ترامب إذ يكمل مهمّة المحافظين الجدد
لميس اندوني
قد يبدو للوهلة الأولى أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هو نقيض
مجموعة "المحافظين الجدد "الذين سيطروا على السياسة الأميركية في أوائل
الألفية الثالثة؛ فلا يؤمن بإرسال الجيش الأميركي إلى أرض أي معركة، ولا يؤمن بنشر
الديمقراطية وفرضها، ولا بتفكيك أنظمة من أجل إعادة بنائها. لكنه لا يختلف مع
"المحافظين الجدد" في الهدف الاستراتيجي من منع روسيا، وقبلها الصين، من
تحدّي أميركا بوصفها القوة العظمى الوحيدة التي تبسط سيطرتها على الأرض بدون منازع.
غير أنه تعلّم من أخطاء المحافظين الجدد لاستيلاد أساليب، وإنْ بدت مجنونة، لتحقيق
الهدف نفسه.
مجموعة المحافظين الجدد، وهو تيار "يمين
متشدّد" برز بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وضع نصب عينيه استراتيجية تغيير
العالم بعيون أميركية، حتى لا تتحدى الصين سطوة أميركا وهيمنتها على العالم، وبدأت
تحقق رؤيتها بعد مجيء الرئيس جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض عام 2001، حين تبوأ
التيار مناصب عليا في الحكومة الأميركية.
كانت فكرة "المحافظين الجدد" استخدام
"نشر الديمقراطية" وإعادة بناء دول تعارض السياسة الأميركية وفقاً
للمصالح الأميركية. وبالطبع، التحكّم بحقول النفط حتى لا تقع تحت أيدي روسيا أو
الصين، وكانت أهم تجربة هي غزو العراق عام 2003 وتداعياته من تدمير الدولة
العراقية ودعم الصراعات الطائفية والعرقية.
مؤكّدٌ أن ترامب لا يعمل وحده، ولديه فريق
استراتيجي كان يهيّئ لهذه المرحلة قبل عودته إلى البيت الأبيض ثانية عام 2024،أحد
الفروق بين "مجموعة ترامب" و"مجموعة المحافظين الجدد" أن
ترامب، بالرغم من كذبه المستمر، أصدق من المحافظين الجدد، فنشرُ الديمقراطية كانت
كذبتهم الكبرى، بغرض إضفاء صفة أخلاقية على الحروب الأميركية. وبهذا أراحنا ترامب
من كذبة الحرص على الديمقراطية والشعوب، وكل ما ورد من أوهام نشرتها إدارة بوش
الابن عام 2002، فهو صريح ويؤمن بالقوة ولا شيء غيرها، إضافة إلى
"أخلاقه" التي نرى تعبيراتها داخل أميركا وخارجها. فمنذ ولايته الأولى،
أكّد ترامب أنه يفضّل العمليات النوعية، ولن يزجّ الجيش الأميركي في أي حروب خارج
أميركا، ورأينا ذلك في خياره ضرب إيران، ولكنه لم يرسل جيشاً إلى إيران أو
فنزويلا، وإنما سعى إلى السيطرة عليهما عن بعد.
أخذ ترامب من صفحة
المحافظين الجدد الكثير، لكنه طوّر أساليبه: فلا داعي لإرسال الجيوش، بل الاكتفاء
بالتهديد وخنق من يعارض أميركا وخطف الرؤساء، مثل ما حدث مع رئيس فنزويلا نيكولاس
مادورو، وإعطاء الأوامر بتسليم النفط الفنزويلي وتوظيف هذه العملية في تهديد الدول
وفرض سطوة أميركا، فهو لا يهاب الاتهام بالسرقة والنهب، وكما صرّح مرّة إنه لن
يرتكب خطأ أميركا في العراق التي أرسلت الجيش للسيطرة على حقول النفط ثم تركتها
للعراقيين.
هناك فرق آخر يتجلى في دور إسرائيل، ففيما كان المحافظون الجدد،
كما شرح ذلك أهم مفكّريهم ريتشارد بيرل، يردّدون أن دور إسرائيل تفكيك المنطقة
العربية، لمنع بعث ظاهرة القومية العربية والعداء للاستعمار وإسرائيل، وهي فكرة
مهّد لها المستشرق الاستعماري، برنارد لويس، في مطلع التسعينيات، حيت أفتى بأن لا
دولَ إلا إسرائيل وإيران وتركيا في المنطقة، أما البقية فهي آيلة للتفكك والتفتت
إلى طوائف وعشائر وإثنيات متصارعة.
