تقرير تحليلي استراتيجي
استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025 وتداعياتها على الشرق الأوسط والأردن
وائل المنسي
الملخص التنفيذي
تعكس استراتيجية الأمن
القومي الأمريكي 2025 تحوّلًا بنيويًا عميقًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي،
يقوم على الانتقال من منطق العولمة الليبرالية وإدارة النظام الدولي، إلى نموذج
الواقعية السيادية الصلبة المرتكز على أولوية المصلحة القومية الأمريكية، وفرض
الاستقرار من خلال التفوق والقوة.
في هذا السياق، لم يعد
الشرق الأوسط مسرحًا للتدخلات العسكرية الواسعة، بل مساحة لإدارة المخاطر عبر
الشراكات الانتقائية والاستثمار الأمني، الأمر الذي يضع دول المنطقة وعلى
رأسها الأردن أمام معادلة جديدة تجمع بين الضغوط المتزايدة والفرص المشروطة.
أولًا: الإطار
الفكري الواقعية السيادية كعقيدة حاكمة
لا تمثل الوثيقة مجرد
مراجعة تكتيكية، بل إعلانًا عن فلسفة حكم واضحة المعالم، قوامها:
سيادة الدولة-الأمة:
إعادة الاعتبار للسيادة الوطنية كمرتكز أعلى، مع التشكيك في جدوى المؤسسات متعددة
الأطراف ما لم تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
براغماتية سياسية بلا
أوهام قيمية: التخلي عن تصدير الديمقراطية أو هندسة المجتمعات، واعتماد مقاربة
التعامل مع الأنظمة القائمة وفق معادلات الاستقرار والمصلحة.
أولوية الأمن الداخلي:
اعتبار الحدود، والهوية الوطنية، والسيادة
الاقتصادية خطوط دفاع أولى، بما يبرر سياسات صارمة في الهجرة، والتجارة، والأمن
المجتمعي.
ثانيًا: المحاور
الاستراتيجية و إعادة تعريف القوة الأمريكية
1. الاقتصاد كسلاح جيواستراتيجي
لم يعد الاقتصاد أداة
نمو فحسب، بل أداة صراع مباشر عبر:
إعادة التصنيع
الاستراتيجي وسحب سلاسل التوريد الحساسة من البيئات غير الموثوقة.
تعزيز الهيمنة الطاقية
وتوظيف صادرات الطاقة كأداة نفوذ سياسي وأمني.
التجارة القسرية من
خلال الرسوم والعقوبات كوسيلة لفرض الامتثال الاستراتيجي.
2. العسكرة الذكية والتفوق التكنولوجي
تشهد العقيدة العسكرية
تحولًا من حروب الاستنزاف إلى ردع القوى الكبرى عبر:
الاستثمار المكثف في
الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والفضاء العسكري.
تطوير أنظمة دفاع
صاروخي شاملة لحماية العمق الأمريكي وتقليص الاعتماد على القواعد الأمامية الثقيلة.
إعادة تعريف الكفاءة
العسكرية على حساب الاعتبارات الاجتماعية داخل المؤسسة العسكرية.
3. تقاسم الأعباء: نهاية الحماية المجانية
تطالب واشنطن الحلفاء
بتحمل كلفة أعلى للأمن، سواء عبر زيادة الإنفاق الدفاعي أو المشاركة العملياتية،
ما يفرض ضغوطًا مالية وسياسية مباشرة على الشركاء.
ثالثًا: الشرق
الأوسط من ساحة صراع إلى منصة إدارة مصالح
تقوم المقاربة
الأمريكية الجديدة في المنطقة على ثلاث ركائز:
الاحتواء عبر الشراكات:
مواجهة التهديدات الإقليمية من خلال تمكين الحلفاء وبناء شبكات أمنية إقليمية، مع
إبقاء الخيار العسكري المحدود قائمًا كأداة ردع قصوى.
الانسحاب التكتيكي مع
البقاء الاستراتيجي:
تقليص الوجود البري الكثيف لصالح الانتشار
المرن، والاستخبارات، والحرب السيبرانية.
استثمارات انتقائية لا
شاملة:
تركيز على قطاعات ذات
عائد استراتيجي (الطاقة، التكنولوجيا، الأمن السيبراني) بدل مشاريع إعادة الإعمار
الواسعة.
رابعًا: التداعيات
الاستراتيجية على الأردن
1. التحديات الحرجة
تصاعد الضغوط المالية
والأمنية مع احتمالية ربط الدعم بشروط أكثر صرامة.
تآكل الدور التقليدي
للأردن كوسيط إقليمي في ظل تراجع الحلول السياسية الشاملة.
تعقيد الموقع
الجيوسياسي للأردن كدولة تماس بين محاور إقليمية متنافسة.
2. الفرص الاستراتيجية
تحويل الجغرافيا إلى
قيمة مضافة عبر ترسيخ دور الأردن كمركز لوجستي وأمني إقليمي.
جذب استثمارات نوعية في
مجالات الطاقة السلمية، والتكنولوجيا المتقدمة، والأمن المائي والغذائي.
إعادة صياغة العلاقة
الثنائية مع واشنطن على أساس تبادل مصالح واضح: الاستقرار مقابل أدوار أمنية
وخدمية استراتيجية.
خامسًا: التوصيات
تعكس استراتيجية الأمن
القومي الأمريكي 2025 تحوّلًا طويل الأمد في الذهنية الاستراتيجية الأمريكية، حيث
لم يعد الشرق الأوسط أولوية مطلقة، بل ملفًا يُدار بمنطق الكلفة والعائد.
بالنسبة للأردن، تمثل
هذه اللحظة إنذارًا استراتيجيًا وفرصة مشروطة.
النموذج التقليدي
القائم على المساعدات مقابل الاستقرار بلغ حدوده القصوى.
المطلوب اليوم هو إعادة
تموضع استباقي يعيد تعريف دور الأردن كشريك أمني ولوجستي ذي قيمة عالية، مع تنويع
التحالفات وتطوير أدوات النفوذ الوطني.
الاستجابة الذكية قد
تحوّل التحديات إلى رافعة استراتيجية، بينما التردد قد يدفع الأردن إلى هامش
معادلات إقليمية أكثر قسوة في المرحلة القادمة.














