شريط الأخبار
على هوامش الجدل الدائر حول قرار واشنطن بشأن "الإخوان" فرنسا ترفض المشاركة في "مجلس السلام" الأميركي لإدارة غزة المصري: إيرادات البلديات شهدت نمواً بواقع 33.9 مليون دينار وبنسبة 45% . الملك يلتقي أعضاء المكتب الدائم للنواب ويؤكد على تطوير آليات العمل الحزبي ولي العهد يترأس اجتماعا دوريا لمجلس تكنولوجيا المستقبل ليالي باردة جدا وتوقعات تشكل الصقيع خلال الايام المقبلة وفد اقتصادي أردني رفيع يزور الرياض لتعزيز الشراكة مع السعودية وعقد مجلس الأعمال المشترك قراءة في نظام تنظيم الإعلام الرقمي لسنة 2026 القرصان ترامب لرئيس النرويج: بما انكم لم تمنحوني جائزة نوبل فلم اعد ملزما بالسلام! جمعية أيتام معان تكرّم طلبة مشروع “إحسانكم” وحفّاظ القرآن الكريم رئيس مجلس الأعيان يبحث مع السفير الكندي تعزيز العلاقات الثنائية الجيش: إحباط محاولة تهريب مخدرات بواسطة بالونات متجهان إلى الأردن .. اسرائيل تضبط شخصين بحوزتهما قرابة 3.7 مليون دولار شركات توزيع الكهرباء تنفي تحميل الفاقد الكهربائي على فواتير المواطنين "شركات الكهرباء" ترد على النائب القباعي وتنفي إقرارها بتقسيم الفاقد على المشتركين اتهام بالإيدز عبر رسالة يهزّ عمّان: تحقيق رسمي بعد انهيار حياة شاب بريء المجلس القضائي ينعى القاضي دعاء السوقي الأردن يحصل على قرض قطري بقيمة 25 مليون دولار للناقل الوطني للمياه وفيات الإثنين 19 - 1 - 2026 21 وفاة على الأقل بحادث خروج قطار عن مساره في إسبانيا

قراءة واقعية ومسؤولية سياسية مطلوبة

سوريا بين التعافي المؤجّل والعبء المستمر على الأردن

سوريا بين التعافي المؤجّل والعبء المستمر على الأردن


 

نبيل إبراهيم حداد

مستشار هندسة وصناعة وإدارة مشاريع

 

 

من وجهة نظر أردنية واقعية، لا يمكن التعامل مع الوضع في سوريا بوصفه أزمة شارفت على الانتهاء، ولا حتى أزمة في طريقها الواضح إلى الاستقرار. المؤشرات السياسية والأمنية والاقتصادية جميعها تدل على أن سوريا ستبقى دولة هشّة ومتقلّبة لسنوات قادمة، وهو ما يفرض على الأردن أعباءً إضافية ومستمرة، تتجاوز البعد الإنساني إلى أبعاد أمنية واقتصادية وسيادية.

هذه ليست قراءة متشائمة، بل تقدير مخاطر يستند إلى تجارب دول خرجت من حروب طويلة، وإلى واقع جغرافي لا يملك الأردن ترف تجاهله.

 

ماذا نعني بدولة "طبيعية”؟

الدولة الطبيعية ليست دولة صامتة السلاح فقط، بل دولة:

آمنة تحت سلطة واحدة

موحّدة سياسيًا وإداريًا

تمتلك اقتصادًا مقبولًا يوفّر العمل والدخل والكرامة

وبهذا المقياس، فإن تجارب ما بعد النزاع في لبنان والعراق والبوسنة وفيتنام تقدّم دروسًا واضحة لسوريا وللأردن أيضًا.

 

دروس من تجارب ما بعد الحرب

لبنان: استقرار شكلي وانهيار مؤجّل

انتهت الحرب، لكن الدولة لم تحتكر القوة، وبقي القرار مجزّأ، والاقتصاد ريعيًا هشًا. النتيجة كانت انهيارًا شاملًا بعد سنوات من الوهم بالاستقرار.

الدرس: غياب الدولة الموحّدة والحوكمة الاقتصادية السليمة يجعل أي استقرار مؤقتًا.

العراق: بقاء الدولة دون تعافٍ

العراق يملك موارد ضخمة، لكنه يعاني أمنًا غير متكافئ، وفسادًا بنيويًا، واقتصادًا لا ينعكس رفاهًا على الناس.

