تغوُّل .. التسوُّل
عوض ضيف الله الملاحمة
ليس صعباً على المهتم
المتابع لإنتشار ظاهرة التسوّل ان يصل الى قناعة ب ( تغوّل التسوّل ) . إستخدمت
هذا التعبير البلاغي القويّ ، كإستعارة مكنية ، لوصف إنتشار ظاهرة التسول .
ما يُقلق ان التسول
أصبح وسيلة للثراء ، بالخداع ، وليس لسد رمق الجياع .
التسول يعتبر ظاهرة
سلبية سيئة ، ويكشف عن إختلالات عديدة . فاذا كان التسول نتيجة فقر ، فهذا يدل على
ان المجتمع مُعتلّ ، ووضعه الإقتصادي والإجتماعي غير صحي .
واذا كان التسول خديعة
، ووسيلة للثراء ، فهذا يدلّ على غياب الرقابة ، ويؤشر على ان العقوبات غير رادعة .
لم يعد التسول وسيلة
للبحث عن لقمة لسد رمق جائع محتاج ، أبداً . أصلاً الغالبية المطلقة من
الأسر المحتاجة تكون عفيفة ، لا تلجأ للتسول .
لا أحد يُنكر جهود
الجهات المسؤولة للحد من ظاهرة التسول ، أبداً . والأدلة على الجهود المبذولة
كثيرة ، وبالأرقام ، حيث وصل عدد حملات القبض على المتسولين أرقاماً كبيرة ، وقد
أسفرت عن القاء القبض على ( ٩,٦٩٦ ) متسولاً خلال حملات عام ٢٠٢٥ . والدليل
على إستمرار هذا الخلل وازدياده يتمثل في الإزدياد السنوي في عدد المقبوض عليهم من
المتسولين ، فمثلاً بلغ عدد الذين قُبض عليهم عام ٢٠٢٤ ، ( ٧٤٥٣ ) متسولاً ، اي
بزيادة حوالي ( ٣٣٪ ) في عام ٢٠٢٥ عن عام ٢٠٢٤ . وتعتبر هذه النسبة زيادة صادمة .
رغم إستمرار الجهود
الرسمية لمكافحة ظاهرة التسول ، نلحظ ان الزيادة مضطردة ومستمرة بالإرتفاع ، وهذا
يتطلب حسبما أعتقد ، إجتراح حلول جديدة ، ووضع آليات للرقابة والمتابعة للحد من
إنتشار هذه الظاهرة السلبية الممجوجة والمرفوضة رسمياً وشعبياً . وعليه لابد من
وضع آليات جديدة للرقابة والمتابعة تناسب ، وتكشف أساليب الخداع التي يتبعها
المتسول.
جميعنا نشاهد عند
الإشارات الضوئية ، شباباً وصبايا في كامل صحتهم وعافيتهم ، وأغلب الشباب منهم
يكونون في سن العشرينات ، ومفتولي العضلات ، يحمل الواحد منهم قنينة ماء ، او علبة
محارم ، او وردة حمراء ، او باقة ورد بسيطة ، ويقتحم خصوصيتك ، وينقر زجاج سيارتك
، ويستخدم كافة وسائل التوسل حاثاً إيّاك على شراء علبة محارم او غيرها ، مدعياً
انه يسترزق منها . كما نرى انهم بدأوا يتجرأون ويقتحمون المحلات التجارية ،
وصالونات الحلاقة ، وحتى البنوك ، وهم يحملون شيئاً واحداً زهيد الثمن ، للتغطية
على تسولهم.
قبل حوالي عقدين من
الزمن ، تجرأ صحفي أردني شاب ، وخطط لإختراق عالم التسول ، ونجح في ذلك
نجاحاً باهراً ، ورصد كل مشاهداته ، واعتقد انه أمضى عدة شهور وهو يعيش بينهم
كواحدٍ منهم . وعندما نشر مشاهداته ، أذكر انه إكتشف ان عالم التسول وصل مرحلة
إحترافية ، ويعتبر نشاطاً تجارياً ، حيث هناك مكاتب ، ومدراء ، ومسؤولين ،
ومندوبين ، ومواصلات تنقل المتسولين ، كما اثبت ان هناك رقابة من المتسولين على
المتسولين ، وان مناطق التسول موزعة على كبار المتسولين ، وغيرها . كما كشف عن
متسول يمتلك فيلتين متلاصقتين في شارع المدينة الطبية . وأكد الصحفي انه دخل تلك
الفلل ، وشاهد الديكورات الفخمة ، والسيارات الفارهة ، ومستوى المعيشة الراقي .
