شريط الأخبار
3 شهداء جراء قصف الاحتلال لمناطق بغزة أمطار غزيرة ورعدية وزخات بَرَد صباح الثلاثاء "المهندسين" تطلق دراسة وطنية لتطوير الطيران وتحويله إلى صناعة اقتصادية استراتيجية في المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة تعريفه القضاة: الأردن وسوريا يمتلكان فرصا حقيقية لبناء شراكة اقتصادية تجارتا عمّان ودمشق توقّعان اتفاقية توأمة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين السقا: لم نغير اسم الحزب ولم يصلنا طلب من "مستقلة الانتخاب" بتغيير "الاسلامي" الصفدي لـ عراقجي: الأردن لن يكون منطلقًا لأيّ عمل عسكري ضد إيران ولن يسمح بخرق اجوائه الملك يستقبل رئيس أركان الجيش الفرنسي العيسوي يلتقي وفدين من سيدات البادية الجنوبية ومبادرة "أفق التغيير" "المستقلة للانتخاب" تطالب "العمل الاسلامي" بتصويب اسمه الملك يبحث وبن زايد تعزيز التنسيق العربي فتح معبر رفح بالاتجاهين أمام حركة تنقل المرضى والمواطنين اسرائيل تخشى صفقة مع طهران وتريد الحرب: ويتكوف إلى تل ابيب لبحث ملفي إيران وغزة أزمة الفقر والبطالة والمديونية في الأردن: حقائق صادمة من قلب الأرقام اجواء دافئة اليوم وجبهة هوائية باردة غدا القبض على 5 أشخاص حاولوا اجتياز حدود الجبهة الشمالية انهيار متزايد في أسواق المعادن .. الذهب يهوي 7.5% والفضة تفقد 12% وزير الصحة .. من الإنتماء .. فيه نفحة ريال مدريد يحقق فوزاً صعباً على رايو فايكانو في الدوري الإسباني

في المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة تعريفه

في المشروع الوطني الفلسطيني وإعادة تعريفه


كتب: عريب الرنتاوي

لا ينعقد لقاء فلسطيني واحد، من دون أن تطرح على مائدته، فكرة "إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني"، ولا ينفض جمع فلسطيني واحد، دونما تأكيد على الحاجة لإعادة بعث وإحياء (إطلاق) حركة وطنية فلسطينية جديدة، أو متجددة...لكن سؤالَيْ المشروع والحركة المقترحين، يبقيا مع ذلك، معلقين في فراغ، اللهم باستثناء مداخلات جازمة منفردة، من هنا وهناك.

أمرٌ كهذا، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على عمق "المأزق" الوطني القائم، وحالة التيه التي تتقاذف المجتمع الفلسطيني، في المحتل من الوطن وفي الشتات، فلا مشروع وطنياً بات اليوم، موضع إجماع وطني، ولا الحركة الفلسطينية اليوم، بجناحيها الوطني والإسلامي، باتت تحظى بالثقة على قيادة مرحلة استراتيجية جديدة، دلف إليها الكفاح الوطني الفلسطيني، بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة، وجملة التحولات النوعية التي طرأت على المنظومتين الإقليمية والدولية، في هذا المقالة سنتحدث عن "المشروع الوطني وإعادة تعريفه"، على أن نخصص مقالة قادمة، لموضوع "الحركة الوطنية الجديدة أم المتجددة".

 

في المشروع الوطني وإعادة تعريفه:

مبعث تردد الكثيرين وهم يحاولون رسم ملامح مشروعهم الوطني الجديد، ينبع من مصدرين اثنين: أولهما؛ أن "حل الدولتين" الذي كان عنواناً دبلوماسياً ملطفاً لمشروع الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، ما زال بالمعنى السياسي والدبلوماسي، موضع إجماع، على الساحة الإقليمية، مدعّم بغالبية دولية وازنة، سيما بعد سلسلة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، التي رافقت الطوفان وأعقبته، مع أن المنادين بهذا الحل من الفلسطينيين، يدركون أتم الإدراك أن فرص نفاذه وتجسيده على الأرض، تكاد تكون معدومة في ظل الهجمة الاستيطانية الزاحفة، وبوجود ائتلاف يميني متطرف، على رأس السلطة والمجتمع في إسرائيل، ومع تفشي الصهيونية الدينية على مساحات واسعة من الخريطة السياسية والحزبية في دولة الاحتلال، في الحكم كما في المعارضة والشارع.

