكيك في النتائج خصومه إلى توحيد مواقفهم وتضع المؤسسات أمام اختبار الفصل بين
التحقيق في مخالفات محددة وبين نزع الشرعية عن جمهور كامل
ويكتسب موقف هرتسوغ أهمية في هذا السياق فقد طالب بتحقيق شامل
في الأدلة والشبهات وحذر في الوقت نفسه من وصم المجتمع العربي كله بسبب ممارسته حق
التصويت كما دعا القوى السياسية إلى الانفتاح في مشاورات تشكيل الحكومة
أما آيزنكوت فطالب بفحص التدخل الأجنبي ورفض توظيفه لتأخير
النتائج أو نزع الشرعية عن الكنيست المقبل لكن موقفه لا يحسم استعداده لتشكيل
حكومة تستند إلى القوائم العربية فيما كرر ليبرمان رفض المشاركة في حكومة مع
نتنياهو أو حكومة تعتمد على الأحزاب العربية الأمر الذي يزيد صعوبة تحويل المقاعد
المعارضة إلى أغلبية حاكمة
وعليه يبقى التكليف مفتوحا إلى حين استكمال النتائج
والمشاورات والتوصيات ولا يضمن تصدر الليكود نجاح نتنياهو في تشكيل الحكومة كما لا
يعني جمع مقاعد المعارضة والقوائم العربية وجود اتفاق سياسي جاهز وقد أعلن هرتسوغ
أن المشاورات ستأتي بعد تسلمه النتائج الرسمية
ويبدو استمرار التفاوض والضغط المتبادل أقرب مسارات الأجل
المباشر بينما تبقى المخرجات مفتوحة بين تسوية تضم أطرافا من المعسكرين أو حكومة
تعتمد على تفاهم مع القوائم العربية أو استمرار الانسداد وصولا إلى انتخابات أخرى
ولا تتوافر معطيات كافية لترجيح حاسم لأحدها
أما احتمال توظيف التصعيد العسكري لتغيير البيئة السياسية
فيستحق الرصد دون اعتباره قرارا ثابتا فالتصعيد قد يزيد الضغط لتشكيل حكومة وحدة
لكن تقدير احتماله يحتاج إلى مؤشرات عسكرية وقرارات حكومية ومواقف أميركية مستقلة
عن الخطاب الانتخابي
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى المهللين من العرب
والفلسطينيين لاحتمال سقوط نتنياهو
هل مشكلتنا مع شخص نتنياهو وحده أم مع مشروع الاحتلال
والاستيطان وفرض الهيمنة على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وسيادة دول المنطقة
إن اختزال الصراع في شخص رئيس الحكومة يفتح الباب لوهم أن
منافسه سيكون بالضرورة أفضل للفلسطينيين أو حليفا للعرب بينما معارضة نتنياهو لا
تعني معارضة الاحتلال والاختلاف معه على إدارة الحرب لا يعني رفض أهدافها
ولا يجوز تحويل آيزنكوت أو غيره إلى مرشح عربي أو فلسطيني
لمجرد أنه ينافس نتنياهو فالرهان السياسي يحتاج إلى مواقف والتزامات واضحة بشأن
إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان ورفض التهجير والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في
تقرير مصيره
ومع وجود اختلافات بين القوى الصهيونية في الأساليب
والأولويات والتحالفات فإن هذه الاختلافات لا تكفي لإثبات وجود بديل يعترف بالحقوق
الفلسطينية ويحترم سيادة الإقليم العربي والشرق أوسطي فقد تتصارع الوجوه على قيادة
المشروع وتختلف في وسائل خدمته دون التخلي عن مرتكزاته
ومن هنا فإن عبارة وجهين لعملة واحدة تعبر عن استمرار
السياسات حين تتغير القيادات وتبقى الأرض محتلة والحقوق منكرة أما الحكم الدقيق
فيبقى على البرامج والقرارات والممارسات ويمكن التعامل مع التناقضات الإسرائيلية
لتقليل الضرر وانتزاع الحقوق دون تحويلها إلى ولاء لهذا المرشح أو ذاك
فلسطينيا تبرز ضرورة حماية حق فلسطينيي الداخل في المشاركة
والتمثيل ورفض اتهامهم جماعيا مع أهمية التنسيق لتحويل وزنهم البرلماني إلى
التزامات قابلة للمساءلة وعدم استهلاكه في تغيير الأشخاص وحدهم
وأردنيا تتمثل الأولوية في متابعة السياسات المتعلقة بالضفة
الغربية والقدس والتهجير والحدود فالتسويات بين الأحزاب الإسرائيلية قد تغير
تركيبة الائتلاف دون أن تبدل بالضرورة اتجاهاته تجاه القضية الفلسطينية
أما لبنان وسوريا وبقية ساحات المنطقة فتستدعي مرحلة الانتقال
الحكومي يقظة تجاه استمرار العمليات العسكرية أو توسيع الضغط السياسي والأمني مع
تجنب تفسير كل تطور ميداني بالأزمة الانتخابية وحدها
وسيكون الاختبار الفاصل في نتائج التحقيق واستكمال الفرز وأي
إجراء رسمي يؤثر في النتائج ثم توصيات الأحزاب وقدرتها على الاتفاق على رئاسة
الكنيست والحكومة المقبلة
التقدير العام أن نتنياهو يحتفظ بأدوات للبقاء والتعطيل بينما
تملك المعارضة فرصة عددية لم تتحول بعد إلى اتفاق سياسي وأن الخطر المباشر يتمثل
في استخدام اتهامات لم تحسم لعزل التأثير العربي
وتبقى المصلحة الفلسطينية والعربية مرتبطة بتغيير السياسات
وإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق واحترام سيادة الدول فمعركتنا ليست لتحديد من يحكم
إسرائيل بل لمنع استمرار العدوان والهيمنة وفرض الوقائع على حساب شعبنا ومنطقتنا


















