42% من شباب الاردن يتمنون الهجرة
أزمة الفقر والبطالة والمديونية في الأردن: حقائق صادمة من قلب الأرقام
د. هايل ودعان الدعجة
في هذا المقال نُسلط
الضوء على إحدى أكثر الحلقات الإذاعية تأثيرًا، والتي بُثت عبر إذاعة "عين FM” في برنامج "مكانك سر” مع الإعلامي عامر الرجوب،
مستضيفًا أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي. تناولت الحلقة بجرأة الواقع
الاقتصادي المأزوم في الأردن من خلال تحليل دقيق لأرقام المديونية، البطالة،
والفقر. الأرقام كانت مفاجئة، بل صادمة، وأطلقت ناقوس الخطر على مستوى الدولة
والمجتمع معًا. هذا المقال يمثل تلخيصًا شاملًا لمجريات الحوار، مبنيًا على
معلومات رسمية وإحصائيات موثقة، في محاولة لتبسيط الصورة للقارئ العام، وتحفيز
الوعي والتحرك نحو حلول واقعية.
⸻
تمهيد: عندما تتحدث
الأرقام… فلا مجال للمجاملة
بدأ الإعلامي عامر
الرجوب حديثه بنبرة من الحزن، معبرًا عن رغبته في أن تكون الأرقام التي سيعرضها هي
أرقام إنجاز وتنمية. لكن الواقع المؤلم فرض نفسه، فالأرقام تكشف أننا نعيش على
القروض، وأن الدين أصبح رفيق المواطن من الجنوب إلى الشمال. ففي أول تسعة شهور فقط
من عام 2024، اقترض المواطنون من البنوك أرقامًا فلكية:
• العقبة: 600 مليون دينار
• معان: 242 مليون دينار
• الطفيلة: 150 مليون دينار
• الكرك: 689 مليون دينار
• مادبا: 310 ملايين دينار
• جرش: 221 مليون دينار
• عجلون: 189 مليون دينار
• الزرقاء: أكثر من مليار دينار
• عمان: 29 مليار و434 مليون دينار!
إذا جمعنا هذه الأرقام،
نجد أننا نتحدث عن مليارات تُقترض من البنوك، ليست في الغالب لأغراض استثمارية، بل
لتغطية النفقات الأساسية للحياة.
⸻
القروض الاستهلاكية:
الضرورة لا الرفاهية
الدكتور حسين الخزاعي
أكد أن معظم هذه القروض هي قروض استهلاكية، لا تتعلق برفاهية أو ترف، بل تُستخدم
لسداد رسوم المدارس، أو إصلاحات منزلية، أو حتى للذهاب إلى الحج. بل ذكر أمثلة حية
لأشخاص يضطرون للاقتراض لتزويج أبنائهم أو لتأمين مستلزمات التعليم الجامعي.
هذا النوع من القروض
يؤدي إلى تأثير اجتماعي كارثي، ويضع الأسر في دوامة لا تنتهي من الدين. فالمواطن
يسد قرضًا بقرض جديد، والحكومة تفعل الشيء ذاته مع الديون الخارجية. وأخطر ما في
الموضوع أن نسبة كبيرة من القروض تُصنف على أنها "متعسرة السداد”.
⸻
فجوة الدخل بين
المحافظات
طرح الدكتور الخزاعي
نقطة بالغة الأهمية: الفجوة في الرواتب بين العاصمة والمحافظات. وفقًا لإحصاءات
مؤسسة الضمان الاجتماعي:
• متوسط الأجر في عمان: 683 دينارًا
• عجلون: 388 دينارًا
• إربد: 444 دينارًا
• المفرق: 471 دينارًا
• العقبة: 689 دينارًا
• معان: 570 دينارًا
هذه الفجوة تؤدي إلى
تزايد المديونية في المحافظات، حيث لا يتناسب الدخل مع احتياجات الحياة، مما يدفع
الناس للاقتراض.
⸻
واقع المتقاعدين: فئة
مسحوقة
تحدث الدكتور الخزاعي
أيضًا عن المتقاعدين في الأردن، معتبرًا إياهم "أكثر طبقة مظلومة”. فـ 68% من
المتقاعدين يتقاضون أقل من 450 دينارًا شهريًا، بينما هناك من يتقاضى أقل من 200
دينار! هؤلاء ليس لديهم خيار سوى اللجوء للدين لتلبية احتياجاتهم أو تعليم أولادهم
أو حتى دفع إيجارات البيوت.
