شريط الأخبار
عندما توفي المعزب وأُكرم الضيوف: (هظول إحنا) .. الأردنيين سفارة فلسطين بدمشق: فرض موافقة مسبقة لدخول حاملي الجوازات الفلسطينية إلى سوريا هدم مقر الأونروا في القدس: معركة التصفية تتجدد جامعة البترا توقّع مذكرة تفاهم مع جامعة الحسين التقنية لتعزيز التعليم التقني والبحث العلمي صيادلة يرفضون مشروع نظام وتعليمات الطبابة عن بُعد وصرف الأدوية "أونلاين" وزير الصحة: إجراءات لإعادة تسعير الأدوية ضمن معادلة جديدة حسّان: خطة تنموية لإربد تشمل 140 مشروعا بقيمة 700 مليون دينار الملك يلتقي وجهاء وممثلين عن محافظة إربد.. ويفتتح مستشفى الاميرة بسمة الأميرة دينا مرعد تزور المستشفى التخصصي وتتابع أوضاع مرضى غزة الحباشنة: التعرفة التصاعدية ونظام الشرائح وراء ارتفاع فواتير الكهرباء غرفتا تجارة عمان والرياض" توقعان اتفاقية لتعزيز التكامل الاقتصادي الملك يفتتح مستشفى الأميرة بسمة ويوجه لتأسيس مركز لعلاج السرطان في إربد االملك يفتتح المعرض الدائم للمنتجات الزراعية والريفية في إربد الملك يلتقي وجهاء وممثلين عن محافظة إربد الفايز يدعو الشباب للتصدي إلى ذباب إلكتروني يستهدف الأردن الأمن العام يوضّح تفاصيل العثور على طفل بمحيط مستشفى التوتنجي الامن يوضح اسباب الازدحمات على جسر الملك حسين.. ويحمل اسرائيل المسؤولية الاولى تزامنًا مع زيارة الملك .. العيسوي يفتتح النُزل البيئي في محمية اليرموك الاحتلال يهدم منشات الاونروا بالقدس وترفع علم اسرائيل فوقها الذهب يرتفع إلى مستوى قياسي عالميًا والأونصة تتجاوز 4700 دولار

عندما توفي المعزب وأُكرم الضيوف: (هظول إحنا) .. الأردنيين

عندما توفي المعزب وأُكرم الضيوف: (هظول إحنا) .. الأردنيين


 

عوض ضيف الله الملاحمة 

 

من حقي أن أفتخر بأردنيتي ، لكن ليس من باب التعصب الأعمى ، البته ، بل فخر يستند بما لديّ من  أسبابه وموجباته . [[ كما أنني أفتخر بالقبائل والعشائر الأردنية ، والعربية عامة ، لأنني أعتبر العشيرة منظمة مجتمعية ضابطة لسلوك الفرد والجماعة ]] . 

 

يوم السبت الموافق ٢٠٢٦/١/١٧، فُجعت منطقة مرج الحمام عموماً ، وعشيرة المناصير ( العبّادية ) الأصيلة بفقد الشيخ الكريم الجليل / عايش جودة المناصير العبادي ( ابو كايد ) . وهو وجه عشائري معروف ، رحمه ربي وأسكنه فسيح جناته

 

وتزامن مع ذلك الفقد المفاجيء موقف عروبي أصيل عَزَّ نظيره أقدمت عليه عائلة الفقيد وتحديداً أبناءه . وحظي هذا الموقف بإهتمام كبير من الأردنيين عامة ، حيث إنشغلت وسائل التواصل الإجتماعي بهذا الحدث بشكل غير مسبوق

 

