شريط الأخبار
صفقة امريكية محتملة لبيع الأردن منظومة أسلحة بـ 100 مليون دولار الأردن و "النقد الدولي" يصلان إلى اتفاق بشان مراجعة الاصلاح الاقتصادي حين تنطق الجينات بما حاولت الخرائط إخفاءه تحريض اسرائيلي لواشنطن: ايران تدرس استخدام أسلحة كيميائية تسعة شهداء... فهل يليق بنا أن نحتفل وكأن شيئاً لم يحدث؟ الطراونة: "النواب" سيكثف الجلسات الرقابية.. ونهدف لتعزيز ثقة الشارع بالمجلس ترامب: سنوقف المساعدات لإسرائيل بنهاية العام الجاري! جمعية أدلاء السياح تعلن وقف التعامل مع برنامج القرض بصيغته الحالية الجنوب السوري وسيناريو "الفوضى غير الخلّاقة" مصانع الشيبس تحذر من تفاقم أزمتها وتطالب بحلول عاجلة تراعي الأبعاد الصحية والاقتصادية مشاجرة طلابية في جامعة البلقاء التطبيقية إيران على حافة الانفجار بين مفاوضات الفرصة الأخيرة وحسابات الضربة إيران تصر على استجابة واشنطن لشروطها السبعة قبل فتح هرمز ولي العهد يبدأ زيارة عمل إلى أستونيا الأربعاء انتخاب الطهراوي وابورمان مساعدين لرئيس مجلس النواب نيابة أمن الدولة توجه 7 تهم لمتهمي العمل الإرهابي بكنيسة حمود.. وتحيلها للمحكمة الغويري نائبا ثانيا لرئيس مجلس النواب أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين… اعتماد دولي جديد يرسّخ مسيرة التميّز ويعزّز الاستثمار في مستقبل التعليم برعاية الفوسفات .. إنطلاق أعمال المؤتمر الفني الدولي 38 للاتحاد العربي للأسمدة والمعرض المصاحب الحيصة: أكثر من 650 موقعا للحصاد المائي في الأردن بسعة 150 مليون م3

حين تنطق الجينات بما حاولت الخرائط إخفاءه

حين تنطق الجينات بما حاولت الخرائط إخفاءه

 


تقديم: عارف الهدمي

 

هل يمكن أن يحتفظ الجسد بذاكرة أقدم من الحدود وأن تحمل خلايانا آثار رحلات لم تكتبها الكتب وصلات لم تستطع الخرائط قطعها

 

في هذا الحديث يأخذنا الدكتور سعيد إسماعيل عالم الجينوم والمدير المؤسس لبرنامج قطر جينوم في رحلة بين علم الأحياء والتاريخ يطرح خلالها قراءة للتشابك البشري في منطقتنا ولما يمكن أن تكشفه دراسة الحمض النووي عن الهجرات والاختلاط السكاني واستمرار الصلات بين الشعوب عبر آلاف السنين

 

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة حين تصل إلى فلسطين حيث يصبح البحث في الماضي جزءا من مواجهة محاولات طمس الحضور الفلسطيني واختزال تاريخ الأرض في رواية واحدة تستبعد سواها

 

وقوة الحديث في جمعه بين التجربة العلمية والسؤال الإنساني مع تأكيد صاحبه أن الحمض النووي ليس جواز سفر ولا شهادة ملكية فحقوق الشعوب لا تتوقف على نتيجة فحص جيني والبحث العلمي يستمد قيمته من دقة أدلته وحدود استنتاجاته

 

أضع بين أيديكم النص المفرغ والمنسق من حديث الدكتور سعيد إسماعيل في ملتقى بالعربي بعنوان الجينوم حين تكشف الجينات ما أخفته الخرائط مع إبقاء الآراء والاستنتاجات منسوبة إلى المتحدث والإشارة إلى موضع لم تتضح عبارته في التسجيل وهو حديث يستحق القراءة والتأمل والعودة إلى الدراسات التي يستند إليها

 

نص حديث الدكتور سعيد إسماعيل

 

وأنا صغير على مقاعد المدرسة كنت دائما منقسما بين شغفين الأحياء والتاريخ إلى أن جاءت المرحلة الجامعية وكان علي أن أختار حينها قال لي أحد الأصدقاء إن درست التاريخ فلن تجد الوقت لفهم شيفرة الحياة المعقدة أما إن درست الأحياء فالتاريخ سيبقى دائما في متناولك

 

طبعا لم يكن الأمر بهذه البساطة لكنني فعلا درست العلوم الطبية في الجامعة وبعدها تحصلت على منحة لدراسة الدكتوراه في جامعة أكسفورد في علم الجينات وبعدها عملت لبعض الوقت في أحد المراكز البحثية المرموقة في الغرب