مقاربة أصحاب هذا الخيار، تقوم على رفض المقامرة بتبديد "المكتسبات المتحققة على مدى العشريات الأربع التي انقضت على "إعلان الاستقلال"، والقفز من فوق أرض "الشرعية الدولية" الصلبة، إلى رمال الحلول والمشاريع الأخرى، المتحركة، مثلما ينطلق هؤلاء من مسلّمة مفادها، أن "حل الدولتين"، وإن كان صعباً ومتعذراً في المدى المنظور، لغياب "شريك إسرائيلي وازن"، يقبل به ويعمل عليه، فإن "حل الدولة الواحدة" يبدو مستحيلاً، بالنظر لتبلور ما يشبه الإجماع الإسرائيلي على رفض الفكرة من أساسها، وهذه مقاربة صحيحة فقط في حال نظرنا للمسألة من منظور ما هو ممكن وغير ممكن، من وجهة النظر الإسرائيلية وحدها، لكن ما يقرر هوية ومضمون المشروع الوطني الفلسطيني، المُعاد تعريفه، لا يتوقف فقط، على ما يمكن لإسرائيل رفضه أو الأخذ به، ولا يتعين أن تصاغ ملامحه، من منظور اللحظة و"الستاتيكو".

آخر ما ورد على مسامعي في معرض "المنافحة" عن "حل الدولتين"، ما ورد على لسان خبير ودبلوماسي روسي سابق، سبق وأن تزاملت معه في حوارية حول الحركة والمشروع الوطنيين الفلسطينيين، التأمت في عمان، من تحذيرات صارمة مفادها أن التخلي عن مطلب "الدولتين"، سينقل المطامع الإسرائيلية إلى الأردن، وسيشجع اليمين المتطرف على تجديد نظرته للأردن بوصفه وطناً بديلاً للفلسطينيين، ومكاناً لدولتهم المقبلة...والحقيقة أن اليمين الإسرائيلي الفاشي، لم يتوقف عن إطلاق مثل هذه المواقف، وتبني تلك الاستراتيجيات، منذ أن نشأت إسرائيل، وأن مثل هذه الدعوات، كانت وستبقى، بدولة أو دولتين، أو من دونهما، ولنا في خرائطهم المتطايرة التي ترسم حدود "إسرائيل الكبرى"، ما يدفعنا للقلق ليس على الأردن وحده، وإنما على مروحة واسعة من دول الطوق والجوار.

مأزق الفلسطينيين مع "حل الدولتين"، إنه بات اليوم، "خدمة لفظية مجانية" تقدم لهم، من طائفة واسعة من الدول والحكومات، غير مقرونة بأي ضغط من أي نوع على إسرائيل، لجعل ترجمة هذا الخيار، أمراً ممكناً، بل ويمكن القول أنه تحول إلى "منحة" تقدم لحكومة اليمين الفاشي، لكسب مزيد من الوقت، الذي تملأه بزرع المستوطنات ونهب الأرض وطرد السكان، في غزة كما في الضفة الغربية والقدس...وتحت هذا الغطاء الكثيف من دخان التضليل، تظهر السلطة الفلسطينية بوصفها "وهم دولة"، بقاؤها مفيد طالما أن كانت تخدم هدف "تقطيع الوقت"، وإسقاطها، لا يحتاج لأكثر من "أمر عمليات يومي"، كتلك التي يتخذها الجيش الإسرائيلي صبح مساء.

لن ندخل هنا، في بحث عن جدوى وجود السلطة من عدمها، لكن إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، تقتضي إعادة تعريف وظائف السلطة، بوصفها جهة خدمية، لا أكثر، فيما القرار السياسي والسيادي، يتعين أن ينتقل إلى منظمة التحرير الفلسطينية، حال استردادها، وإعادة بعثها وتجديدها...بخلاف ذلك، يكون الفلسطينيون، مساهمون نشطون في مشروع "زراعة الوهم وترويجه".