⸻
النسبة المذهلة للبطالة
تطرقت الحلقة إلى أرقام
البطالة، معتمدين على تقارير رسمية من دائرة الإحصاءات العامة والبنك المركزي:
• النسبة الرسمية للبطالة: 21%
• البطالة بين المتزوجين: 24%
• من لم يسبق له العمل نهائيًا: 43.6%
• البطالة بين الشباب (15–24 عامًا): 35.9%
• البطالة بين حملة البكالوريوس: 44% (للجنسين)
و76.6% (للإناث فقط)
هذه النسب تكشف كارثة:
مجتمع فتي بنسبة عالية من الشباب، لكنه بلا عمل. والأسوأ أن نسبة كبيرة من
الخريجين يوافقون على العمل بأقل من الحد الأدنى للأجور فقط من أجل البقاء.
⸻
الشباب والهجرة: الهروب
من الأزمة
من أكثر الأرقام التي
أثارت الاستغراب أن 42% من الشباب و39% من الشابات لديهم رغبة بالهجرة خارج
البلاد. هذا يعكس حالة من الإحباط العام، وانعدام الأفق، وفقدان الثقة بإمكانية
التغيير من الداخل.
⸻
الأرقام الحكومية: غياب
الشفافية أم تناقض؟
خلال الحلقة، تم عرض
تضارب كبير في أرقام الحكومة حول عدد العاطلين عن العمل:
• وزير العمل في 2022: 435,000 متعطل
• ديوان الخدمة المدنية في 2023: 486,000
• الحساب الفعلي الذي قام به الدكتور الخزاعي:
مليون و33 ألف متعطل (بعد استبعاد طلاب الجامعات ومن هم دون 18 سنة)
هذا التفاوت الكبير في
الأرقام يدل إما على نقص الشفافية أو عدم قدرة الجهات الرسمية على تتبع الظواهر
الاقتصادية بدقة.
⸻
الفقر: الرقم الأكثر
بؤسًا
آخر أرقام الفقر
الرسمية تعود لعام 2010، وقد بلغت آنذاك 14%. وفي 2019 أعلن رئيس الوزراء الأسبق
الرزاز أن الفقر بلغ 15.7%. ثم في 2021 ارتفع إلى 24% وفقًا لتصريحات وزير
التخطيط. لكن أطلس الفقر الصادر عن البنك الدولي أشار إلى أن معدل الفقر الحقيقي
وصل إلى 35%، وأن عدد الفقراء في الأردن بلغ 4 ملايين شخص!
ما زاد الطين بلّة هو
تآكل الطبقة الوسطى، التي كانت تمثل 28% في عام 2014، لكن لا تتوفر أرقام حديثة
عنها، ويبدو أنها تراجعت بشكل كبير.
⸻
ماذا بعد؟
ما خلصت إليه الحلقة أن
الأزمة الاقتصادية في الأردن مركّبة، وتتجلى بثلاثية قاتلة: الفقر، البطالة،
والمديونية. هذه الثلاثية تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ولا يمكن حلها عبر
وزارات أو مبادرات منفردة، بل تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة وتعاون بين كل مؤسسات
الدولة، ومصارحة حقيقية مع المواطنين.
⸻
الخلاصة التقييمية
الحلقة قدمت أرقامًا
واقعية ومدعمة بالمصادر الرسمية، وتناولت القضايا الاقتصادية والاجتماعية بجرأة
عالية، بعيدًا عن المجاملة أو التزييف. من الواضح أن الوضع الاقتصادي في الأردن
يتطلب إعادة نظر جذرية في السياسات التنموية، وتوجيه الديون نحو الاستثمار لا الاستهلاك،
والعمل الجاد على إعادة بناء الطبقة الوسطى التي تُعد صمام الأمان لأي مجتمع.
هذه الحلقة يجب أن
تُدرّس في كليات الاقتصاد والاجتماع، لأنها تكشف صورة حقيقية للواقع بدون أقنعة.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تجد هذه الصرخة طريقها إلى آذان المسؤولين والفاعلين
في الدولة، قبل أن نصل إلى نقطة اللاعودة.