 

لكن مقامي في هذا الغرب لم يطل كثيرا عدت إلى هذا الشرق الأوسط الذي أحبه رغم كل تعقيداته لطالما آمنت أن قيمة شجرة واحدة في صحرائنا بألف شجرة في غابة كثيفة مطيرة

 

فعلا عدت وقضيت ثلاثة عشر عاما في كلية الطب في الجامعة الأردنية درست آلاف الطلاب وساهمت في إنشاء برامج للدراسات العليا وفي إنشاء مختبرات بحثية وأطلقت مبادرات طلابية إحداها كانت تسمى بالعربي في وقت من الأوقات كنا ما يناهز عشرة آلاف طالب طب في خمس دول عربية نترجم مقالات طبية محكمة للغة العربية

 

ثم جاءت المرحلة الأهم في حياتي المهنية مرحلة مشروع الجينوم في دولة قطر كنت الموظف الأول في الفريق ومعا حولناه من رؤية إلى أحد أهم المشاريع من نوعها في المنطقة والعالم

 

بنينا قاعدة بيانات جينية لأكثر من أربعمئة مليون عربي لم يكونوا ممثلين من قبل في قواعد البيانات الجينية العالمية والتي كان تسعون بالمئة منها يركز على الشعوب الأوروبية نشرنا دراساتنا في أرقى المجلات العلمية وأصبحت قطر لاعبا دوليا في مجال علم الجينوم والطب الدقيق

 

أما أنا فبعد عقود وأخيرا وجدت وقتا لشغفي الآخر التاريخ وبالتحديد تاريخ منطقتنا إحدى أقدم مناطق الاستيطان البشري على وجه الأرض ومسرح لأهم التحولات في تاريخ البشرية

 

هنا على هذه الأرض ترك الإنسان الترحال لأول مرة واستقر في قرى ومدن هنا تعلم البشر الزراعة لأول مرة هنا اخترع الحروف وكتب اللغات كل الأديان السماوية الرئيسية خرجت من هنا أقدم الحضارات البشرية نشأت هنا

 

تاريخ منطقتنا غني جدا لكن في كثير من الأحيان كتبه الآخرون بعضهم كان منصفا لكن بعضهم الآخر كان مصرا أن يرانا كما يريد هو لا كما كنا حقا عليه

 

كعالم جينات لدي ميزة أستطيع أن أقرأ التاريخ من خلال الحمض النووي هذه الشيفرة المعقدة لا تحدد فقط صفاتنا الجسدية والصحية هي أيضا مدونة تاريخية دقيقة جدا وهذه المدونة لا تكذب لا تجامل ولا تحمل أجندات

 

والحمض النووي أيضا اكتشفت أنك دائما ستجده أخلاقيا دائما ما سيدحض النظريات العنصرية ونظريات التفوق العرقي

 

مؤرخو الاستعمار والاستشراق بعضهم أراد إعادة تشكيل هوياتنا في فسيفساء متنافرة أنت فينيقي أنت فرعوني أنت أمازيغي رسموا بيننا خطوطا مستقيمة وقرروا هم أننا مختلفون جدا

 

لكن تلك الهويات الفرعية التي أرادونا أن نتمترس خلفها لا تصمد كثيرا أمام حقائق التشابك التاريخي والتشابك الجيني

 

في لبنان أكثر الطوائف المتخاصمة سياسيا هي الأكثر تطابقا جينيا وكلهم فينيقيون والفينيقيون هؤلاء فرع من الكنعانيين والكنعانيون هؤلاء من جزيرة العرب والفينيقيون الكنعانيون العرب أبحروا من سواحل الشام إلى سواحل شمال أفريقيا قبل آلاف السنين واختلطت جيناتهم بجينات أهل المغرب العربي قبل الإسلام بكثير

 

في مصر دراسة حديثة نشرت الصيف الماضي في مجلة نيتشر المرموقة أجريت على رفات فرعونية قديمة عمرها يناهز خمسة آلاف عام حينما حددوا أصولها وجدوا أن أصولها [عبارة غير واضحة] ليست مستقلة أصولها تشير إلى شمال أفريقيا إلى العراق إلى الشام

 

في اليمن دراسة أخرى حديثة نشرت في مجلة ساينتفيك ريبورتس في العام ألفين وأربعة وعشرين أظهرت أن تدفقا جينيا مهما معتبرا أتى من الشمال من الشام إلى اليمن وهذا عكس الاعتقاد السائد لدينا أن الهجرات دائما من اليمن إلى خارجه

 