ثانيهما؛ حل "الدولة الواحدة"، ثنائية القومية، أو "الديمقراطية العلمانية"، الناهضة على مبدأ المساواة في المواطنة، "صوت واحد للناخب الواحد"، وضمان الحقوق الفردية والجمعية لمختلف الكيانات والمكونات...بمعنى من المعاني، العودة إلى برنامج منظمة التحرير بطبعة مزيدة ومنقحة...إذ من المعروف، أن ثمة صيغ وأشكال طرحت خلال العقود الفائتة، لمفهوم الدولة الواحدة، يحتاج التفريق بينها، لمقالات أخرى، أكثر تفصيلاً...لكن ما يهمنا في هذه العجالة، تناول الموضوع بعنوانه العريض.

إذ لم يعد خافياً على أحد، أن هذا المشروع، أخذ يحتل مساحة تزداد اتساعاً على المستوى الفلسطيني، مع كل عقبة تضعها تل أبيب على طريق "حل الدولتين"، فيما يكاد أنصار هذا الحل، يختفون عن الخريطة السياسية والحزبية في إسرائيل...وتلكم إشكالية، تبرر لأنصار "حل الدولتين"، استمساكهم بهذا الخيار، كما أوضحنا.

والحقيقة أنه لا "حل الدولتين" ولا "الدولة الواحدة"، يبدوان في عداد الممكن في ظل الانهيار الفادح في توازنات القوى بين الاحتلال والشعب الخاضع له والمهجّر بفعله...والمشوار الذي يتعين على الفلسطينيين قطعه لانتزاع حد أدنى من حقوقهم الوطنية المشروع، ما زال طويلاً، ومعبداً بالمزيد من التضحيات الجسام...تلكم قضية موضع إجماع وطني، لا يشذ عنها، سوى موهوم أو صاحب غرض...فما لم يطرأ تغيير ملموس في موازين القوى وتوازناتها، لن يكون ممكناً الحديث جدياً عن "خط نهاية" لهذا الصراع الممتد لأكثر من مئوية من السنين.

وغني عن القول، أن الشعب الفلسطيني في تجمعاته الكبرى المتباينة في ظروفها وشروطها وأولوياتها، يواجه مهام وتحديات متباينة أيضاً، تلكم مسألة احتلت حيزاً مهماً في تفكير منذ انطلاقة حركتهم الوطنية المعاصرة، ليبقى السؤال: ما الذي يمكن أن يكون "شعاراً جامعاً" لكل هذه التجمعات، وكيف يمكن توحيد حركة الشعب الفلسطيني حول استراتيجية كفاحية مشتركة، وما هي أبرز ملامح هذه الاستراتيجية، وتحت أي مشروع وطني تندرج؟

هنا، تتعدد الإجابات وتتباين الأولويات بين من يتصدون للإجابة على هذه الأسئلة والتساؤلات، وأحسب أن أكثرها جدية، ومواءمة مع خصائص المرحلة الاستراتيجية الجديدة، هي الكفاح ضد نظام "الأبارتيد" والتمييز العنصري، الذي تمارسه الفاشية الجديدة في إسرائيل، ضد هذا الشعب، في مختلف أماكن تواجده، وإن بوسائل ووتائر وأدوات مختلفة، بمن فيهم اللاجئين وفلسطينيي الشتات، الممنوعون حتى من زيارة أرضهم وذويهم، في مقابل "حق مفتوح" لعودة أي يهودي، أو من يشتبه بيهوديته، في شتى أصقاع الأرض...وهذا ما وثّقته على أية حال، تقارير هيومن رايتس وأمنسي انترناشنال وغيرهما من المنظمات الحقوقية الدولية.

تحت هذا العنوان الأعرض، تندرج جملة من الأولويات الفلسطينية، بدءاً بوقف الإبادة والتهجير، ورفع الحصار والعقوبات الجماعية، وتعزيز صمود الفلسطينيين فوق ترابهم الوطني، وتحرير الأسرى والمعتقلين، ومناهضة كافة أشكال التعدي والإجرام بحق الشعب الفلسطيني، في الداخل (والداخل دواخل)، وفي الخارج.

