ربع قرنٍ.. بين حماسة البدايات وحكمة "الجدودة"
بقلم: د. أحمد زياد أبو
غنيمة
****
أتأمل هاتين الصورتين،
لا اعرف بالضبط كم الفرق بينهما، ولكنها على اقل تقدير ربع قرن من الزمان؛ فيقفز
إلى الذهن شريطُ ذكرياتٍ يمتد لخمس وعشرين عاماً..
ربع قرنٍ من الزمان
يفصل بين الشاب الذي كنته، وبين الكهل الذي أنا عليه اليوم بعد منتصف عقدي الخامس
ونيف.
****
في الصورة الأولى، أرى
تلك النظرة التي كانت تملؤها حماسة الشباب وعنفوان البدايات، كانت الأحلام حينها
بحجم الوطن، والرغبة في التغيير والإنجاز تسبق الخطوات.
كنت أظن أن الوقت مُلك
يميني، وأن الجُهد وحده كافٍ لقلب الموازين، كانت مرحلة الاندفاع، والعمل النقابي
والسياسي الدؤوب، والسعي لإثبات الذات.
****
وفي الصورة الثانية
الحديثه - قبل اسبوع من الآن -، أرى ما فعلته الأيام، لقد غزا الشيب المفرق، ورسمت
التجارب خطوطها على الوجه، ووضعت النظارة لتعين البصر الذي أرهقته القراءة ومتابعة
الأحداث؛ هنا، حلّت "الحكمة" مكان "الاندفاع"، و"التروي"
مكان "السرعة".
****
خلال هذه الرحلة، تعلمت
دروساً لا تُكتب في الكتب:
* أن المناصب زائلة والأثر باقٍ: تعلمت أن كل
المقاعد والمسميات النقابية أو السياسية تذهب وتجيء، ولا يبقى للإنسان إلا
"الذكر الطيب" وموقف حق وقفه، أو حاجة قضاها لملهوف، أو كلمة صدق قالها
في وقت صمت فيه الآخرون.
* أن الصبر مفتاح الفرج:
أدركت أن الأمور لا تأتي دائماً كما نشتهي، وأن تدبير الله أجمل وأرحم من تدبيرنا
لأنفسنا، فكم من أمرٍ حزنا لفوته، وتبين لاحقاً أن الخير كان في غيابه.
* قيمة العائلة والإرث: أيقنت أن الوفاء لإرث
الآباء ليس بالتقليد الأعمى، بل بحمل القيم والمبادئ وتطويرها لتناسب الزمان
والمكان، وأن العائلة هي الحصن الأول والأخير.
* التصالح مع الذات:
تعلمت أن أجمل ما يصل إليه الإنسان في عقده الخامس أو السادس هو
"الرضا". الرضا عن المسيرة رغم عثراتها، والتصالح مع الذات ومع الآخرين،
والترفع عن صغائر الأمور التي كانت تزعجنا قديماً..
****
ولا تخلو الرحلة من غصة
الفقد وألم الوداع.. فقد كان رحيل الوالد -رحمه الله- قبل عشر سنوات؛ محطة حزن
عميقة زلزلت الوجدان، فهو السند والمعلم والقدوة، ولم يكد الجرح يلتئم حتى فُجع
قلبي بعد سبع سنوات برحيل شقيقي الأكبر وعضيدي 'محمود'.
ورغم قسوة الغياب، إلا
أن هذه الابتلاءات لم تزدني إلا إصراراً على حمل الأمانة، والسير على خطاهم لحفظ
إرث العائلة ومسيرتها المُشرّفة في الأردن، ليبقى ذكرهم حياً.
****
وعلى صعيد العطاء
الفكري، لم يجف حبر القلم يوماً، بل ازداد عمقاً ونضجاً، لقد تنوعت إصداراتي على
امتداد ثلاثة عقود بين ادب الاطفال والتأريخ السياسي والإجتماعي والنقابي ، ولكن
بوصلتي اليوم تتجه بثبات نحو "التوثيق والتأريخ"، أجد في نفسي مسؤولية
تجاه حفظ تاريخنا المهني والنقابي والسياسي من النسيان.
ولأن لكل زمانٍ أدواته،
انطلقتُ عبر "بودكاست قادة الأعمال في القطاع الصيدلاني"؛ ليكون وثيقةً
عصرية تخلّد تجارب الرواد وتنقل خبراتهم للأجيال الشابة.
****
ثم جاءت 'الجدودة'
لتكون مسك الختام وعطر الأيام.. حين رزقني الله بالحفيدة الاولى الأميرة "
ناي "، أدركتُ معنى جديداً للحياة لم أكن أعرفه في عنفوان الشباب.
يقولون "ما أغلى
من الولد إلا ولد الولد"، وقد صدقوا، فحين أحتضن " ناي " او انظر
إليها تلهو وتلعب، تتلاشى متاعب السنين، وتصغر في عيني كل المعارك.
علمتني هذه المرحلة أن
القوة الحقيقية تكمن في اللين والمحبة، وأصبحت أنظر للمستقبل بعيونها، راجياً لها
ولأحفادنا جميعاً وطناً آمناً وحياة كريمة.
****
وخلاصة هذه المسيرة،
اليوم، وقد وصلت إلى
هذه المحطة من العمر، أحمد الله -عز وجل- على ما أعطى وعلى ما منع؛ وما زلت ذلك
الجندي في خدمة وطني وأمتي ومهنتي، ولكن بأسلحة مختلفة؛ سلاحها الخبرة، وذخيرتها
الحكمة، وهدفها مرضاة الله وخدمة الناس.
نعم،
تغيرت الملامح، واشتعل الرأس شيباً، ولكن القلب ما زال ينبض بنفس الحب لهذا الوطن،
وبنفس الانتماء لهذه الأرض المباركة.
أيقنتُ أن هذا الوطن
الغالي لا يحتاج منا المجاملة، بل يحتاج أقصى درجات الصدق، الصدق مع أنفسنا،
والصدق في إسداء النصيحة المُخلصة لقيادتنا الهاشمية، والإخلاص مع شعبنا.
إن المحافظة على تراب
هذا الوطن وحمايته أمانة في أعناقنا، ولا تُصان الاوطان إلا بالكلمة الحرة والرأي
السديد الذي لا يبتغي إلا مصلحة الأردن وعزته.
والحمد لله رب العالمين.














