أوقفوا الحرب... قبل أن يسقط العالم في الهاوية
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حداد
ليس ما يجري في الشرق
الأوسط حرباً عابرة يمكن احتواؤها ببيان، أو تأجيلها بجولة تفاوضية شكلية، أو
التخفيف من وطأتها ببعض العبارات الدبلوماسية الباردة. ما يجري اليوم هو انزلاق
خطير نحو هاوية مفتوحة، تتجاوز حدود الجغرافيا المشتعلة، وتهدد بأن تمتد آثارها
إلى الاقتصاد العالمي، وإلى الأمن السياسي الدولي، وإلى استقرار الشعوب، وإلى لقمة
العيش في أمم لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل.
لقد بات واضحاً أن
الشرق الأوسط لم يعد وحده في مهب النار، بل إن العالم كله أخذ يقف على أطراف
القلق، يرقب بعين الخوف كيف تتحول أزمة إقليمية إلى مشروع اضطراب دولي واسع.
فالتجارة تتأثر، والطاقة ترتجف، والأسواق تفقد أعصابها، وسلاسل الإمداد ما تزال
أكثر هشاشة من أن تتحمل صدمة كبرى جديدة. ومن لا يرى ذلك، فإما أنه يعمى عن حقائق
العصر، أو يتعامى عنها عمداً، وكلا الأمرين كارثة في زمن لا يرحم الغافلين.
إن اللحظات الكبرى في
التاريخ لا تفضح الضعفاء، بل تفضح الأقوياء. فهي تكشف إن كانوا رجال مسؤولية أم
رجال مصالح، وإن كانوا أهل بصيرة أم أسرى غرور، وإن كانوا يعرفون متى يستخدمون
القوة ومتى يكفون أيديهم عنها. ومن هنا، فإن المسؤولية عن وقف هذا المسار المدمر
لا تقع على الأطراف المشتبكة وحدها، بل تقع كذلك على أولئك الذين يمسكون بمفاتيح
التأثير في النظام الدولي، وفي مقدمتهم الرؤساء ترامب وبوتين وشي.
فهؤلاء الثلاثة ليسوا
زعماء على هامش الحدث، ولا شهوداً عاجزين على ما يجري، بل هم أصحاب ثقل دولي،
ونفوذ سياسي، وأدوات ضغط، وقنوات اتصال، وقدرة على الفعل إن أرادوا. وإذا كانت
القيادة تعني شيئاً، فهي تعني أن يتحرك القادرون حين تعجز الكلمات، وأن يتدخل
أصحاب النفوذ حين يصبح الصمت تواطؤاً، وأن يرتفع رجال الدولة إلى مستوى الخطر حين
تنحدر المنطقة إلى حافة الانفجار.
إن على رئيسي روسيا
والصين أن يقولا للرئيس ترامب كلاماً لا لبس فيه: أوقف هذه الحرب فوراً. ليس غداً،
وليس حين تكتمل فصول الخراب، وليس بعد أن يفيض الإقليم بما فيه من دماء وحطام، بل
الآن. فالحرب التي تتجاوز حدود الأهداف المعقولة، وتستمر بعد أن تستنفد منطقها
السياسي، لا تعود أداةً من أدوات الدولة، بل تتحول إلى عبء عليها، وإلى لعنة على
محيطها، وإلى تهديد للعالم بأسره.
ولقد صار من الواضح أن
الاقتصاد العالمي يقف فوق أرض رخوة، وأن أي اهتزاز إضافي قد يدفعه إلى منزلق أشد
قتامة. فإذا اجتمعت الحرب مع اضطراب الطاقة، واختناق التجارة، وتآكل الثقة،
وارتباك الأسواق، فإن البشرية قد تجد نفسها أمام كساد كبير، وفقر أشد انتشاراً،
وضغوط معيشية خانقة، وربما أمام مشاهد جوع في المناطق الأضعف والأكثر هشاشة.
وعندئذ لن يكون ممكناً لأحد أن يقول إن المأساة كانت محلية، أو إن آثارها كانت
قابلة للحصر، لأن النار حين تستعر في قلب العالم لا تبقى محصورة في رمادها الأول.
ومع ذلك، فإن في المشهد
ما يشير إلى أن كثيراً من الأطراف في الشرق الأوسط لم تعد تريد حرباً بلا نهاية،
بل تبحث عن باب خروج يحفظ ماء الوجه ويصون الكرامة ويمنع السقوط الكامل. وهذه
الحقيقة يجب أن تُقرأ بعمق، لأن الحروب لا تُحسم دائماً بانتصار كامل، ولا تُغلق دائماً
على مشهد إخضاع مطلق، بل كثيراً ما تنتهي حين تدرك القيادات العاقلة أن كلفة
الاستمرار أفدح من كلفة التسوية، وأن التراجع المشرف خير من المضي الأعمى في طريق
الخراب.
