رحيل طفلتي معان… فاجعة تفضح الفجوة بين القمة والقاعدة
بلال العقايلة
لم تمت الطفلتان في
معان بسبب الحطب والدخان، بل بسبب الظلام... ظلام الفقر، وظلام السياسات، وظلام
حكومات تعرف أين تشرق الشمس، لكنها لا تسمح بدفئها للفقراء.
فصل التيار الكهربائي
إن صح ما يتم تداوله، عن منزل فقير دفع أبا مكلوما لاستخدام الحطب داخل البيت،
بحثا عن دفء يحمي أطفاله من البرد، فإذا بالدخان يسرق أنفاس طفلتين بريئتين ويصعد
بأرواحهما إلى السماء تاركا على الأرض سؤالا موجعا: من المسؤول؟ يا صاحب الولاية!
هذه ليست فاجعة عائلية
معزولة، بل جريمة اجتماعية مكتملة الأركان.
معان.. المحافظة التي
تغرق في الشمس والطاقة والمعادن، تُرك أهلها في العتمة، بينما تنصب على أراضيهم
مشاريع طاقة عملاقة، كانوا وعدوا الناس بأنها ستخفف عنهم كلفة الكهرباء وتوفر فرص
العمل، فإذا بها تتحول إلى أسوار عالية تفصل الثروة عن أصحابها.
قالوا لنا إن الكهرباء
ستكون أرخص، وإن الخير سيعم الجميع، لكن شيئا من هذا لم يحدث.
بل يقال إن الفائض من
الطاقة يُهدر أو يفرغ في الأرض، ولا يعاد توجيهه لحماية الفقراء من القطع أو البرد
أو الموت.
ويقال أيضا إن هذه
المشاريع ليست سوى واجهات لنافذين، أعادوا إنتاج الإقطاع بثوب جديد... أرض مسلوبة،
و ثروة محتكرة، وإنسان مهمل... ووجوه غريبة، في أرضي السليبة... تبيع ثماري و تحتل
داري.
في معان، يدفع الناس
ثمن التنمية مرتين: الأولى حين تتضرر بيئتهم من غبار الفوسفات والفوسفوريك
بلا اعتذار أو تعويض.
والأخرى حين تُدمر
طرقهم بشاحنات النقل دون مردود محلي،
وثالثة حين تُقام
مشاريع الطاقة على واجهاتهم العشائرية دون تشغيل أبنائهم أو تخفيض فواتيرهم.
ورغم كل ذلك، تُصنف
معان في مقدمة المحافظات فقرا وبطالة، خصوصا بين الشباب، وفق مراكز دراسات رسمية،
في مفارقة فادحة لا يمكن تفسيرها إلا بالتقصير والاختلال والغياب المتعمد للعدالة.
صحيح أن معان ليست
وحدها في هذا المشهد القاتم، فهي لا تختلف كثيرا عن ناعور أو سحاب من ضواحي عمان
أو بصيرا أو عنجرة أو جديتا، أو منشية أبو حمور في الكرك.. ولا عن كثير من البوادي
والمخيمات الأردنية، لكن الفارق الجوهري أن معان تعيش الفقر فوق بحر من الثروات،
دون أن ترى أثرها في حياة أبنائها، بل إن بعض هذه المشاريع بات مصدر أذى مباشر
للناس والبيئة.
قد يسأل سائل: أين
التكافل المجتمعي؟ والجواب أن الناس يتكافلون بما يستطيعون لكن الفقر حين يصبح
واسعا ومتشابها بين الناس يعجز الفقير عن إنقاذ الفقير.
المبادرات الأهلية
نبيلة، لكنها محدودة، ولا يمكن أن تحل محل دولة انسحبت من واجبها الرعائي.
رعاية الإنسان، وتأمين
حاجاته الأساسية من كهرباء ودفء وكرامة، ليست خيارا سياسيا، بل واجبا أخلاقيا
ودستوريا.
وحين تُترك مئات الأسر
مهددة بقطع الكهرباء دون بدائل أو حماية، فإننا لا نكون أمام أخطاء إدارية، بل
أمام سياسات تدفع الناس إلى حافة الموت.
الطفلتان في معان لم
تكونا أول الضحايا، وقد لا تكونان الأخيرتين إن استمر هذا النهج.
السؤال اليوم لم يعد:
لماذا حدث ما حدث لكن السؤال المنصف يقول من سيتحمل المسؤولية إن تكرر الأمر؟
ومن يملك الشجاعة ليقول
إن الدولة قصّرت، وإن الأرواح التي صعدت بغير ذنب كانت أمانة في أعناق الجميع.. من
علا منهم منصبه و من دنا.
إن حالة الغليان في
معان اليوم ... ليست صراخا في الهواء، ولا استثمارا في الألم، بل جرس إنذار عاجل.
فحين يُدفع الناس إلى
العتمة والبرد والجوع، فإن الصبر لا يكون فضيلة إلى ما لا نهاية. فالمجتمعات لا
تنفجر فجأة، بل تتآكل ببطء، حتى تأتي اللحظة التي لا ينفع فيها الندم ولا الاعتراف
المتأخر.
الخطر اليوم ليس في
مقال أو منشور، بل في واقع يراكم الإحباط، ويكسر الثقة، ويشعر الناس بأن حياتهم
أرخص من المشاريع، وأن دفء أطفالهم أقل أولوية من أرباح النافذين المنتفخين ترفا
وبذخا ورفاهية.
وحين يصل المواطن إلى
قناعة بأن الدولة لا تراه ولا تحميه، فإنه لن ينتظر طويلا ليبحث عن طرق أخرى
للبقاء والاحتجاج.
حين يتألم المواطن بوجع
الذبيح، فليس من واجبه أن يقول لكم ما هي مسؤوليتكم، ولكنها صرخات من عميق الألم..
أن
انتبهوا قبل أن تتحول
المآسي الفردية إلى حالة تشمل العموم، وقبل أن يقال غدا: الآن فهمناكم… لكن بعد
فوات الأوان.