والعرب ليسوا فقط في الجزيرة العربية قريش سادة القبائل العربية العدنانية هم من نسل إسماعيل وإسماعيل ابن لأب عراقي وأم مصرية

 

بلغة عصرنا إبراهيم عليه السلام عراقي هاجر إلى فلسطين ثم ذهب إلى مصر وهناك تزوج من هاجر المصرية ثم أرسل ابنه إسماعيل إلى جزيرة العرب وتزوج إسماعيل هناك من جرهم اليمنية القحطانية

 

باختصار شهدت المنطقة اختلاطا جينيا مستمرا منذ آلاف السنين الحركة لم تهدأ جيئة وذهابا وهذا طبيعي ليس هناك حواجز طبيعية بيننا لا محيطات ولا جبال شاهقة

 

حرفيا من المحيط إلى الخليج يستطيع شخص أن يخرج من البصرة على الخليج العربي يتبع أحد النهرين شمالا ثم يتجه غربا مع الهلال الخصيب إلى الشام لا يظمأ ولا يجوع وإن قرر أن يكمل المسيرة فسيقطع المسافة من غزة إلى مصر في بضعة أيام وإن أراد أن يكمل المسيرة مع ساحل المتوسط فلن يوقفه شيء حتى طنجة على المحيط الأطلسي

 

ولذلك لن تجد جينوم ابن القائم يختلف عن جينوم ابن البوكمال ولا جينوم ابن درعا عن جينوم ابن الرمثا ولا جينوم ابن رفح الفلسطينية عن جينوم ابن رفح المصرية ولا جينوم ابن تلمسان عن جينوم ابن وجدة

 

جينات العرب طيف متصل يتداخل مع بعضه البعض بانسياب ناعم متدرج وهذا الطيف لا ينقطع انصياعا للخطوط المستقيمة التي رسمها سير سايكس ومسيو بيكو

 

جيناتنا تحمل قصصا لا تنتهي ومنها قصة أنا كفلسطيني طردت عائلتي من موطنها كملايين العائلات الأخرى الفلسطينية من قبل أناس جاءوا في معظمهم من أوروبا حاول هؤلاء أن يقنعوا العالم أننا نحن متطفلون على هذه الأرض

 

اختزلوا تاريخ فلسطين الطويل بومضة مرت به قبل آلاف السنين متجاهلين آلافا من السنين قبلهم وآلافا من السنين بعدهم

 

هم أنفسهم يسمونها في كتبهم المقدسة بأرض كنعان إذن هي باعترافهم أرض الكنعانيين والكنعانيون هم الفلسطينيون هذا يحسم الأمر لكن في سرديتهم الكنعانيون قوم تبخروا هم قوم همجيون تم قتلهم جميعا على يد يوشع بن نون وهدمت كل قراهم ومدنهم ولم يبق لهم أثر

 

لكن الحمد لله على نعمة الحمض النووي هذا المؤرخ الصادق الصامت الذي لا يكذب ولا يجامل ولا ينسى

 

بحثت في الأمر أجريت فحصا على الحمض النووي الخاص بي أنا ليثبت لي أنني من نسل الكنعانيين الأوائل الذين سكنوا فلسطين منذ ما يزيد عن سبعة آلاف عام

 

وليس حمضي النووي أنا وحده ما يثبت هذا الارتباط دراسة أخرى نشرت في المجلة الأمريكية لعلم الجينات أمريكان جورنال أوف هيومن جينيتكس في العام ألفين وثمانية عشر حللت الحمض النووي لرفات كنعانية استخرجت من قرب الحدود اللبنانية الفلسطينية

 

ثم قارنت هذا الحمض النووي بذلك للمعاصرين من أبناء المنطقة لتجد أن هؤلاء يعودون بنسبهم إلى أولئك الكنعانيين قبل كل تلك الآلاف من السنين

 

هو خط جيني وراثي كنعاني لم ينقطع أبدا لم يتبخر الكنعانيون وما زال الفلسطينيون يتوارثون جيناتهم من العصر البرونزي إلى يومنا هذا

 

كعالم جينات أنا لست هنا لأقول بأن الحمض النووي جواز سفر أو شهادة ملكية أبدا ببساطة أنا هنا لأرد على من أراد أن يسلبني تاريخي كما سلبني أرضي

 

يكتب المنتصرون التاريخ لكن الحمض النووي يحتفظ بالحقيقة بصمت ثم يخرجها إلى النور ولو بعد حين

 

أنا سعيد سعيد لأنني أخيرا أجمع بين شغفي الأحياء والتاريخ بحثا عن معنى الحياة من أعماق الخلية إلى أعماق التاريخ