ومن هنا، فإن أي جهد
سياسي جاد لا يجوز أن يبقى أسير المعالجة الجزئية أو التهدئة المؤقتة. فالتفاوض
المطلوب اليوم يجب ألا يقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل ينبغي أن يتسع ليشمل
النزاعات الكبرى التي تثقل كاهل العالم، لأن أزمات هذا العصر لم تعد معزولة، بل
أصبحت متشابكة في أسبابها ونتائجها، متداخلة في آثارها الاقتصادية والسياسية
والإنسانية. ومن الخطأ الفادح أن يُظن أن العالم يستطيع أن يعالج حريقاً هنا ويترك
حرائق أخرى تتغذى من المناخ نفسه وتعيد إنتاج الاضطراب من جديد.
أما الرئيس ترامب، فإنه
يقف اليوم أمام لحظة لا ينفع فيها استعراض القوة إذا غابت الحكمة، ولا تنفع فيها
الحماسة إذا غاب التقدير، ولا ينفع فيها التصعيد إذا صار هو نفسه أصل الأزمة.
فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال المعركة، بل في امتلاك الجرأة على وقفها
حين يصبح استمرارها خطراً على الجميع. ورجل الدولة لا يُقاس فقط بما يملكه من
وسائل الضغط، بل بما يملكه من بصيرة تمنعه من تحويل النفوذ إلى أداة هدم شامل.
وإذا استمرت هذه الحرب،
فإن العالم لن يتردد في تحميل الرؤساء ترامب وبوتين وشي المسؤولية المتساوية عن
نتائجها السياسية والاقتصادية والإنسانية. نعم، المسؤولية المتساوية، لأن من يملك
القدرة على التأثير ثم يمتنع، أو يؤجل، أو يكتفي بالمراقبة، لا يكون بريئاً من
العاقبة. ولن يستطيع أي منهم أن يحتج بعد ذلك بأنه لم يكن يعلم، أو لم يكن قادراً،
أو لم يجد سبيلاً إلى الفعل. فالتاريخ لا يقبل هذا العذر من أصحاب السلطان، ولا
يرحم أولئك الذين شاهدوا الحريق يعلو ثم حسبوا أن الزمن سيعفيهم من الحساب.
وفي مقابل هذا كله، فإن
سلوك الحكومة الإسرائيلية يبعث على بالغ الريبة والقلق، لأنه لم يعد يوحي بسياسة
منضبطة تعرف أين تبدأ وأين تنتهي، بل بات أقرب إلى اندفاع خطير نحو التدمير
المفتوح في الإقليم. وهذا ليس مسار أمن، ولا طريق استقرار، ولا سياسة دولة تبصر ما
وراء يومها، بل هو مسار يوسع الخراب، ويعمق الأحقاد، ويفتح أبواب الفوضى على أجيال
قادمة. وعندما تفقد الحكومة رشدها السياسي، وتستبدل الحساب الاستراتيجي بلغة القوة
العارية، فإنها لا تدمر خصومها وحدهم، بل تدفع المنطقة كلها نحو مصير أشد ظلاماً
واضطراباً.
إن العالم لا يحتاج إلى
مزيد من صخب السلاح، بل إلى صوت العقل. لا يحتاج إلى طبول الحرب، بل إلى شجاعة
الإيقاف. لا يحتاج إلى من يزايدون بالنار، بل إلى من يطفئونها قبل أن تأتي على ما
بقي من توازن واستقرار. كما أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل مزيداً من الأطلال، ولا
مزيداً من الفقد، ولا مزيداً من المآتم المعلقة على أبواب المستقبل. إن ما يحتاجه
هو تسوية سياسية جادة، عادلة في حدود الممكن، تحفظ الكرامة، وتردع الانهيار، وتفتح
كوة في هذا الجدار الثقيل من الدم والدخان.
إن النداء اليوم ليس
خطاباً إنشائياً، ولا ترفاً فكرياً، ولا أمنية أخلاقية تُقال في زمن العجز. إنه
أمر تفرضه ضرورات السياسة كما يفرضه حكم العقل. أوقفوا الحرب فوراً. اجمعوا
الأطراف المعنية إلى تفاوض جاد لا شكلي. وسّعوا دائرة المعالجة لتشمل النزاعات
الكبرى التي تضغط على العالم وتدفعه إلى مزيد من الاختلال. ولا تتركوا البشرية
رهينة الحسابات الضيقة، والعناد السياسي، وغرور القوة.
فإن لم يفعل أصحاب
القرار ذلك الآن، فإنهم لن يكونوا قد أخطأوا في التقدير فحسب، بل سيكونون قد
شاركوا في دفع العالم خطوة أخرى نحو الهاوية. وحينذاك، لن يذكر التاريخ فقط من
أشعل النار، بل سيذكر أيضاً من كان قادراً على إطفائها ثم اختار أن يقف متفرجاً.

