ومن أجل تحقيق هذا الأهداف، فإن مختلف أشكال مقاومة، بما فيها المسلحة، ضد نظام الابارتيد والإبادة والتطهير والاحتلال والاستيطان، تبدو مشروعة، ومكفولة بموجب مختلف القوانين والشرائع الأرضية والسماوية، الحق في المقاومة، مقدس، لكن لا "قداسة" لشكل واحدٍ من أشكالها، والمقاومة من قبل ومن بعد، وسيلة وليست غاية، وهي وإن أخفقت حتى الآن، في إنجاز مهمة التحرير وتقرير المصير، إلا أنها خلقت تراكماً لا يُمحى، في الوعي الجمعي والذاكرة والهوية والكيانية...والشعب الفلسطيني وطلائعه المقبلة، سيحددان شكل المقاومة، وفقاً لتطورات الكفاح الوطني وتعقيداته، ومن ضمن ضوابط ومحددات، أهما "قدرة الشعب" على احتمال نتائجها والعيش معها، وبما يمكنه من البقاء والصمود على أرضه، فمن دون بقاء هذا الشعب في وطنه، لا يمكن الحديث عن أي شكل من أشكال المقاومة، لا سلمية ولا عنيفة.

وتحت هذا العنوان، الذي يكرس مكانة فلسطين كعنوان للحرية، سيكون ممكناً نسج أوسع التحالفات، ودمج كفاح شعب فلسطين، بحركة التضامن العالمية، وكفاح شعوب العالم ضد العنصرية واليمين المتطرف وخطاب الكراهية الشعبوي، في الشرق والغرب، وسيكون ممكناً دمج الحركة الوطنية الفلسطينية، الجديدة والمتجددة، بكفاح الشعوب العربية من أجل مستقبل حر ومزدهر وديمقراطي لها، وهو كفاح لن يبلغ ضفافه النهائية، فيما شبح "التطبيع" مع الفاشية، يطل برأسه البشع، من عواصم عدة، وفيما يشبه التحالف، المضمر والمعلن، بين الفساد والاستبداد من جهة، والفاشية الصهيونية من جهة ثانية، وبدور قيادي ليمين أمريكي (غربي) مصنوع من قماشة اليمين الإسرائيلي ذاتها.

على أن "مقاومة الأبارتيد" ودعوات الصمود والثبات، لا يمكنها وحدها أن تشكل الملمح الرئيس للمشروع الوطني الفلسطيني، إذ لا بد من رسم خط نهاية لهذه الحركة، وفي ظني أن الوصول إلى ضفاف "دولة ديمقراطية علمانية" يمكن أن يكون "خط النهاية" المقترح، ويمكن أن تنشأ في محطة ما على هذا الطريق، دولة فلسطينية على جزء من الأرض الفلسطينية (خطوط حزيران)، فليس من الحكمة رفض هذا الخيار، حين يكون ممكناً ومرضياً، ويتعين النظر إليه بوصفه محطة على طريق تقويض العنصرية الصهيونية، ومن دون أن إسقاط الحق بالمطالبة بصيغة من صيغ الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة، من النهر والبحر، دولة خالية من جميع أشكال التمييز العنصري، بالذات تلك التي استهدفت وتستهدف، سكان البلاد الأصليين.

في زمن الإبادة والتطهير والتهجير، قد يبدو طرحاً كهذاً، منبتاً عن الوقائع الصعبة المُعاشة، وقد يبدو انفصالاً وانفصاماً عن الواقع الصعب الذي يعيشه الفلسطينيون، ولكن من قال إن الأفق المُعَنون بـ"مجلس السلام" و"قوة الاستقرار الدولية"، ومشاريع "غزة خالية من دسم الهوية والمقاومة"، وضفة مطروحة على مشرحة الاستيطان والمليشيات السائبة، يمكن أن يكون أفقاً محمّلاً بالأمل والرجاء...مشوار الفلسطينيين نحو الحرية، ما زال طويلاًـ والطريق إليه ما زالت معبدة بالتضحيات.