ولكن ليست هذه سياسة ترامب، أو فريقه، فهو يعتقد
أنه قدّم لإسرائيل نصراً كبيراً حين أنجز الاتفاقيات الإبراهيمية مع الإمارات ودول
أخرى في عام 2020، لأنها أحدثت خرقاً في الوعي العربي تمهيداً لقبول إسرائيل
"وحقّها" في أرض فلسطين، ولا داعي لتفتيت الدول العربية، إذ يجلب هذا
فوضى وأخطاراً أمنية على أميركا وإسرائيل. لذا؛ فإن رفض ترامب أو تردده في إسقاط
كامل للنظام في فنزويلا أو إيران، كما كانت تدفع به إسرائيل، يعود أولاً إلى أن من
يخطّ هذه الاستراتيجية لترامب، يعي أن حل الجيش والحكومة العراقيين أدّى إلى فشل
المحاولات الأميركية في إعادة بناء العراق، وأصلاً كان الهدف التهديم وليس البناء،
فترامب يريد أن يرى إيران ضعيفة تنفّذ ما يريده منها، وعلى الأقل لا تجرؤ على
تحدّيه، فالتحكّم بأسعار النفط أهم لديه من أمنيات إسرائيل، لأن ذلك يدعم
إمبراطورية أميركا وبالتالي دكتاتوريته.
كذلك الأمر في فنزويلا، فما
حدث هو اعتداء عنيف وخطف للرئيس، لكنه انقلاب ناعم، إذ لم يسع ترامب إلى تعيين
التيار اليميني الذي دعمته أميركا سنوات داخل فنزويلا، لأنه لم يرد إنهاء
المؤسّسات أو الشرطة أو الجيش، واكتفى بإجبار نائبة الرئيس الفنزويلي على تحويل
إنتاج النفط إلى أميركا. أي أنه سبق المحافظين الجدد باجتراح وسائل نهب علنية، فلا
أمم متحدة ولا محكمة عدل دولية تهمّه، بل إن أوروبا، بالرغم من استيائها، غارقة
تماماً في جرائم أميركا في العالم. فترامب يحقق ما أراده المحافظون الجدد بوسائل
جديدة، من دون أن نعرف أسماء المخطّطين، إلا أنه لا يسمح للآخرين بمشاركته
الأضواء. لكن أحد الفروق بينه وبين المحافظين الجدد، بل وفي مسار سياسته، هو
تماديه في السطو الاستعماري ليصل إلى أوروبا، فبالرغم من عنصرية ترامب ضد
الملوّنين، فهو يحتقر الجميع، بما في ذلك العرق الأبيض، إذا لم يقبلوا بسطوة
الولايات المتحدة، وهذا ما نراه في إصراره على ضم جزيرة غرينلاند ونهبها من
الدنمارك؛ فهو لا يثق بحليفٍ أو تابع، لأنه يريد سيطرة محكمة تماماً للإمبراطورية
الأميركية.
هناك أيضا عامل الإثراء الشخصي له ولحلفائه من
الأوليغارشيا، ورأينا شبيهاً لهذا في إثراء المسؤولين الأميركيين وعدّة أعضاء في
مجموعة "المحافظين الجدد" من سيطرة شركاتهم على حقول النفط العراقية
فترة. ولكن ما نراه حالياً أوسع بكثير، فالعالم كله، من قطاع غزّة المسحوق جرّاء
حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، إلى فنزويلا وغرينلاند كلها مساحات
نهب علني للأوليغارشية الأميركية، وقد تكون عالمية في وقت كبير.
ما نراه ليس سوى البداية، فما يسمّى "تنفيذ
الشق الثاني" من خطّة ترامب لغزّة، الذي بينما يأمل الفلسطينيون أن يكون
إعادة بناء للقطاع المنهك، وهذا مشكوكٌ فيه؛ فالقطاع يرزح تحت احتلال إسرائيلي
أميركي، لكن غزّة كما يراها ترامب ملعب له ولشركائه الأثرياء. فالعالم يتجه إلى أن
يكون محكوماً من شلة أثرياء تقودهم أميركا بقوتها ووحشيتها، بحيث لا يبقى مكان
لحقوق أو تحرّر أو حرّيات. لذا؛ مجدّداً، لا بديل عن المقاومة ولو بالكلمة وعدم
التخلي عن الحقوق.
في العالم العربي، نخّت
الأنظمة ويجري دعسُنا، فهل من استفاقة؟!
العربي الجديد