إذا لم نكافح ظاهرة
التسول بجدية كبيرة ، وبتطور يتناسب مع تغير أساليبه ، فمن المؤكد اننا بعد سنوات
سنصل في أساليب التسول الى إختطاف الأطفال ، وتشويههم بعاهة مستدامة ، ليبقوا
متسولين طول العمر.
كما أتذكر ان متسولاً
كبيراً في السن ، كان يسكن في غرفة لا تصلح للسكن الآدمي ، وانه كان يعيش وحيداً ،
بدون زوجة ، وبدون أطفال ، وكان معروفاً في منطقة سكناه ، وعندما لم يشاهده أحداً
لأيام ، إكتشفوا انه قد توفي في غرفته ، والمفاجأة انهم إكتشفوا ان لديه الكثير من
الأموال المخبأة في ( شوالات ) وان المبلغ وصل الى مئات ألوف الدنانير ، حتى ان
بعض فئات العملة قد أُلغيت منذ عقودٍ من الزمن .
إستمعت الى حلقة من
برنامج الإعلامي الملتزم المحترم الأستاذ / عامر الرجوب ، عن التسول ، وانقل لكم
ما تفضل به الأستاذ / رياض عربيات ، مدير مديرية وحدة مكافحة التسول في وزارة
التنمية الإجتماعية ، خلال اللقاء ، حيث قال :— (( التسول أصبح مهنة ، وليس له
علاقة بالفقر والحاجة )). كما أفاد بأن التسول أصبح أنواعاً منها : التسول الرقمي
، والتسول أمام المساجد ، وبداخلها ، والتسول بالإدعاء لشراء دواء غالي الثمن .
ويكون المتسول متفقاً مع إحدى الصيدليات ، ولإقناع المتبرع ، يتم أخذه للصيدلية ،
ويتم سؤال الصيدلي عن حاجة المتسول لنوعٍ معين من الدواء غالي الثمن ، فيؤكد
الصيدلي صحة ذلك ، والنتيجة تكون زيادة مبيعات الصيدلية ، ويحصل المتسول على نسبة
من الثمن يقبضها من الصيدلي .
وأضاف السيد / رياض ،
بانهم يركزون في حملاتهم على ما يسمى ( المُسَخِّرْ ) أي الذي يُشغِّل المتسول .
حيث أفاد انه عند القاء القبض على المُسخِّر ، توجه له تهمة الإتجار بالبشر
، ويتم تحوليه للقضاء . وأضاف السيد / رياض ، بأن بعض طلبة الجامعات من أصول
آسيوية ، يتسولون ، وينفقون على أنفسهم ، ويسددون رسوم الجامعات ، ويحولون مبالغ
ليست بسيطة الى عائلاتهم في أوطانهم . تصوروا الى أي حَدٍّ وصل التسول في وطننا
الحبيب ؟ كما أشار السيد / رياض الى كثافة الحملات للتصدي لهذه الظاهرة غير
الحضارية ، وأعلن انه تم القيام ب ( ١٦٥٠ ) حملة خلال الأربعة أشهر الأولى من هذا
العام . وأفصح عن معلومة هامة تفيد بأن نسبة التكرار بين المتسولين تصل الى ( ٨٥٪
).
ديننا الحنيف يرفض
التسول ويحرِّمه . كما ان التسول منبوذ إجتماعياً . لكن الظاهرة في إزدياد ،
وإنتشار ملحوظ ، والمتسولون لا يعجزون عن إبتداع أساليب صادمة لإقناع الناس
بالتبرع لهم ، ونحن في فصل الربيع ، والصيف قادم . وأعتقد ان الذين إحترفوا التسول
، وإمتهنوه مستعدون ، ويجددون في إبتداع أساليب جديدة لخداع الناس ، وحثهم على
تبرع في غير مكانه ، فلا يكسبون حسنات ، لان ما يقدمونه ليس حسنات ، ويساعدون في
إنتشار ظاهرة سيئة ، تسيء للوطن والمواطن . لذلك لابد من إبتداع أساليب رقابة
فاعلة وجديدة لتفويت الفرصة عليهم ، للحد من تغول التسول وإنتشاره ، كونه ظاهرة
متخلفة ، سيئة تسيء للوطن وتشوهه






