ولأهمية الحدث ، وددت تسليط الضوء عليه ، واليكم التفاصيل نقلاً عن  أحد أبنائه السيد / شامخ ، وأنا  أعرفهم  منذ حوالي ( ١٥ ) عاماً : كعادة الشيخ / عايش المناصير ، كان ينتظر ضيوفاً سبق ان دعاهم لتناول طعام الغداء في بيته ، في منطقة مرج الحمام . وقام أبنائه النشامى بكافة التحضيرات اللازمة ، التي تليق بضيوف الوالد كالعادة . وعند إستكمال كافة التجهيزات ، وقرب موعد وصول الضيوف ، قام المعزِّب ( أبو كايد ) بإرتداء أجمل ما لديه من الزي العربي الفاخر ، الذي يضيف هيبة لهيبته ووقاراً ووجاهة ، وتعطّر ، وأصبح يمازح زوجته وأبنائه بأنه جاهز لإستقبال ضيوفه بعد ان تعطّر ، مكرراً للجميع انه تعطّر بعطرٍ فاخر ، وعائلته تعرف عنه انه لا يحب  إستخدام العطر الا نادراً . وهَمَّ بالذهاب لصالة الضيوف ، لانه لم يتبقَ الا حوالي نصف ساعة على وصولهم ، وقبل ان يصل صالة الضيوف وأمام عددٍ من أفراد أسرته سقط على الأرض ، وتوفيّ ، بسبب إصابته ( بجلطةٍ ) مفاجئة ، وغادرت الروح الجسد والأرض ، وصعدت الى السموات العُلى عند بارئها

 

صُعِق الحضور من أفراد الأسرة ، وتسمّروا لثوانٍ ، بسبب هذا الحدث الجلل . لكنهم سرعان ما إستجمعوا قواهم ، وأدركوا انه لا وقت مطلقاً لتضييعه ، فوصول الضيوف أصبح وشيكاً  . إتصلوا فوراً مع  عمهم ، واخبروه بالفاجعة ، وطالبوه بكتمان الخبر ، والحضور فوراً ، ليكونوا في إستقبال الضيوف . واتفقوا على ان يقولوا عندما يسأل الضيوف عن ( معزبهم )ان  ابو كايد : ذهب للمخفر ، ليحضر  أحد أبنائه ، لأنه  تعرض لمشكلة بسيطة ، وانه سيعود في الحال

 

أخفوا ، وكتموا خبر وفاة والدهم ليتموا إكرام ضيوفه ، حيث لم يمهله القدر للترحيب بهم ، فكان أبناءه النشامى  بديلاً عن والدهم في إتمام مراسم دعوته

 

وصل الضيوف ، وبدأوا بالترحيب بهم ، فتعالت أصوات المعازيب : يا هلا بضيوفنا الغانمين ، يا هلا بيكم : حياكم من ممشاكم لملفاكم ، تفضلوا ، يا هلا وغلا بضيوف الرحمن . وتستمر الإبتسامة ، ويستمر الترحيب بالضيوف . ولا شيء يظهر سوى  عبارات الترحيب و (التهلي ) ، يا هلا بالضيوف ، يا هلا والله ، أبرك الساعات ، تقدموا ، فوتوا . والوجوه الأصيلة تتهلل بِشراً ، وترحيباً ، وتوجيباً  . ويبدأون بصب القهوة العربية للضيوف ، ويتم سكب المناسف وتجهيزها . ويأتي دور بعض الشباب ، فيحمل كل شاب منسفاً ( ويقلطوها ) للضيوف ، وكأنهم خط إنتاج في مصنع الكرم والرجولة . ويوزعونها على الطاولات التي تم تجهيزها مسبقاً . ويرتفع صوت أحد اكبر إخوة المعزب  — لغياب المعزب الرئيسي — ويقول : حيا الله الضيوف ، ( أقلطوا )على الميسور ، على طيبة النفس ، وإلا الغداء ما هو من قيمتكم . يرد أحد الضيوف : الميسور غانم ، ترى والله إنّا كلفناكم ، لكن وين معزبنا ابو كايد ، ترانا ما شفناه ، وينه !؟ 

ويأتيه الرد من شقيق ( أبو كايد ) ، ويقول : ودنا تعذرونا يالربع ، ترى معزبكم راح للمخفر ، واحد تبلى على ابنه الصغير ، وراح ينهي الإجراءات ويجيبه ، وهو جاي بالطريق ، ان شاء الله انه ( مايبطي ) ، ما تصيروا متغديين غير هو جاي ،  إن شاء الله ، ترى مشواركم طويل وانتم جوعانين يا ضيوف الرحمن

