انفجار إسلام آباد ليس حادثًا عابرًا
من يستفيد من باكستان ضعيفة… وكيف يمكن استعادة المسار الصحيح
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حدّاد
لم يكن الانفجار الذي
استهدف دار عبادة في إسلام آباد وأسفر عن عشرات القتلى والجرحى حادثًا أمنيًا
معزولًا، بل إشارة تحذير استراتيجية تكشف مخاطر بقاء الدولة في حالة ضعف ممتد: لا
انهيار كامل، ولا قدرة راسخة على الضبط والسيطرة.
إن رمزية الهدف بالغة
الدلالة. فالاعتداء داخل مكان عبادة، وفي قلب العاصمة، لا يمثّل استهدافًا
للمدنيين فحسب، بل اعتداءً على التماسك المجتمعي واختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة
على حماية مواطنيها دون تمييز. وعندما يقع ذلك في المركز السياسي لا في الأطراف،
فإن الرسالة أعمق وأكثر خطورة.
لماذا باكستان مهمة؟
(سياق للقارئ غير المتخصص)
تُعد باكستان خامس أكبر
دولة في العالم من حيث عدد السكان، ودولة نووية، ومحورًا جغرافيًا يربط جنوب آسيا
بوسطها والشرق الأوسط. وهي لاعب أساسي في معادلات الأمن الإقليمي المرتبطة بالهند
وأفغانستان والصين ومكافحة الإرهاب عالميًا. لذلك، فإن استقرار باكستان أو
اضطرابها لم يكن يومًا شأنًا داخليًا صرفًا، بل قضية ذات أثر إقليمي ودولي مباشر.
من يستفيد من ضعف
باكستان؟
أول المستفيدين هم
الفاعلون غير الجماعات متطرفة ومسلحة. فعندما تصبح مواجهة الدولة مكلفة، يجري
توجيه العنف إلى داخل المجتمع ذاته. ويؤدي العنف الطائفي إلى تفكيك الثقة بين
المكوّنات الاجتماعية، وتطبيع الخوف، وتحويل الصراع من "دولة في مواجهة عنف” إلى
"مجتمع في مواجهة ذاته”.
كما يستفيد الخصوم
الإقليميون بشكل غير مباشر. فالدولة المنهمكة بأزماتها الداخلية تفقد قدرتها على
المناورة الاستراتيجية، وتضعف أوراقها التفاوضية، دون حاجة إلى تدخل خارجي مباشر.
أما القوى الكبرى، فلا
مصلحة لها في انهيار باكستان، لما يحمله ذلك من مخاطر نووية وأمنية. لكنها في
الوقت ذاته تتعامل بارتياح مع دولة ضعيفة: أكثر قابلية للضغط، وأعلى اعتمادًا،
وأقل قدرة على فرض خياراتها الاستراتيجية.
ولا يمكن تجاهل البعد
الداخلي؛ إذ إن استمرار الضعف يخلق مستفيدين محليين يستخدمون الهشاشة الأمنية
لتبرير تأجيل الإصلاح وتقليص المساءلة.
لماذا يُعد الضعف أخطر
من الانهيار؟
الدول المنهارة تُجبر
الجميع على اتخاذ قرارات حاسمة. أما الدول الضعيفة فتنزف ببطء. تتآكل مؤسساتها
تدريجيًا، ويعتاد المجتمع العنف بوصفه جزءًا من "الوضع الطبيعي”. وهنا تكمن
الخطورة الحقيقية.
حادثة إسلام آباد تصبح
أكثر خطورة إذا جرى التعامل معها كحلقة عابرة، لا كجرس إنذار يتطلب مراجعة شاملة.
كيف يمكن الخروج من هذا
المسار؟
أولًا: توصيف صريح
للتهديد. العنف الطائفي ليس مسألة أمنية هامشية، بل تهديد وجودي لوحدة الدولة.
ثانيًا: حماية الرمز
قبل الموقع. حماية دور العبادة والمؤسسات المدنية رسالة سيادية لا إجراء أمني فقط.
ثالثًا: ربط الأمن
بالمحاسبة. لا استقرار مستدام دون قضاء مستقل وإنهاء الإفلات من العقاب.
رابعًا: استعادة
السردية الوطنية الجامعة، حيث تكون المواطنة فوق الطائفة، والمؤسسات فوق الأشخاص.
ملاحظة شخصية
أكتب هذا المقال ليس
فقط بصفتي محللًا، بل كشخص درس في باكستان خلال سبعينيات القرن الماضي. في تلك
المرحلة، عرفت بلدًا واثقًا بنفسه، نابضًا بالحيوية الفكرية، وطموحًا بمستقبله.
تلك التجربة تمنحني القناعة بأن ما تمر به باكستان اليوم ليس قدرًا محتومًا. لقد
ازدهرت من قبل، وقادرة على أن تزدهر من جديد.
الخلاصة
لا أحد يريد فشل
باكستان، لكن كثيرين تأقلموا مع باكستان ضعيفة. وهذا توازن خادع وخطِر.
الخيار ليس بين
الاستقرار والفوضى، بل بين إصلاح جريء اليوم أو تفكك أعمق غدًا.
الدولة التي تؤجل
الإصلاح خوفًا من الاضطراب،
ستواجه اضطرابًا أكبر
حين يصبح الإصلاح مستحيلًا.
·
مستشار الهندسة
والصناعة وإدارة المشاريع