الدرس: الموارد لا تصنع دولة طبيعية دون أمن موحّد وحوكمة فعّالة.

البوسنة: سلام بلا حيوية

توقفت الحرب وعاد الأمن، لكن النظام السياسي جَمّد الانقسامات، والاقتصاد بقي محدود النمو.

الدرس: يمكن تحقيق الأمان دون تحقيق الوحدة الفعلية أو الاقتصاد القادر على الحياة.

فيتنام: النموذج الوحيد المتكامل

فيتنام وحدها جمعت بين الأمن، والوحدة، والاقتصاد المنتج عبر إصلاحات براغماتية، واندماج دولي، وتقديم التنمية على الأيديولوجيا.

الدرس: التعافي الحقيقي يحتاج دولة قوية + اقتصاد منفتح + تطبيع خارجي.

 

أين تقف سوريا اليوم؟

واقع سوريا الحالي يضعها أقرب إلى مزيج من مخاطر لبنان والعراق والبوسنة، لا إلى نموذج فيتنام.

لا أمن موحّد، ولا اقتصاد قابل للحياة، ولا بيئة مشجعة لعودة الملايين من السوريين، بمن فيهم التجار والصناعيون الذين شكّلوا تاريخيًا عمود الاقتصاد السوري.

نعم، السوريون معروفون بثقافتهم التجارية، وهذه ما زالت قائمة – لكنها موجودة اليوم خارج سوريا: في الأردن، وتركيا، والخليج وأوروبا. عودتهم ليست مسألة عاطفة، بل قرار اقتصادي عقلاني مرتبط بالأمان، والقانون والعملة والبنوك.

 

ماذا يعني هذا للأردن؟

من منظور أردني، فإن استمرار هشاشة سوريا يعني:

أولًا: عبء لجوء طويل الأمد

اللاجئون السوريون لم يعودوا حالة طارئة، بل واقعًا ديموغرافيًا واقتصاديًا:

ضغط على التعليم والصحة والمياه

منافسة في سوق العمل منخفض الأجور

كلفة مالية مستمرة على الخزينة

ثانيًا: عبء أمني دائم

الحدود الشمالية تحوّلت إلى جبهة استنزاف:

تهريب مخدرات وسلاح

شبكات جريمة منظمة

احتمالات تصعيد مفاجئ

وهذا يتطلب جاهزية عسكرية وتقنية عالية ومكلفة.

ثالثًا: أثر مركّب على الاستقرار الداخلي

عندما يجتمع الضغط الاقتصادي مع القلق الأمني، تتأثر:

الأولويات التنموية

المزاج العام

قدرة الدولة على توجيه مواردها للنمو بدل الاحتواء

الأردن يدفع ثمن عدم استقرار لم يصنعه، لكنه يتحمّل كلفته يوميًا.

 

التوصية السياسية: ماذا يجب على الأردن أن يفعل؟

الواقعية تفرض أن يتحرك الأردن على ثلاثة مسارات متوازية:

1. التعامل مع سوريا كخطر مزمن لا أزمة مؤقتة

في التخطيط الوطني، والميزانيات، والأمن، والتنمية.

2. تحويل عبء الاستقرار إلى ورقة تفاوض دولية

على الأردن أن يقول بوضوح:

نحن لا نستضيف أزمة، بل نحمي استقرار الإقليم.

وهذا يتطلب:

تمويل دولي طويل الأمد لا مشاريع قصيرة

دعم مباشر للموازنة

ربط ملف اللاجئين بملف الأمن الإقليمي

3. المطالبة بنموذج تقاسم أعباء إقليمي ودولي

لا يمكن أن يُناقش "تطبيع سوريا” أو "إعادة إعمارها” دون احتساب:

كلفة اللاجئين على الدول المجاورة

كلفة حماية الحدود

كلفة الفرص الضائعة للتنمية

 

الخلاصة

سوريا لن تصبح دولة آمنة وموحّدة وذات اقتصاد مقبول قريبًا. وحتى يحدث ذلك، سيبقى الأردن دولة عازلة تتحمّل أعباء تفوق طاقتها الطبيعية.

الأردن أثبت مسؤوليته، لكن المسؤولية لا تعني الصمت.

الاستقرار له ثمن، ومن يدفعه يجب أن يكون شريكًا في القرار، لا مجرد متلقٍّ للوعود.

هذه ليست رسالة شكوى، بل رسالة سياسة واقعية:

إما أن يتحمّل العالم كلفة الاستقرار مع الأردن، أو كلفة أعلى في المستقبل.