 

الإبتسامه مطبوعة على وجوه المعازيب دون إستثناء . والأصوات تتعالى ترحيباً ، وهذا يقول : يا شباب : الشراب ، وزعوا الشراب على ( المواكل ) ، والثاني يقول : وين الشراك ، حطوا شراك على كل الطاولات ، وثالث ينادي : لاتنسوا المية يالربع . وآخر يقول : ترى الزاد لَتْقَلَّطْ خلص ، وجيرة الله ما واحد يقوم وليه خاطر بالزاد

 

وكأن شيئاً لم يكن ، وكأن شيخاً لم ( يتجندل ) . وينتهي الغداء ، بمغادرة كافة الضيوف للمناسف ، ليغسلوا أيديهم . وتُسكب القهوة العربية الأصيلة ، أصالة المعازيب والضيوف معاً ، عندها ينبري كبير الضيوف قائلاً بصوت جهور : يالربع وين أبو كايد ، تراه أبطى ؟ خير ان شاء الله !؟ 

فيأيتيه الرد الصاعق ، والخبر اليقين على لسان شقيق أبو كايد : يالربع ، يا ضيوف الرحمن : ترى والله أبو كايد : عطاكم عمره ، توفى قبل نص ساعة من وصولكم ، والدايم الله ، وهاذي سنة الحياة ، ولا نقول الّا ما يرضي الله سبحانه وتعالى

 

يسود صمت مُطبق بحجم المأساة ، وبقدر المصاب ، وتعتلي الوجوه الحسرة والألم ، وتكفهر ، وتصفر  ، وتتلعثم الألسن ، وترتجف الشفاه لبرهة من الزمن . لملم الضيوف حزنهم ، واعتذروا ، وشكروا ، وتألموا على عِظم الفقد ، وترحموا على أبي كايد ، وقرأوا الفاتحة على روحه ، وإستأذن الضيوف قائلين : كثر الله خيركم ، وتمدوا من وساع ، وترخصوا لنا ، على شان تقوموا بالواجب تجاه أبو كايد لإكرامه بدفنه ، وانصرفوا

 

لله درُّك أيها الأردني الأصيل ما أروعك وما أعظم مواقفك . عشيرة أردنية أصيلة ( تجندل ) أحد شيوخها ، وزاره ملك الموت ، وقبض روحه الطاهره ، وفارق الحياة ، وكافة أفراد أسرته وبعض من اقاربه حوله ، ويتخذون قراراهم الشجاع الأصيل بكظم الغيض ، وإخماد نار الحزن ، والتعالي على الفقد الجلل ، وكبتوا مشاعرهم تجاه شيخهم وكبيرهم الذي فارق الحياة وفارقهم ، وتعالوا على المصاب العظيم ، وأخفوا حالة الوفاة ، وتظاهروا بان الحياة طبيعية ووردية وان شغلهم الشاغل وهمهم الأساس ومرادهم الذي يسعون اليه محصور فقط في قيامهم بواجب ضيفوهم . حتى نسائهم ( خوات رجال ) لم يشققن جيباً ، ولم تظهر عليهن علامات الحزن ، وإكتفين بأن لُذّْنَ بصمت يعلوه حزنا  ناءت من حمله الجبال

 

وأختم بما هو أجمل عن شيم الأردنيين بعدد من الأبيات لزميل الدراسة ، ورفيق الغربة الشاعر الشعبي المرحوم / فاضل الزعبي ، حيث يقول :—

شِدّوا على رحالكم 

 وإلفوا  ع ديرة هلي 

ملفاكم الخير 

وطيب أهلي يحليها 

هظول إحنا 

الفخر يمشي بنواصينا 

هظول إحنا زُلُمْ 

وان ضاعت النخوة تلاقينا 

إنجوع ونقسم اللقمة 

ع ضيم وجوع نقسمها 

ولا مرة مضافتنا إستحت بينا .